بلغ عدد مستخدمي منصة فيسبوك نحو ملياري وربع المليار مستخدم نشط شهريا خلال الربع الأول من العام 2018، وهو ما يعادل ثلث سكان العالم تقريبا. يمكن القول إن الموقع المؤسس عام 2004 لم يتوقف يومًا عن جذب مستخدمين جدد بفضل سلسلة من التحديثات المتتالية المنتقاة بعناية، صاحبها ارتفاع في حدة ومصداقية الدعوات المحذرة من إدمان مواقع التواصل الاجتماعي.

غدا حديثنا عن الرغبة في مغادرة منصة فيسبوك نهائيًا أو الحد من الوقت المهدور عليها أمرًا مألوفًا، يلازمه دومًا تندر من عجزنا عن فعل ذلك، سواء كان في صورة حديث نفس أو مناقشة بين الأصدقاء، كذلك الأضرار الجسيمة للاستخدام غير المنضبط مثل حوادث السيارات المتزايدة التي لا تدل على رعونة القائد بقدر دلالتها على انسياق قهري يعجز معه المستخدم عن اتخاذ القرار الصائب، ولا يعني ذلك تبرئته من الذنب.

إن في ما سبق وغيره دلالة واضحة على تجذر المشكلة وعظم خطرها، وحتى إن لم يكن ذلك كافيًا لتشخيص حالة إدمان صريحة تصدق على كل فرد، فإنه إلى جوار التوتر والقلق وما شابه من الأعراض النفسية التي يتعرض لها الكثيرون عند فقد الاتصال بالإنترنت ينبه إلى ضرورة اتخاذ وقفة جادة. لا سيما مع ظهور الشهادات الأخيرة لبعض المسؤولين السابقين في فيسبوك، ناهيك بالنتائج الصادمة لكثير من الأبحاث العلمية الجادة.

وراء كل شاشة يعرضها هاتفك، يوجد حرفيًا ألف مهندس يحاولون جعلها أكثر إغراء للإدمان قدر المستطاع.
أزا رسكن، مخترع قائمة منشورات فيسبوك اللا-نهائية

فيسبوك كمضاد للملل وإدمان له

بداية، علينا الانتقال إلى منتصف القرن الماضي، حين كان «بورهوس فريدريك سكنر» (1904-1990) عالم النفس والسلوكي الأمريكي يجري مجموعة من التجارب الأهم في تاريخ علم النفس. كانت منها تجربة تضمنت وضع حيوانات التجارب – حمامة أو فأر في الأغلب – داخل صندوق خال، مع ذراع آلية إذا ضغط عليها قد يحصل على جرعات غذاء لكن بوتيرة عشوائية، أي أنه لن ينال مبتغاه دائمًا عند استعمالها، ولا في أكثر المرات، مع الحرص على ألا يبلغ الإشباع ندرة تفقد الحيوان الأمل. في هذه الحالة تحديدًا، واصل الحيوان استخدام الذراع بكثرة مدهشة بلغ عددها المئات أحيانًا بين جرعة وأخرى.

تسمى تلك العملية «الإشراط الإجرائي»، وهي حيلة شديدة الانتشار في مختلف قطاعات صناعة الترفيه. وتشتهر بدورها الرئيسي – وربما الأوحد – في سحر وجاذبية ماكينات القمار (Slot Machines). وتعد «صناديق الغنائم» (Loot Boxes) من أكثر توظيفاتها في مجال الألعاب الإلكترونية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة. فصندوق الغنائم عنصر افتراضي يبتاعه اللاعب بمال حقيقي للحصول على نقاط أو أسلحة أو أدوات غير معلومة بالتحديد مسبقًا. لكن سرعان ما أثارت تلك الصناديق قلق عدة جهات رقابية في عدد من البلدان الغربية، خاصة الجهات المعنية بسلامة المستخدمين الأطفال. ففي بلجيكا – على سبيل المثال – أعلنت لجنة الألعاب البلجيكية في أبريل من عام 2018 نتيجة تحقيق أجرته خلص إلى أن توظيف صناديق الغنائم في ثلاث من أكثر الألعاب شهرة وشعبية حول العالم (FIFA 2018, Counter-Strike: Global Offensive, Overwatch) يخالف التشريعات المؤطرة للمقامرة! ومن ثم فعلى الشركات المالكة إزالة الصناديق تجنبًا للعقوبات المادية. وهو ما جاء عقب أيام من إصدار الهيئة المعنية في هولندا الحكم نفسه.

علاوة على ذلك، يستفيد موقع فيسبوك وتطبيقات الهاتف والكمبيوتر اللوحي من حيلة نفسية أخرى مستوحاة من مفهوم مبكر في علم النفس السلوكي، هو «الإشراط الكلاسيكي». لكن الفضل هذه المرة يعود إلى «إيفان بافلوف» (1849-1936) الطبيب وعالم النفس الروسي الفائز بجائزة نوبل في الطب لعام 1904. في تجربة بافلوف الشهيرة، اقترن تقديم طعام إلى كلب جائع بقرع أحد الأجراس، وكررت العملية كثيرا. نتيجة لذلك، تشكل لدى الكلب ارتباطا بين قرع الجرس والحصول على الطعام. حينها قرر بافلوف قرع الجرس دون تقديم الطعام، ليجد أن الجرس وحده أسال لعاب الكلب، أي أنه صار محفزًا نشطًا حتى مع غياب المحفز الأصلي.

ساندي باراكيلاس، مدير سابق بفيسبوك

ففي حالة منصات التواصل الاجتماعي، يجد الإنسان المفطور على كراهية الملل والبحث عن التسلية في الإشعارات المتعددة على مدار الساعة، ما بين تفاعل على منشوراته أو إخطار بنشاط لشخص مقرب؛ مهربًا وملاذًا من الثقل النفسي للملل، إضافة إلى لذة التواصل الاجتماعي التي يثيرها ذلك النشاط. وبالتدريج – حتى في غياب الإشعارات – تنتقل اللذة من الارتباط بالتفاعل النشط وقتل الملل فقط إلى شمول مطلق استخدام التطبيق، بما يعني أن مجرد تفقده يصبح كافيًا للشعور باللذة حتى مع غياب مصدرها الأصلي. بل كشفت إحدى الدراسات أن الأمر قد امتد حتى شمل شعار فيسبوك ذاته، حيث أظهر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لأدمغة المستخدمين عند رؤية الشعار نشاطًا شبيه بنشاط أدمغة المدمنين. لكن ما هو ذلك النشاط الدماغي، أو الأساس العصبي الكامن خلف تلك السلوكيات؟


فيسبوك كمحفز للدوبامين

فيسبوك منتج إدماني بالأساس، مصمم للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من وقتك، بغض النظر عن العواقب.

في الحقيقة، يحتكر الموصل العصبي «دوبامين» الفضل في ذلك. اكتشف الدوبامين في العام 1957، ما تزال مساحة عمله غير معلومة بالتفصيل، لكنه يتميز من بين سائر الموصلات ذات المهام الأكثر حيوية في الدماغ البشري بمسؤوليته عن «المكافئة» على القيام بفعل ما. إنه يثير في أنفسنا شعورًا بالإشباع عند تلبية رغبة ما يدفعنا إلى تكرار الفعل، ومن ثم اكتساب المهارات والعادات الجديدة، التي يتحول بعضها إلى إدمان حرفي. وكفى بارتباط الدوبامين بالجنس والمخدرات دليلًا على قوة تأثيره.

فليس ثمة شركة احترافية أو ناشئة في مجال الألعاب والتواصل الاجتماعي إلا وتعرف الكثير عن تلك الحيل. بل تكون في أكثر الأحيان محور الاهتمام الأول خلال مرحلة التصميم. حتى بلغ الأمر ذروته مع شركة ناشئة تأسست عام 2015 باسم «معامل الدوبامين» (Dopamine Labs) في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، تعد العملاء برفع معدل استخدام تطبيقاتهم بنحو 10% بفضل تعديلات تداعب ذلك الأساس العصبي عند المستخدمين، مع زعم الانصياع لقواعد أخلاقية تحكم قبولها للتطبيقات.

في كل يوم يضغط على زر الإعجاب بمنصة فيسبوك نحو 4.5 مليار مرة، وعلى أمل الفوز ببضعة منها ينشر المستخدم تحديثات الحالة والتعليقات المنمقة والصور ويواصل تفقد حسابه ومنشورات الآخرين عشرات ومئات المرات خلال ذلك اليوم. إن إخطارا بأن أحدهم قد أعجب بصورة أو منشور أو تعليق لنا هي جرعة دوبامين لا نعرف موعدها تحديدًا، لذا نجدنا مدفوعين إلى مواصلة الضغط القهري (compulsive) على الذراع.. أعني تطبيق فيسبوك في هواتفنا المحمولة. تلك صورة إدمان سلوكي لا تختلف إطلاقًا عنها في حالة القمار، حسب قول «تانيا غودين» الخبيرة المرموقة في التخلص من السموم الرقمية (Digital detox).

لا يمكنني التحكم بهم [مسؤولي فيسبوك]، لكن يمكنني التحكم في قرارات أبنائي، ولن يسمح لهم باستخدام ذلك الهراء.
تشاماث باليهابيتايا، مستثمر ومدير تنفيذي سابق في فيسبوك

في النهاية، سواء كانت جميع تلك الشهادات صادقة أم لا، وسواء بلغ بنا الحال إلى الإدمان أم لا، ينبغي الانتباه إلى معدل استخدامنا لمنصات التواصل الاجتماعي عامة وفيسبوك خاصة، والوعي بالأخطار التي تشكلها، وبالطرق الملتوية التي تستخدمها لتثبيت دعائمها كجزء أساسي من برنامجنا اليومي يوشك حضوره أن يصير دائمًا وآنيًا. كما يتغذى – إلى جانب ما سبق – على عدد من سمات الشخصية التي تختلف حدتها من مستخدم إلى آخر دون أن يخلو منها بشر، مثل الفضول وحلم الشهرة والخوف من العزلة والحنين إلى الماضي والحاجة إلى الانتماء. وفي حين تجمع أكثر الدوريات والمؤسسات الطبية على عدد من صور إدمان الإنترنت، يوفر فيسبوك بيئة مثالية لنموها وإشباعها،خاصة إدمان المعلومات (Information Seeking) وإدمان الألعاب على الشبكة (Online-Games ) وإدمان العلاقات السيبرية (Cyber-relationships).