يعيش «عمرو خالد» هذه الأيام أزمة فقدان أتباع استقطبهم على مدار سنوات وجهد ومال، بأكثر من طريقة، ولعب أكثر من دور، ليكون مثل ممثل يجمع بين أدوار الكوميديا، والتراجيدي، والأكشن، والرومانسي، بدلًا من التركيز في دور واحد، فبإمكانك أن تصبح أحمد السقا، أو إسماعيل ياسين، لكنك تختار أن تكون حسن حسني.

في وقت انتشر في محطات المترو بائعو الكتيبات الدينية عن عذاب القبر والمسيح الدجال وتحريم الصداقة بين البنت والولد، ظهر عمرو خالد في بداية التسعينات، في وقت ليس للشباب المصري ما يسعى له، رجل دين يرتدي بدلة، ويلبس الألوان الفاتحة والجينز، غير ملتحي، ويدعو للدين بالحب.

مثّل عمرو خالد دور شاب مسلم لا يقبض على دينه كالقبض على الجمر، ولكن يدعو إلى استثمار الدين في المستقبل والعلاقات الاجتماعية والعاطفية، وربما هذا الشكل المحبب الوسطي من الدين هو ما جمع حوله الشباب بدلًا من كبار السن، ونجوم ومشاهير بدلًا من بيوت الفقراء.


عمرو خالد إخواني؟

مواليد الثمانينات والتسعينات يتذكرون جيدًا وقت بزوغ نجم عمرو خالد، خاصة مع شائعات تسببه في تحجب زوجة أحد أبناء مبارك.

وفي وقت لم يكن في دائرة الضوء معارض أو مخالف أو مضطهد سوى جماعة الإخوان المسلمين، وهي من تسيطر على الحراك الطلابي بالجامعات المصرية، وسبيل كل من يود الاختلاف عن السائد في المجتمع المصري الهادئ. عمل عمرو خالد في بدايته مع جماعة الإخوان وبرر ذلك بأنه لا يوجد شاب مسلم دخل الجامعة في الثمانينات وأراد الالتزام إلا ودخل في جماعة الإخوان المسلمين، ولكن تعاون عمرو خالد معهم أخذ منحى آخر في الفترة بين 1997 و2005، ولم تعد العلاقة توافقًا مذهبيًا دينيًا فقط، ولكن كان به بعض الجوانب العملية.

ففي نهاية التسعينات زاد نشاط عمرو خالد، والذي بدأه من الجامعة مقر جمهوره الأهم من الشباب، وأصبح معروفًا بإلقائه محاضرات للطلبة في تجمعات لشباب الإخوان، وطرح أفكار هينة لدعوة باقي الشباب للالتزام بالدين السمح البسيط، بالأنشطة والمسابقات ومعارض الكتب البسيطة.

الشكل الحداثي لعمرو خالد ساعد الطبقة الراقية في الالتزام بالدين دون فقدان مظهرهم الجمالي بلبس الجلباب الأبيض والعباءة السوداء، حتى وإن دخل مصر وقتها نظام العباءة الخليجية المتكلفة للجمع بين الدين والدنيا، ولكن عمرو خالد لسماحة أحاديثه لم يظهر في الزوايا المغمورة يهدد ويحرض، لكنه ظهر في مسجد نادي الصيد بالدقي ومسجد الحصري بأكتوبر، ثم الدخول لصالونات الطبقة الراقية بدعوة منهم، ليتخلى تدريجيًا عن مساعدة الإخوان المسلمين له بعد اتساع شريحة جمهوره، الذي أحب خطابه المتعارض نسبيًا مع خطاب فشل الإخوان المسلمون في ترويجه لسنوات بالسلم.


عمرو خالد ودين لا يعترف بالعنف لكن بـ «الحب»

بظهوره العلني وعلاقاته بالطبقة المتوسطة والراقية، ودعوته لدين نشط تفاعلي، لا يقتصر على حفظ القرآن وترك اللحية وتحريم طلاء الأظافر، استطاع عمرو خالد في فترة قصيرة أن يتبنى حملات ومشاريع تنموية وخدمة عموم المجتمع، ويكون واجهة لإعلانات عن خطر الإدمان والتدخين، مع اهتمامه بالدعوة على الوسائط الإلكترونية التي تجمع أكبر قدر من جمهوره الشباب، بمساعدة فريق عمل قوي، هدفه دين حسن المظهر وسمح الجوهر ويدر ربحا، متنكرًا بالأساس من انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، لضمان بقائه في دائرة الضوء، ولا دخل له بالشأن السياسي، مواليًا لأي نظام يحكم مصر، ولكن لم يكن بباله أن مصر قد يحكمها من 2010 إلى 2015 خمسة أنظمة سياسية مختلفة.


الدين المرن

تحول عمرو خالد من رجل الدين لرجل الأعمال حتى وإن لم يمتلك شركة، فكان هو الاستثمار لحملات دعائية وللنظام الحاكم في بعض الأوقات بالتماهي مع مشروعاته، حتى وصل لأن يكون أحد أذرعها بالسيطرة على الخطاب الديني السمح داخل الجامعة بدلًا من المتطرف، ونشر فكرة التعايش مع الغرب، وخطابات العولمة.

فأصبح خطابه ليس مصريًا أو عربيًا فقط، لكنه خطاب عالمي، ودعوة للحب، وساعده على هذه الشهرة العالمية تواجده في لندن فترات طويلة، وقد كتبت عنه شبكة BBC في عام 2010 أن «جمهور عمرو خالد يفوق جمهور الإعلامية أوبرا وينفري عددًا»، بينما صنّفته مجلة Times في عام 2007 من الشخصيات الأكثر تأثيرًا في العالم، لتأتي ثورة 25 يناير 2011 وتقطع عليه المشهد فجأة.


سياسة السكوت حتى ترسو المركبة

في وقت انتفض فيه كل جزء في الطبقة المصرية، وعلا فيها كل صوت، واحتد النقاش وأصبح سهلًا رمي التهم وتشويه سمعة الغير لكسب سباق، الجميع فيه متساوون، ومصر فيه بلا نظام يقبض على زمامها، تعرض عمرو خالد لهجوم في صلب دعوته، ففي إحدى حلقاته التليفزيونية على قناة اقرأ، روى عمرو خالد بعض المواقف من السيرة النبوية التي أخفق فيها الرسول محمد، وحاول تخفيف حمل الفشل عن كتف الشباب المصري بأن «حتى الرسول أخطأ» لدفعهم على التعلم من التجربة والأمل واستعادة الهمة.

كان لهذه الحلقة أن تمر بسلام لولا رد الشيخ محمد حسان عليه بحدة ليقول: «أنت اللي فاشل، وأفشل أهل الأرض.. ما فشل محمد قط». هجوم بدأه محمد حسان شيخ الشريحة المتزمتة والأكبر في السن والأقل تفتحًا وبساطة في العيش، ولكن لم ينته عنده، فانضم له مجموعة من الشيوخ السلفيين، في وقت اشتدت فيه شوكة السلفيين، معتبرين ما قاله «إهانة للرسول»، لكن المُحبِط لجمهور عمرو خالد هو أنه التزم الصمت عمّا تعرض له من اتهامات.

كانت خطوات عمرو خالد السياسية دومًا متأخرة، فبعد تنحي الرئيس مبارك، ظهر عمرو على شاشة تلفزيون BBC يصف يوم التنحي بـ «أعظم يوم في حياتي»، وأنها أول ثورة تنجح بلا قائد، وظهر مع محمود سعد ليلقي بمجاز أوقعه مع الجميع قائلًا: «إني رأيت الله في ميدان التحرير»، التشبيه الذي وصفه شيوخ السلفية بـ «الضلال».

كثُر تخبط عمرو خالد واعتذاراته على البرامج الحوارية وصفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي بعد الثورة لتخبط خطابه، والذي لم يكن السبب كونه مع أو ضد الثورة، ولكنه تخبط لرغبته الشديدة في عدم الظهور مع طرف ضد طرف، وخوفه من حمل أجندة سياسية، ما يعرضه للحجب في ظل نظام سياسي ضبابي، تخبط وضعه في صورة المُخطِئ والمُنتقَد بكثرة، سواء بحديثه عن حرمة سرقة إرسال القنوات الفضائية، أو الظهور مع فتيات غير محجبات والود بينهم، أو الظهور وهو يلعب مع فتيات بحديقة عامة، حتى دخوله عالم الكتابة وفي مجال الأدب بروايته «رافي بركات» والتي نالت سخرية جمهوره من داخل وخارج مصر.


عمرو خالد: لست إخوانيًا

حاول عمرو خالد إصلاح ما أفسده واللحاق بركب الدولة الجديدة – غير واضحة المعالم، فأسس حزبًا سياسيًا عام 2012 باسم «حزب مصر» وشعاره معًا نبني المستقبل، وهنأه عليه وقتئذ الفريق أحمد شفيق. الحزب السياسي الذي صرح عنه عمرو بأنه حزب تنموي، لا يتبنى مواقف سياسية، ولكن من خلال حزبه وبالاعتماد على شعبيته كرجل دين ظهر عمرو خالد يدعو للتصويت في الانتخابات الرئاسية، ربما قد نعتبرها من ضمن الدعوات التنموية أو خدمة للمجتمع، ولكن الأزمة بعد ذلك كانت في استضافته أعضاء من المجلس العسكري في برنامجه المذاع على قناة المصرية الرسمية، وتحول رجل الدين لإعلامي سياسي.

مع فوز محمد مرسي برئاسة الجمهورية، شارك عمرو خالد في اجتماع الرئيس مع القوى الوطنية لمناقشة أزمة سد النهضة، وشارك عمرو في الاجتماع باقتراحات سياسية ومحاور إستراتيجية حول تلك الأزمة.

صدم عمرو خالد جمهوره بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، فظهر وهو يؤدي التحية العسكرية لمجهودات الجيش في القضاء على الإرهاب بسيناء، الفيديو الذي تداوله جمهوره على مواقع التواصل الاجتماعي، باعتباره تأييدا لهذا الفض، ولكن ظهر عمرو خالد بعد هذا الفيديو على الإعلام في مداخلات تليفونية يرفض الحديث عن رأيه في فض الاعتصامين، وإعلان خروجه تمامًا من العمل السياسي واعتذاره لجمهوره.

وبعد خفوت نجم الإخوان عن الساحة السياسية، وكان الانضمام لجماعة الإخوان تهمة قد تلقي بصاحبها في السجن، نفى عمرو خالد بشدة اتهامه بالانضمام لهذه الجماعة، وقال: «لست إخوانيًا قطعا وهذا الكلام عيب وسخيف». كان للاتهام الذي تعرض له عمرو خالد بكونه إخوانيا في فترة حرجة سياسيًا أثره الواضح عليه، فظهر في برنامج «آخر النهار» مع خالد صلاح ، مُبديًا أسفه لما يتعرض له من هجوم، ما اعتبره حملة تهدف لإقصائه ولعبة سخيفة، لتتوازى الحملة ضده مع بزوخ نجوم دعاة مسلمين أصغر منه سنًا، وتوفر لهم الدعم المالي، ولم يحملهم الشباب ضرورة أن يكونوا رمزًا ونموذجًا لهم في جميع مناحي الحياة.


الدين لا يقف عند أحد

بعد 25 يناير وانشغال الشعب بالسياسة، وجد الشباب ما يفرغ فيه طاقته بالحديث عن التظاهر والبرلمان والبرامج الحوارية ثم رمي تهمة الإخفاق على كل طرف في اللعبة مرة وأخرى، فتراجع نجم عمرو خالد، واقتصر ظهور الدعاة الشباب ممن اتبعوا نهجه الوسطي في شهر رمضان شهر العبادات، وأصبح للشعب ما يشغله باقي الشهور.

في الأيام القليلة الماضية ربما أراد الله لعمرو خالد أن يظهر بشدة مرة أخرى بعدما اقتصر وجوده في كاريكاتيرات سخرية من طريقة كلامه، ولكن بالتأكيد لم يكن هذا الشكل الذي أراد عمرو خالد لنفسه أن يظهر به، حيث اقتطع متابعوه جزءًا من فيديو ظهر فيه عمرو خالد بملابس الإحرام في الحرم المكي بموسم الحج، وهو يدعو لمعجبي صفحته على الفيسبوك، ناظرًا بين الأحيان للكاميرا بينما يبدو الخشوع عليه أثناء الدعاء.

سخر الآلاف من الشباب على موقع فيسبوك من تمثيل عمرو خالد وانتقدوا اقتصار دعوته على معجبيه على فيسبوك، الهجوم الذي أعاد لعمرو الظهور بالبرامج الحوارية مدافعًا عن نفسه :

البعض خاض في عرضي وسخر مني واجتزأ حديثي وأكل لحمي دون أن يتحقق، وأقول لهم موعدُنا يوم القيامة … إنتوا زعلانين ليه؟ بدعي لمتابعي صفحتي وفاءً لهم، ده حقهم عليّا، ده واجبي، بتلوموني على أني بدعيلهم لما أطلع الحج؟ أنا مش فاهم البعض زعلان ليه؟ من يقول إني دعيت لهم وحدهم ولم أدع لباقي المسلمين كذب وافتراء، أنا دعيت لكل مسلمي العالم بالاسم، هذا تزوير واجتزاء والله سيُحاسب عليه، والله هو وحده من يحكم على نوايا الناس.

لم تكن هذه النهاية التي تمناها عمرو خالد لنفسه، ولسوء حظه، ففي نفس توقيت انتشار هذه الفيديو، ظهرت له صورة أخرى مع رجل رفع شارة رابعة، وعمرو ينظر له باستغراب شديد، واتهم الرجل باستغلاله.

لم يكن صدر عمرو خالد متسعًا لضم شعب دولة واحدة فرّقته السياسة، ولم يكن عقله مستوعبًا لكل التغيرات التي طرأت على مصر في السنوات الثماني الأخيرة، ولكن الأكيد أنه حاول الجمع بين أدوار عديدة تشتت بينها.