إذا كان بالإمكان إعطاء كائن ما درجة الدكتوراه الفخرية مكافأة له على ذكائه الجماعي، فإن النمل والنحل سيستحقان هذه المكافأة بجدارة لا تضاهى. يستطيع النمل إنجاز مهمات معقدة للغاية بالنسبة لذكائه وحجمه، مع هذا فإن يتمكن من إتمام هذه المهام بكفاءة وسرعة مذهلة. في نفس الوقت تمكن النحل من تنظيم مجتمعات غاية في التخصص والتنظيم والإنتاجية. كيف يمكن أن تستفيد التقنية من هذه السلوكيات؟

يمكن إرجاع الأمر إلى أن النمل والنحل -وعدة أنواع من الحشرات والكائنات الحية كالسمك- يعتمد على توزيع العمل لتصبح المئات منه بمثابة كائن واحد يمكنه إنجاز العديد مما لا تستطيع النملة الواحدة إنجازه أبدًا. يمثل النمل هنا أحد الكائنات التي تظهر فيها سلوكيات الانبثاق Emergence.

يعبر الانبثاق عن ذلك السلوك الذي تقوم به مجموعة من الكائنات الحية معا «ككل» ولا تستطيع الأفراد المنفصلة القيام به. يصاحب ذلك امتلاك المجموعة لخصائص لا تمتلكها الأفراد على حدة. هكذا تنبثق القدرات المذهلة إلى الوجود من تضافر جهود أعضاء المجموعة. وهكذا يمكننا أن نتعلم منهم كيف بالإمكان استغلال موارد محدودة لصنع روبوت، ربما يمكن وصفه بالغباء عند النظر إليه منفردًا، ولكنه قادر على الإتيان بمهام تتطلب ذكاء كبيرًا إذا عمل ضمن جماعة من نفس نوعه.

باختصار.. هكذا ظهرت فكرة أسراب الروبوتات swarm robots.


مجتمعات لامركزية

تبدأ فكرة عمل أسراب الروبوتات بصنع عدة نسخ من روبوت صغير –أو هكذا يفضل- وبسيط للغاية. بعض هذه الروبوتات لا تتمكن من فعل أي شيء أكثر من الحركة البسيطة للغاية وربما القدرة على إنتاج ضوء وإشعاعه والإحساس به. هكذا لا يصبح على الروبوت الواحد امتلاك أي برمجيات معقدة تمكنه من تعلم ألعاب معقدة أو القيام بمحاكاة أي مستوى تفكير.

لكن هذه هي البداية فقط.

سرب روبوتات

عندما نمتلك عددًا من هذه الروبوتات الوليدة، يصبح علينا صنع برمجية عامة يتم تقسيمها على كل أفراد السرب بالتساوي، ولكن دون جعل أي من الروبوتات مركز السرب على وجه الخصوص. تهدف هذه البرمجيات للتأكد من أنه إذا تداعى أحد أفراد السرب، فإن باقي السرب لا يتداعى معه. بهذا يتكون من هذه الروبوتات مجتمع لا مركزي decentralized.

في هذه المنظومة لا يصبح أحد الروبوتات هو القائد العام للمجموعة، كما في مجموعات البشر الواعية. بل يصبح الأمر أقرب إلى البكتيريا أكثر فأكثر، أو إلى خلايا الإنسان الجنينية التي تبدأ متشابهة تمامًا ثم تأخذ خطوة بخطوة في التفرد differentiation. يمكن للمرء تصور الفكرة بتخيل مشهد سرب من الأسماك يتحرك بذكاء ويقوم بتغيير التشكيلة التي يتحرك بها لتفادي كائن مفترس رغم أن الأسماك لا تمتلك ذكاء الكائنات البرية على الأقل.

تلك هي سمة سرب الروبوتات بالضبط. الجميع قائد والجميع تابع والمهمة توزع على الجميع على السواء، هذا بالطبع بالإضافة إلى عدم استطاعة أي من الأفراد القيام بالمهمة مستقلاً، ومع هذا فإن المجموعة قادرة على تحمل بعض الخسائر في أعضائها وتعويضهم. تلك المستويات العالية المنشودة من المرونة هي ما ميز مجتمعات الحشرات وجعلها القدوة والنموذج الذي تصبو إليه التطورات الروبوتية1.

لكن.. ما هي مؤهلات الروبوت الذي يستطيع أن يكون مواطنًا فعالاً في سرب؟


كيف تنضم للنادي؟

تتميز أسراب الروبوتات عن المنظومات متعددة الروبوتات الأخرى بعدة خصائص. من أهم هذه الخصائص استقلال الروبوت الواحد فيزيائيا عن زملائه. يعني الأمر كون الروبوت البسيط قادرًا على التصرف وحده autonomous ضمن الجماعة دون تحكم بشري. يتم تزويد الروبوتات الصغيرة بميكانيكية إحساس أو شعور بما حولها وبالروبوتات الأخرى sensors وميكانيكية تصرف actuators تشغيلية أو تنفيذية تمكنها من القيام بدورها من أجل الخير الأعظم للسرب.. المهمة الأساسية للسرب ككل.

بما أننا نتحدث عن سرب فإن العدد الكبير للوحدات الروبوتية الصغيرة عليه دائمًا ألا يكون عائقًا. على البرمجيات المصنوعة من أجل التحكم في السرب أن تكون بالمرونة الكافية لتنظيم عمل أعداد كبيرة من الروبوتات البسيطة، الأمر الذي إذا تمكن النظام من إتمامه فإنه سيستفيد بقدرة أكبر على إتمام مهام كلية أصعب2.

تندرج أسراب الروبوتات تحت نوعين أساسيين في التكوين. تتطابق الروبوتات في النوع الأول Homogenous في التكوين وتقوم جميعها بنفس المهمة بنفس الخطوات والميكانيكية تمامًا. من هذا المنظور فإن هذا النوع يستخدم لمضاعفة خاصية معينة تتواجد في كل الروبوتات على حدة. يشبه ذلك أسراب الأسماك التي تتكون كلها من نفس الفصيلة المتطابقة في كل السمات أو مجموعة النمل التي لا تستطيع أي منها حمل مكعب سكر كامل لكن بإمكان الجهود المتضافرة لعشرة منها إتمام المهمة سلاسة.

على الجانب الآخر نجد الروبوتات غير المتطابقة Heterogenous والتي رغم عدم وجود قائد لها إلا أنها تمتلك طيفًا من الروبوتات ذات التكوين الذي قد يختلف من مجموعة فرعية إلى أخرى بحيث تعمل كل مجموعة كعضو في الجسم يبذل جهده من أجل إبقاء الجسم ككل على قيد الحياة.

إذا حققت مجموعة الروبوتات كل هذه المتطلبات من البساطة الشديدة إلى القدرة البدائية على التصرف دون أوامر مباشرة وحتى القدرة على التنظيم الذاتي self-organizing فإنها تصبح قادرة على أن تكون عضوا فعالا ومتفانيا في السرب.

رغم هذه الآمال العريضة، تظهر دائمًا السحب المنذرة بالمتاعب في أفق كل تقنية وليدة.


الجانب المظلم للقمر

أسراب الروبوتات، الذكاء الاصطناعي، روبوتات، حشرات
فكرة رائعة؟ بالطبع.

إن التقنية المعتمدة على ذلك السلوك الانبثاقي تعد بالكثير، لكن وكما نرى دائمًا فإن التعقيد ينبثق هو الآخر عندما ننتقل من الأوراق النظرية إلى الواقع العملي. رغم أن قدرة الروبوتات البسيطة على الاتصال محدودة للغاية وتنحصر في أغلب الوقت على الأفراد المحيطين بها في السرب، إلا أن التداخل المؤدي للتشويش فيما بينها لا يمكن تجاهله.

كما يحدث في المجموعات البشرية، فإن التردد يؤثر أيضا على فهم الروبوت البسيط لأفعال زملائه مما قد يؤدي بهم للتصادم وإفشال مسعى بعضهم البعض دون الوعي. إن بساطة عقول هذه الروبوتات الصغيرة لا تسمح بالمعالجة العميقة لتصرفات بعضهم البعض. وعلى أي حال فإن مقدرتها في هذا الشأن تذهب في اتجاه المرونة والذكاء في تحليل البيئة المحيطة التي يجب إتمام المهمة الكلية فيها.

ليس هذا فقط. إن الحديث عن المصاعب التي تواجه تقنية ما لن يخلو أبدًا من مصاعب مادية.تسببت التكلفة المرتفعة لإنتاج أعداد الروبوتات، بالإضافة لتطوير الميكانيكية التي ستتعلم ما عليها القيام به بواسطتها، في جعل الأسراب غير متاحة للجمهور حتى وقتنا هذا. وهو أمر مؤسف.

عندما تحدثنا عن النظر للكائنات الحية والتعلم فإننا لم نعنِ بذلك تشبيها أدبيًا. إن إنتاج مثل هذه التقنية تطلب برمجيات قادرة على مراقبة تجارب تنفذ على مختلف أسراب الحشرات والحيوانات وترجمة تصرفاتها إلى لوغاريتمات رقمية يمكن إرساء مبادئها في عقول الروبوتات الصغيرة.

يبين لنا ذلك كيف أن الطبيعة تزخر بالدروس التي على التقنية أن تتعلمها بالتأمل والمراقبة. الأمر الذي يجعل منا نحن البشر والطبيعة والروبوتات مجرد طيف ممتد لا جزر بعيدة مستقلة عن بعضها البعض. إن التقنية تتعلم الآن بالطريقة التي لطالما تعلمنا بها نحن.

المراجع
  1. 1- Handbook of Research on Design, Control, and Modeling of Swarm Robotics. Chapter 3
  2. 2- Evolutionary Swarm Robotics – Vito Trianni. Part 1 chapter 3