لا تكف ملحمة الأندلس عن إجبار العقل والخيال على اجترار ذكرياتها، لتظل قريبةً وإن تناءى زمانها ومكانها. وقصة قرون الأندلس الثمانية تستحق إعادة سردها ألف ألف مرة، وفي كل مرة ستتحفنا دروسها، ويفزعنا تجسدها في زوايا وأركان حاضرنا ومستقبلنا.ولأن الأندلس فاتنة الملامح، قاتلة الملاحم، فقد كان الفن، وفي القلب منه الشعر، رفيق طريقها، ومرآة رحلتها. سنتنسَّم ذكرى عصر فعصر من عمر الأندلس من الميلاد إلى الاحتضار، من خلال ما جادت به قرائح شعرائها، يرسمون لوحة وقائعها بريشة القلم والقافية.


الشاعر الغريب الذي أرسى قواعدَها

تبدَّت لنا وسطَ الرُّصافةِ نخلةٌ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ تناءت بأرضِ الغربِ عن بلدِ النخلِ

فقُلتُ مثيلي في التغرُّبِ والنوى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ وطولِ التنائي عن بَنِيَّ وعن أهلي

نشأتِ بأرضٍ أنتِ فيها غريبةٌ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ فمثلُكِ في الإقصاءِ والمُنتَأى مثلي
«عبد الرحمن الداخل» الملقب بصقر قريش، المؤسس الفعلي لدولة الأندلس

منتبذًا مكانًا قصيًا في حديقة قصره الوارفة، حيث تقف شامخةً كالطود نخلةٌ فريدة، وقف الكهل الأشيب الذي يجتمع جمر خيوط الأندلس جميعًا في قبضته، ليشكو إلى نفسه ممثلة فيها، شكوى الغريب إلى الغريب. تقول الأسطورة إن تلك كانت أول نخلةٍ في أوروبا، وإن أمير الأندلس، وغارس أساس أول دولة مركزية إسلامية فيها، عبد الرحمن بن معاوية بن هشام الداخل الأموي، هو الذي أمر بجلبها من المغرب، وغرسها بيده في طينة الأندلس، في مشهد يحمل من الرمزية والمجاز، أروع مما يحمل من الواقع. هاهي عمَّتُكم – فالنخلة عمة العرب – أيها العرب القاصون في الجزيرة النائية، قد لحقت بكم إليها، لتعتنيَ بكم.

عبد الرحمن الداخل الذي خاض طريقًا مريرًا مخضبًا بالدم والعرق والدموع، تحف جوانبه الثورات والفتن والاضطرابات وغارات العدو، للحفاظ على عرش قرطبة الملتهب، ووحدة الإقليم الإسلامي الأكثر بعدًا عن دمشق وبغداد والحرميْن، وقبل هذا وذاك للحفاظ على حياته نفسها، كان يخوض في أعماق نفسه صراعًا لا يقل ألمًا ومرارة، هو الصراع مع غربته في منفاه الإجباري الاختياري الذي جاءه هربًا من مذابح العباسيين. لم يعوضْه الإنجاز السياسي والعسكري عن الحنين إلى أيام الشام، وأهله الذين خلًّفهم هناك. لحسم ذلك الصراع المرير مع غربته، حاول عبد الرحمن جلب الشام إلى الأندلس. بنى لنفسه رصافة كرصافة جده هشام في الأيام الغابرة. وجلب نباتات ورياحين الشام لينثرها في رحاب الأندلس لكن هيهات. كلما رأى نخلته الفريدة بعيدًا عن جزيرة أهلها العرب، رأى منفاه متجسدًا فيها.

أيها الراكبُ الميمِّمُ أرضي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ أقرِ من بعضيَ السلامَ لبعضي

إن جسمي كما علمْتَ بأرضٍ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفؤادي ومالكيهِ بأرضِ

قد قضى الدهرُ بالفراقِ علينا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعسى باجتماعنا سوف يقضي
عبد الرحمن الداخل

بعد حين، ظنَّ عبد الرحمن أنه قد ضرب غربته بالقاضية، عندما أرسل رسوله لجلب بقايا أهله من الشام ليؤنسوه، ويواسيهم في الأندلس. لكن أتتهُ الطامة من حيثُ لم يحتسب، وقذفت في قلبه الغربة إلى آخر عمره، فقد جرتْ عليهم كما جرتْ على سواهم قواعدُ الملك العقيم. اثنيْن من أبناء إخوةِ الداخل في سياقيْن مختلفيْن، يحاول كل منهما الانقلاب على عمه، ويضطر لأن يُجري عليهما، قاعدة الملكِ العقيم ذاتِها، ويُدفَن رأسيْهما الطائريْن في ثرى الأندلس!

لكن رغم تلك المآسي، وقسوة ما عاناه من احترابٍ واغتراب، فإن الداخل ظلَّ فخورًا بما أنجزه في 40 عامًا، كان في أولها أميرًا صغيرًا من أسرة ملوكية هالكة تتخطفها يد القدر، وفي آخرها أمير متوَّج على عرش مملكة اعتلاه رغم أنفِ الأقدار والخطوب. وكان يحرص على التأكيد في كل فرصةٍ أن هذا لم يكن حظًّا، وحسن طالع فحسب، بل هو كفاحٌ عموده الحزم والسيف، وليالٍ ساهراتٍ، وأيام غابرات.

سعدي وحزمي والمهنَّدُ والقنا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومقادر بلغتْ وحالٌ حائلُ

إن الملوكَ مع الزمانِ كواكبُ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ نجمٌ يطالعُنا ونجمٌ آفلُ

والحزمُ كلَّ الحزمِ ألّا يغفَلُوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ أيرومُ تدبيرَ البريَّة غافلُ؟!

ويقول قومٌ سعدُهُ لا عقلُه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ خير السعادة ما حماها العاقلُ
عبد الرحمن الداخل معتزًا بإنجازاته

عبد الرحمن الناصر: الرجل الذي استحقَّ اسم جده

هِمَمُ الملوكِ إذا أرادوا ذكرها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ من بعدهم فبألسن البنيانِ

أو ما ترى الهرمين قد بقيا وكم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ مُلْكٍ محاهً حوادث الأزمان
من أبياتٍ تٌنسب لخليفة الأندلس عبد الرحمن الناصر

توفي الداخل عام 172 هـ. لحسن حظ الأندلس، جاءت نتيجة قرعة التوريث جيدة، وجاءت لعرش قرطبة بهشام بن الداخل. كان هشام عادلًا حازمًا، شبَّهه البعض بالخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. توفي هشام عام 180هـ، ولم تكن عاقبة التوريث كما كانت قبله، فتولى ابنه الحكم، وكان مسرفًا في البذخ والترف، وفي القمع كذلك، حتى اشتهر بلقب الحكم الربضي، نسبة لثورة ربض قرطبة – إحدى ضواحيها – التي قمعها بنتهى القسوة عام 202 هـ.

توفي الحكم 206 هـ، وخلفه ابنه عبد الرحمن الثاني الذي كان عهده أفضل من عهد أبيه على مستوياتٍ عدَّة، وحكم حتى عام 238 هـ. لكن على مدار 60 عامًا تالية، ضعفت الدولة، وفشت التمردات، والانشقاقات، وفشل عدد ممن تعاقبوا الحكم في إعادة الأمن والاستقرار والبناء، حتى جاء عام 300 هـ .. ومعه بداية قرنٍ جديد، وعهدٍ جديد.

اقرأ أيضًا: لمحات من تاريخ الأندلس: الفايكنج في إشبيلية

تولى عبد الرحمن الناصر إمارة الأندلس، وبدأ ما يمكن تسميتُه بالبناء الثاني للدولة. أخضع الناصرُ كافة أشكال التمرد، وأعاد هيبة الدولة الموحدة، وحقَّق معادلة صعبة بين العدل والشدة، وبين العمران وبناء الجيوش، وإن شاع في جيوشه المظاهر، وفي عمرانِه البذخُ الشديد، وتشييد القصور الملكية الفارهة، وعلى رأسها مدينة الزهراء في قرطبة، والتي حكم منها الأندلس.

وكان من أبرز أعمالِ الناصر تجديد جامع قرطبة الكبير، والذي كانت جامعة كبرى تدرس كافة علومِ العصر. عام 317هـ، تلقَّب الناصر بالخلافة، لأنه رأى نفسه أجدر من الدولة العباسية الواهية آنذاك بهذا اللقب، وكذلك ليسحب بساط الشرعية من تحت أقدام الخلافة الفاطمية الشيعية التي كانت تنافس نفوذه في المغرب. بتزاوج بديع بين السياسة والحرب، نجح الناصر كذلك في إخضاع الممالك المسيحية شمال الأندلس، لتقدم في قرطبة فروض الولاء والطاعة.

ترى الناس أفواجاً يؤمُّونَ بابَه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكلهمُ ما بين راجٍ وآملِ

ستملكُها ما بين شرقٍ ومغرب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى دربِ قسطنطينَ أو أرضِ بابلِ
«منذر بن سعيد البلوطي» مادحًا «عبد الرحمن الناصر»

توفي الناصر عام 350 هـ، وخلفه ابنه الحكم المستنصر الذي كان شغوفًا بالعلم وجمع الكتب، وكانت أيام حكمه تسمى أيام العروس لشدة رخائها وعظمها. لكن توفي الحكم عام 366 هـ، وترك ولي عهدٍ صغير السن هو هشام المؤيد، فتصارعت مراكز القوى من حوله لسنوات، حتى حاز السلطة الفعلية الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر، والذي ترك لهشام لقب الخلافة، وانتزع الصلاحيات.وكان هذا بداية دخول الحكم الأموي في حالة الموت السريري.

حكم المنصور أكثر من 20 عامًا، اشتهرت بغزواته الساحقة ضد الممالك المسيحية الشمالية، وكذلك بالمزيد من العمران. خلفه في الحجابة ابنه عبد الملك، والذي توفي عام 399 هـ. جاء بعده أخوه عبد الرحمن، والذي كان أضعف كثيرًا من أبيه وأخيه، فما لبثت أن اندلعت ضده ثورة عنيفة بعد أشهرٍ قليلة من حجابته. دخلت الأندلس في فتنة كبرى لأكثر من 20 عامًا، انتهت بتمزقها إلى أكثر من 20 دويلة فيما عُرف بعصر ملوك الطوائف.


ولَّادة بنت المستكفي …. بعث الأندلس اللعوب

أنا والله أصلحُ للمعالي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأمشي مشيتي وأتيهُ تيها

أمكِّنُ عاشقي من صحنِ خدِّي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأعطي قبلتي من يشتهيها!
بيتان من الشعر نسجتهُما «ولادة بنت المستكفي» على أحد أثوابها

نحن الآن في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، في قرطبة التي أصبحت حاضرة إحدى دويلات الطوائف، بعدما كانت عاصمة الدولة في الزمن الماضي.

شقت أصوات المعازف، والضحكات المجلجلة الأجواء حول أحد قصور قرطبة العامرة، رغم سكون الليل المحيط. صاحب القصر، والمجلس القائم به، هي أميرة أموية، سليلة ذلك البيت الذي حكم الأندلس لثلاثة قرون، وقد غدا الآن من الماضي الغابر. ووالدها كان أحد خلفاء زمن الفتنة الضعفاء، وانتهت حياته ذليلًا قتيلًا.

اشتهرت الأميرة الأموية ولادة بنت المستكفي بجمالِها الأخّاذ، وذكائها الحاد، وبروزها بين الرجال في مجلس حافل في قصرها، يتبارزون في الشعر والأدب، وحتى في السياسة، وبالطبع في الظفر بقلب الغادة الحسناء. كان من أبرز هؤلاء الشاعر ابن زيدون، والذي كان وزيرًا شرفيًَا في قرطبة، والأهم من ذلك، كان هو الظافر بقلب ولادة.

ودَّعَ الصبرَ محبٌّ ودَّعَكْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذائعٌ من سرِّهِ ما استودعكْ

يا أخا البدرِ سناءً وسنىً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ رحمَ اللهُ زمانًا أرجَعَكْ

إن يطُلْ بعدَكَ ليلي فلقدْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ كنتُ أشكو قصرَ الليلِ معكْ
من أبيات شاعر الأندلس «ابن زيدون» الشهيرة في التغزُّل بـ «ولادة بنت المستكفي»

لكن ككل قصص الأندلس آنذاك، كانت النهايات السعيدة صعبة المنال. وقعت الخصومة أولًا بين الحبيبيْن، ثم جاءت الطامة عندما أوقع أحد خصوم ابن زيدون في حب ولادة به، فألَّب عليه أهل السلطان، حتى ألقىَ في السجن، ثم فرَّ منه إلى بلاط إشبيلية، ولم يبقَ من ذكرى الحب إلا نونية ابن زيدون الشهيرة التي أصبحت واسطة العقد في أشعار الفراق الأندلسية .. بل العربية عامة.

أضحى التنائي بديلًا من تدانينا ـــــــــــــــــــــــ وناب عن طيبِ لقيانا تجافينا

نكادُ حينَ تناجيكُم ضمائرُنا ـــــــــــــــــــــــ يقضي علينا الأسى لولا تآسينا

وقد نكونُ وما يُخشى تفرُّقُنا ــــــــــــــــــــــــــــ فاليومَ نحنُ وما يُرجى تلاقينا
ابن زيدون في نونيّته الشهيرة ..

إمام الأندلس المحارب في ساحات السياسة والعلم

إن تحرقوا القرطاسَ لا تحرقوا الذي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ تضمَّنَه القرطاسُ بل هو في صدري

يسيرُ معي حيث استقلَّت ركائبي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ وينزل إن أنزلْ .. ويُدفَنُ في قبري

دعونيَ من إحراق رقٍّ وكاغدٍ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقولوا بعلمٍ كي يرى الناس من يدري!

كذاك النصارى يحرقون إذا علتْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ أكُفَّهُمُ القرآنَ في مُدُنِ الثغرِ
الإمام ابن حزم

لا يكف الإمام علي بن حزم الأندلسي عن تحدي زمانه ومكانه، حتى في الفصل الأخير المرير من رحلة حياته الحافلة. يشهد الرجل ثمرات عشرات السنين من السهر، وقدح الذهن، واحتلاب الفكر، وقد ألقاها جنود المعتضد طاغية إشبيلية المعتضد بن عباد في قلب النار المتأججة في إحدى ساحات إشبيلية.

استنصر خصوم ابن حزم ومنهم بعض الفقهاء ضدَّه بسوط السلطة، انتقامًا من سياط نقده اللاذع، ودفاعه القاطع عن فكره وآرائه، واتهموه بالمروق.وجدت السلطة فرصة سانحة للتمثيل بالفقيه الذي كثيرًا ما انتقد ملوك الأندلس، وتخاذلهم، وتحاربهم، وتظالمهم، وتفريطهم في أراضي الأمة، فلم يخشَ في ذلك لومة لائم.

اقرأ أيضًا: الفقيه السياسي .. ابن حزم الأندلسي كمعارض لملوك الطوائف


مراثي الأندلس

فما في أرضِ أندلسٍ مقامٌ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد دخلَ البلا من كل بابِ!
«ابن الدباغ الإشبيلي» معلقًا على هزيمة الجيوش الإسلامية الساحقة في موقعة العقاب عام 609 هـ

أشهر ما وصلنا من أشعار الأندلس كان مراثيها. بعد انتهاء عصر ملوك الطوائف، وسيطرة المرابطين المغاربة على الأندلس بعد انتصارهم على الإسبان في موقعة الزلاقة عام 479هـ، بدأ عصر السيطرة المغربية على الأندلس والذي دام لحواليْ قرنين. رغم القوة النسبية التي أظهرها المغاربة في الدفاع عن وجود الأندلس، فإنهم لم يستطيعوا إيقاف دورة التداعي المتسارعة، فدالت عليهم الأيام، وعلى الأندلس، فشهد الفصل الأخير من حياة الأندلس سلسلة من المآسي.

سقطت حواضر الأندلس الواحدة تلو الأخرى في قبضة إسبانيا المسيحية على مدار 3 قرون، حتى انتهت رحلة الأندلس في نهاية القرن الثامن من عمرها بسقوط آخر حواضرها غرناطة، وبدء محنة الأندلسيين تحت الاحتلال، حتى قُضيَ عليهم تمامًا بالنفي وبالتنصير. رسم الشعرُ لوحةَ دامعة خالدة لمراحل هذا السقوط المؤلم .. سنفردُ لها لقاء خاص في آنٍ قريب.