التعليق ماهو إلا أحد أشكال الغرام، ولو اخترت مهنتي لكنت أستاذ فرنسية كما كان اختصاصي الدراسي. التعليق هواية وعالم سحري تعيش فيه نفسي لمدة ساعة ونصف أو ساعتين.
عصام الشوالي عند سؤاله إذا ما كان التعليق مُجرد مهنة.

من منا ينسى رؤوف خليف وهو يردد «كوينتراو ممتاز في الاختراق يعطي كورة يا سلام، وينه جاريث بيل؟ هرب شد شد جاريث بيل ويدخل منطقة الجزاء وجوووووووووووول»، معلقًا على هدف بيل الخرافي في كلاسيكو نهائي الكأس؟، وهل سيستطيع بشير التابعي يومًا أن يتذكر شيئًا عندما يسمع اسم بيبو سوى جملة شلبي الشهيرة «بيبو وبشير بيبو والجون»؟.

بالتأكيد يمتلك كل مُشجع ذاكرة مع مُعلق في إحدى تجلياته التي لا تزال عالقة بالأذهان، فالمُباريات لا تُلعب في الملعب فقط ولكن أيضًا في حناجر المُعلقين خلف الشاشات والتي من دونها لن تستطيع إكمال المُباراة أيًا كانت أهميتها أو مدى إثارتها، الأمر تجاوز حد الاستمتاع بالمُباراة بل دخلت فيه أمور عديدة مثل التفاؤل والتشاؤم وحيادية المُعلق أو في أحيان نادرة جنسيته.


مدارس التعليق الرياضي

الارتجال

ألا يكون المُعلق مشهورًا بجُملة مُعينة يُكررها دائمًا بل يرتجل نتيجة الموقف الذي يراه، وهي المدرسة التي تحتاج موهبة كبيرة وجرأة أمام المُشاهد وثقة أيضًا بالنفس، فالمُعلق هنا يعتمد على فن الإلقاء وقدرته على مواصلة الحديث بكلمات غير مُعدَّة سابقًا وبالتالي كُلما زادت ثورية الموقف كلما تألق المُعلق.

من أشهر معلقي تلك المدرسة التونسي الشهير عصام الشوالي، فمن الصعب أن تجد له تعبيرًا خاصًا يمتاز به ولكنه يترك لسانه يجود بما يكفي من الكلمات لوصف المشهد الذي يراه. بالتأكيد أول شيء سيتبادر لذهن أحدهم عندما يتذكر هدف إنيستا القاتل في الستامفورد بريدج هو كلمات الشوالي قائلًا «غدارة غدارة غدارة».

يُعتبر أيضًا الراحل محمود بكر هو أحد رواد هذه المدرسة، فكأس العالم 90 بالنسبة للمصريين يتمثل في هدف مجدي عبد الغني وجملة بكر الشهيرة «عدالة السماء تسقط على إستاد باليرمو»، رد فعل رائع على هدف تعادل مصر أمام هولندا حيث كان يرى بكر أن الخسارة ستكون غير مُستحقة وبالتالي فإن الهدف يساوي العدالة.

الكليشيهات

وهي عكس الارتجال، وهي أن يكون المُعلق مشهورًا بجُملة معينة أو تعبير مُكرر يُردده في أغلب المُباريات. «الأجواء الكهربائية في الملاعب الأوروبية» أو «يوووزززععع» بالطبع تنتمي للرائع التونسي رؤوف خليف الذي لا يتوقف عند ذلك فحسب بل هناك أيضًا «بالمليميتر يا حبيبي بالمليميتر» وفي أحيان أُخرى «شيء كبير يا عُمري».

لكن عندما تلتقط أُذنك «يا ربااااااااااااااااه» فأنت بالطبع تستمع للإماراتي فارس عوض، وعندما تمر على «يا إلهي روعة روعة روعة» فأنت الآن تستمتع بالسعودي فهد العتيبي، وإذا اختلط عليك الأمر فسيحسم فهد الجدل بـ «ضربهمممم كواهمممم أحرق مرماهمممم».

يُعتبر كذلك المُخضرم ميمي الشربيني من أشهر مُعلقي تلك المدرسة، فما بين (غرفة الأشعة التهديفية) واللاعبين الذين يمتلكون (إكسترا مهارات إكسترا حواس) وحتى يقضوا الـ(90 دقيقة أشغال كروية شاقة) ما زال يتساءل الجميع إلى الآن (يا ترى مخبي لينا إيه في جُعبتك يا مانويل يا جوزيه).

ليس هذا فحسب بل إن (هوبببااااااا) و(طويلة وعالية) و(القادمون من الخلف) تجعلنا نتذكر الراحل حمادة إمام بكل خير.

الإثارة

أن يخلق المُعلق الحدث بدلًا من أن يُعلق عليه، أو أن يستطيع إدخال حالة من الترقب والتوتر حتى وإن كان طرفا المباراة لا يدخلان في نطاق اهتمام المُتفرج، الجزائري حفيظ دراجي يستطيع أن يزيد ضربات قلبك إلى الحد الأقصى بواحدة «أو لا لا لا لوووو» أو أن يجعلك تشعر بصعوبة في التنفس من شدة الـ«با با با با با».

المعلومات والإحصائيات

عندما تكون أبرز قُدرات المُعلق هي معلوماته فأنت أمام المصري علي محمد علي الذي يستطيع ملء أي فراغ في المباراة بإحصائيات عن الفريقين وبطريقة غير مُملة أو مُصطنعة.


الطريق إلى الأسوأ

بالتأكيد لم يستطع كل هؤلاء المُعلقين الحفاظ على مستواهم، فالشوالي الذي يتهمه الكثيرون الآن بأنه أصبح ثرثارًا أثناء التعليق وأنه يُسبب الضيق للمُشاهد نتيجة عدم توقفه عن الكلام بالإضافة لمحاولته إرضاء جميع المُشجعين أثناء التعليق مما قد يُفقده مصداقيته، كما أن حفيظ دراجي الذي بدا مُستفزًا في كثير من الأحيان لكثير من المشجعين، فلك أن تتخيل أنك تُشاهد مُباراة هامة لفريقك وتُحتسب له ضربة جزاء وإذ بحفيظ دراجي قائلًا «ما بالكم لو ضيع».

أما علي محمد علي فأصبح يُبالغ في سرد المعلومات ويبتعد عن سياق المُباراة حتى أنه يُكرر توقيت الأهداف في المُباراة أكثر من مرة.

حتى يوسف سيف وهو أحد أقدم المُعلقين الحاليين أصبح فاقدًا لتركيزه في كثير من الأحيان، فهو الوحيد الذي يعرف لاعبًا يُدعى «رحيم سكرتل» كما أنه رأى أن «كيني دالجليتش» أسطورة ليفربول مُدربًا للإنجليز.

يوسف سيف يظهر له انتماء فهو يُحب نادي برشلونة ولكن هذا لا يُبرر ذكره لميسي في كُل مُباراة حتى وإن كان يُعلق علي هدف لبويان وهو يلعب في الدوري الإيطالي قائلًا «هدف لبويان الذي كان يلعب مع ميسي في برشلونة»، أما النهاية فهي تؤول إلى نتيجة واحدة فقط مع المعلق القطري وهي أن «ميسي أفضل»!.


التعليق في مصر أصبح «زومبي»

المُعلقون المصريون كانوا يمتازون بأسلوب رائع وشيق ولكن سُرعان ما لحقوا بمصير نُظرائهم من مُختلف الجنسيات العربية في مُنحدر السوء، فالراحل بكر والذي كان يمتاز بتلقائيته الشديدة أصبح يزيد في الأمر بطريقة تُخرج المُشاهد عن تركيزه، فأصبح حديثه إما رثاء لحال محطة السكة الحديد أو مُناشدات لمُحافظ الإسكندرية.

حتى أحد أكثر المُعلقين قبولًا في الأوساط المصرية «مدحت شلبي» والذي حالفه التوفيق في «بيبو وبشير» وتعبيره الشهير «يا نهار أبيااااض» أصبح كل هدفه أثناء التعليق هو محاولة استخراج تعبيرات مُصطنعة تتعلق بها أذهان المُشاهدين فقط لا تعبيرات تلقائية.

الحال ازداد سوءًا مع المُعلق أيمن الكاشف الذي أصبح همه الأول أثناء اللقاء أن يُطلق أسماء شهرة على اللاعبين؛ فرمضان صبحي «أبو التفانين حدوتة» ومصطفي فتحي «الفرسة الشقية»، حتى فاجأ الكاشف الجميع بوصف يمزج بين العنصرية وسوء الفهم للاعب النيجيري ستانلي حين نعته بـ «الزومبي»، بالإضافة لتكرار يصل إلى حد الملل من «البرنس الجديد عبد الله السعيد» ، مستوى من الابتذال لم يكن أشد المتشائمين يتوقع أن نصل إليه بعد المعلق أشرف شاكر وهو يطلب من اللاعبين «الكرة الطولية بقى» أو تمنيه للهدف مُهللًا «هوبا جون يلا جون يلا جون يلااااااا».


كيف الحال في أوروبا وأمريكا اللاتينية؟

التعليق الرياضي مثل أي فن فهو انعكاس لثقافة الشعب وبالتالي ستجد الطليان أشد حماسًا من الإنجليز مثلًا، ولكن ما يفعله كارلو زامبا وكروديلي هو انفجار لعداد الحماس فتشعر وأنت تسمع أحدهم أنه سينتقل إلى غرفة الإنعاش القلبي.

كروديلي مجنون الميلان مشهور بانفعاله الشديد في مُباريات الميلان، فما بالك بديربي ميلانو الذي تأخر فيه الميلان بهدفين ثم نجاحه بالعودة بثلاثة أهداف ؟!، نعم، كما توقعت.

الحال في إنجلترا أكثر برودة بطبيعة الحال نتيجة لبرودة الجو وأحيانًا أعصاب الشعب أيضًا، مارتن تايلور وفي للتقاليد الإنجليزية مادام الهدف المُسجل ليس باسم مانشستر يونايتد.

تايلور يُعتبر أكبر المُعلقين الإنجليز قيمة وشُهرة، بالطبع تشجيعه لمانشستر يونايتد جعله أكثر شهرة ولكن جعله محل سخرية نتيجة تباين ردود فعله على أهداف الشياطين الحمر وأهداف الفرق الأخرى.

في ديربي إنجلترا 2015 أحرز بينتيكي هدفًا رائعًا في مانشستر يونايتد فعلق تايلور بفتور، وعندما رد مارسيال بهدف في مرمى ليفربول انفجر تايلور صارخًا «oh … yessss».

أما في أمريكا اللاتينية الوضع أقرب إلى إيطاليا من حيث الحرارة في التعليق والإيقاع العالي، وليس هناك بالطبع ما هو أفضل من مباراة البوكا والريفير بليت للتدليل على ذلك.