النظام الذي يدعو إليه أردوغان هو النظام الذي يتفق مع التعاليم الإسلامية التي تجعل أمير المؤمنين أو الرئيس الأعلى هو رقم 1 في السلطة.

عبارة وردت في بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي صدر منذ أيام قليلة، للتنديد بما أسماه «الممارسات الهولندية غير المقبولة» تجاه تركيا، والدفاع عن التعديلات الدستورية التركية التي تمهد الطريق – حال الموافقة عليها – للانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي.

أحدث البيان ضجة في أوساط الفكر الإسلامي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، من أكثر من زاوية، فمن ناحية استنكر البعض أن يقحم «اتحاد علماء المسلمين» نفسه في خلاف سياسي بين دولتين وهو ليس معنيًا بذلك بحكم طبيعته ووظيفته، ومن ناحية أخرى ندّد آخرون بإضافة قدسية دينية على النظام الذي يريده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على أساس أن الإسلام لم يحدد نظامًا معينًا للحكم، حتى أن جاسر عودة، عضو مجلس أمناء الاتحاد، عبر عن استيائه من البيان صراحةً، بقوله: «مثل هذه البيانات ذات الطبيعة السياسية الحزبية تخرج عن دور الاتحاد كهيئة علمائية تستهدف أن تمثل مرجعية شرعية للأمة».

ربما لو استخدم البيان مفردة «التاريخ الإسلامي» أو «الممارسة الإسلامية» في تفضيله لنظام الحكم الرئاسي لكان الأمر مقبولًا، أو على الأقل لن يحدث كل هذه الضجة؛ ذلك أن التاريخ الإسلامي لم يعرف نظامًا آخر غيره، والتذكير بهذا ما هو إلا إقرار لواقع، ولكن استخدام مفردة «التعاليم الإسلامية» فهم كثيرون منها أنها تسري على الإسلام كنص مقدس.

على كلٍ، أعاد البيان الجدل حول إشكالية قديمة في الفكر السياسي الإسلامي، لم تُحسم الإجابات بصددها بشكل قاطع – على الأقل بالنسبة لكثير من الحركات الإسلامية – وهي إشكالية الإسلام ونظام الحكم، والسؤال الرئيسي المتعلق بهذه الإشكالية: هل حدّد الإسلام نموذجًا لنظام الحكم السياسي يشقى المسلمون إذا اتبعوا غيره، أم أتاح للمسلمين حرية تشكيل واختيار النظام السياسي بما يناسب عصورهم وظروف مجتمعاتهم؟

في محاولة الإجابة على هذا السؤال، نتعرض لإسهام ممثلين لتيارين فكريين متباينين؛ هما: د. برهان غليون، المفكر السوري وأستاذ علم الاجتماع السياسي، د. محمد سليم العوا، المفكر الإسلامي والأمين العام السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في كتابهما الهام «النظام السياسي في الإسلام».


برهان غليون

الصراع وليس العقيدة كمُولِّد للسياسة

في معرض إجابته على سؤال الحكم في الإسلام، انطلق برهان غليون من فرضية تقول بأن السياسة والدولة في بداية التاريخ الإسلامي لم يتولدا بطبيعة إيمانية أو عقيدية، وإنما كانا نتائج غايات ومصالح وصراعات بشرية، فالدولة لم تكن مطلبًا دينيًا، بل مطلب دنيوي اقتضته التحديات الداخلية والخارجية حينها، وما يسمى بـ «الثقافة السياسية الإسلامية» ما هي إلا انعكاس لهذه الولادة السياسية وليس العكس، بمعنى أنه كما لم تُشكل العقيدة الدينية الدولة – التي كانت ثمرة صراع سياسي حول الهيمنة والنفوذ – كذلك لم تكن الثقافة السياسية وقوانين الحكم مستمدة من تعاليم الإسلام بقدر ما كانت تعبيرًا عن ذلك الصراع، وأكبر دليل على ذلك أنها كانت خاضعة للتحول والتطور مع تبدل التيارات المهيمنة بين الحقبة الراشدة والدولة العثمانية مرورًا بالدولة الأموية والعباسية والفاطمية، وبالتالي لم تكن تلك الثقافة نتاج مجموعة إرشادات أو تعليمات نصوص مقدسة.

وهذا معناه، طبقًا لرؤية غليون، أن نماذج الحكم التي تولدت عبر تاريخ المسلمين لم تنشأ أساسًا بنص ديني، بقدر ما كانت تعبيرًا عن الصراع على الموارد والهيمنة المحلية والإقليمية والعالمية، وهنا لا مجال للحديث عن نظام سياسي «إسلامي» بمعنى عقيدي، ولكن بمعنى تاريخي.

كذلك مفهوم الاقتصاد، كان يتطور عبر الزمن بتطور العلاقات الاجتماعية وأنماط الإنتاج والمكاسب بغض النظر عن طبيعة الاعتقادات الدينية السائدة في الدولة، نفس الشيء ينطبق على مفهوم القانون وطرق استنباطه، وأنماط الإدارة وتنظيم الجيوش، فالدفع بثبات النظم السياسية لا يستقيم مع حقيقتها؛ لأنها أساسًا متبدلة، بحكم أنها لا تقوم في فراغ، ولكنها تعكس طبيعة البناء الاجتماعي ونوعية الطبقات القائمة ومنظومة القيم السائدة وتوازن القوى الاجتماعية.

عن أي إسلام نتحدث؟

تساءل غليون عن ماهية «الإسلام» الذي يزعم البعض أنه حدد نموذجًا للحكم، هل هو النص الديني «القرآن»، أم الفقه الإسلامي، أم التجربة التاريخية الطويلة للمسلمين التي أنتجت الخلافة والسلطنة كنماذج للحكم؟، كذلك ما هور الدور الذي لعبه الإسلام – كدين وعقيدة – في بناء النظام التاريخي السياسي للمسلمين؟.

وهنا ميز غليون بين ثلاثة مستويات في فهم السؤال: مستوى النص المقدس الذي لا يتعدل ولا يتغير، مستوى التأويل والاجتهاد من خلال المذاهب الفقهية والآراء البشرية المتنوعة بتنوع الجماعة الإنسانية واختلاف مصالح كل عصر، المستوى الثالث هو السلوك العملي أو الممارسة التاريخية البشرية للمسلمين.

يرى غليون أن الإسلام، في مستواه الأول المقدس، لا يمكن أن يكون مصدرًا لأي نظريات سياسية أو غير سياسية، لكنه يؤسس الرمز الملهم والتصورات الكبرى الميتافيزيقية والتوجهات النفسية العامة، وبالتالي علاقة المسلم بالنص تمر عبر التأويل والتربية، وهما يخضعان لعوامل حضارية علمية واجتماعية واقتصادية ومجتمعية عديدة ليس لها علاقة بالدين مباشرة، ومن الطبيعي أن يخضع هذا التأويل لشروط الحقبة التي يعيش فيها المسلمون، ومصالح المؤولين.

من هنا يذهب غليون إلى أن المذاهب والرؤى الفقهية التي قامت بتأويل نصوص القرآن والسنة لم تصنع تاريخ وحضارة جماعة المسلمين، ولا النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها المجتمعات الإسلامية، بل على العكس تمامًا نشأت هذه المذاهب وتطورت استجابة لظروف تاريخية واجتماعية، وبشر تحركهم حاجات ورغبات تنافسية ونوازع سيطرة وهيمنة، وكل ما فعلته هذه المذاهب أنها طورت نظريات واجتهادات أصبغت الواقع بالاستقرار، وهذا يفضي إلى أن تاريخ المسلمين والنماذج والنظم السياسية التي عرفوها لم تكن ثمرة لأخلاقيات النص الديني ولا من صنع المجتهدين، وإنما كان مجرد تاريخ بشري دنيوي، فالمفهوم الفقهي للنظام السياسي عكس المعطيات المجتمعية والتاريخية الخاصة بالحقبة التي عاش فيها المسلمون، ووسمه بالإسلامي لا يعني أنه مُطابق للتعاليم الدينية أو أنه مستمد من أخلاقيات القرآن، ولكنه يشير إلى نسبة الجماعة البشرية التي ظهر فيها، والتي كانت تُسمى إسلامية، نسبة حضارية بلا شرعية دينية.

كيف تشكلت النظم السياسية عبر تاريخ المسلمين؟

يقول غليون إن موضوع نظام الحكم طُرح منذ اليوم الأول لوفاة الرسول، وساهمت طريقة اختيار أبي بكر وعدم الاتفاق على منهج مقبول من الجميع لاختيار الخليفة من بعده، في نشوء الحرب الأهلية الكبرى فيما بعد، فدخل المسلمون في صراع سياسي وفكري طويل قبل أن يبلوروا أي نظريات فقهية، فتكونت نظمهم السياسية في أجواء الصراعات السياسية الداخلية والخارجية.

هذه هي الأجواء التي ترعرعت في ظلها النظريات الفقهية، وحاولت الإجابة على الأسئلة التي قسمت المسلمين منذ البداية؛ من له الحق في الخلافة؟، كيف يعين المسلمون الخليفة؟، ما صلاحياته وواجباته وحقوق الرعية عليه؟، وما شروط إطاعته وعزله؟، ونشأ في الإجابة عن هذه الأسئلة فقه متنوع، فقه السياسة أو الخلافة أو الإمامة، إضافة إلى الأدبيات التي استمدها المسلمون من الإمبراطوريات القديمة التي قامت الخلافة على أنقاضها، فنظّر الفقهاء لنظام حكم لا يختلف في جوهره عن أنظمة الحكم التي كانت سائدة في ذلك العصر، نموذج الحكم السلطاني الذي تحول إلى نموذج الحكم الوراثي الملكي، بالرغم من رفض الدين قاعدة التوريث، وقد سرّعت حركة الفتوحات من إرساء نظرية الحكم هذه، لمصلحة الطبقة الاجتماعية الجديدة التي شكّلتها والتي تكونت من أصحاب المصالح والثروات، والقادة العسكريين السياسيين.

والأزمة من وجهة نظر غليون أن أدبيات التأويل الإسلامية – التي حكمت علاقة المسلم بالقرآن عبر قرون – حوّلت الرسالة الدينية إلى مدونة قانونية ذات صفة مقدسة استجابة لطلب هذا النظام الاجتماعي الجديد، الذي كان يحتاج إلى مصدر للتشريع يكون مرتبطًا بالدين لتستمد الدولة شرعيتها من حماية الدين، كما حوّلت تلك الأدبيات الدين إلى سلوك شكلي لا يهمه الباطن ولا المشاعر الداخلية، بقدر ما يهمه السلوك الخارجي المتوافق مع النظام الاجتماعي، فلم يساعد هذا الوضع على تكوين شخصية مسلمة أخلاقية تستطيع إخضاع السلوك الشرعي للنقد الأخلاقي وبالتالي للمراجعة العقلية الضرورية لإحداث التجديد في الحياة الاجتماعية والدينية، فأصبح الخضوع لولي الأمر هو القاعدة في ممارسة السياسة، وسادت ما أسماه غليون «الذهنية القطيعية»، وبذلك تحولت الجماعة الإسلامية إلى عصبية جديدة تُضاف إلى العصبيات القبلية التي تقوم على المبالغة في احترام الشكليات وتقديس الأعراف وتجميد العقل ودفن الضمير.

هذه هي البنية الفكرية التي حاول غليون توضيح أثرها في تشكيل النظام السياسي الذي عرفته المجتمعات الإسلامية مع بداية الحكم الأموي، واستند على توازن القوة والعصبية، بعد أن خضع في فترة الخلافة الراشدة إلى معايير ذاتية كالاختيار مباشرة أو التوافق أو البيعة، وأتاحت هذه البنية لذلك النظام فرصة إعادة إنتاج نفسه، كنظام استبدادي، بعيدًا عن الدين والأمة، فصادر الحاكم الفرد الدولة لصالحه، ويرى غليون أن هذا النموذج لا يزال يحكم الدولة العربية التي تعتبر احتكار التفسير الديني عنصرًا من عناصر سيطرتها المعنوية.

سؤال ديني بمضمون سياسي

لم يُخفِ برهان غليون شكوكه تجاه حقيقة النزاع النظري الدائر اليوم حول تحديد مفهوم النظام السياسي في الإسلام، حيث يرى أن سؤال الحكم في الإسلام يخفي صراعًا داخله لا علاقة له بالدين، هو الصراع السياسي المتفجر بين نخبتين، نخبة الحداثة والفكر الحديث، ونخبة مقابلة تسعى لإزاحة ذلك الفكر بتقديم تفسير عصري لنصوص فقهية قديمة، أسفر عن مفهوم «الدولة الإسلامية» أو «النظام الإسلامي»، الذي لا علاقة له ببنية ومضمون الدولة التاريخية للمسلمين، التي لم تكن دولة «العقيدة والدين»، بل دولة المسلمين التاريخية التي نشأت من صراعهم ورغبتهم في تأمين مصالحهم الدنيوية من أمن وقانون ونظم تعليمية وإنتاجية وتجارية وإدارية، وهو ما تطلب سلطة سياسية مركزية اتخذت أشكالًا عديدة شكَلت تنويعات على نموذج واحد فرضته الظروف والمعطيات التاريخية والاجتماعية والثقافية، هو نموذج «الدولة السلطانية»، وهو نموذج تاريخي ليس في النص الإسلامي أي نظرية تدعمه.

هذا النموذج «الفقهي» طوّر مفهومًا للسياسة تمحور حول تنصيب الإمام والنظر إليه باعتباره مصدر كل سياسة، وانتقد ابن خلدون إضفاء أي شرعية دينية على هذا النموذج بقوله: «الإمامة ليست من أركان الدين كما يزعمون، وإنما هي من المصالح العامة المفوضة إلى نظر الخلق»، لذلك يعتقد غليون أن الإسلاميين اليوم إذا لم يفكروا في النظام السياسي انطلاقًا من مفاهيم العصر، لن ينتجوا إلا نُظم أشبه بنظام «طالبان» بأفغانستان، مجرد أناس خارجين على العصر، يعملون على تخريب مجتمعاتهم أكثر من عملهم على بناء نظام سياسي مستقل أو حتى «إسلامي».

هل يمكن صُنع نظام سياسي «إسلامي»؟

الفرضية التي انطلق منها غليون في نفيه لوجود نظام سياسي محدد في الإسلام، قامت على استحالة أن يأتي القرآن بنظرية في نظام الحكم وأن يحتفظ في الوقت نفسه بمكانته وموقعه بوصفه نصًا مقدسًا، ذلك أن أنظمة الحكم تتطور وتتحول، لأنها من صنع التاريخ والجماعات المتواترة عليه، فمسألة الحكم ليست قضية عقائدية.

ورد غليون على الإشارات القرآنية التي يدّعي البعض أن الله شرّع بها نموذجًا معينًا للحكم السياسي، مثل إلزام جمهور المسلمين بضرورة (طاعة ولي الأمر)، مؤكدًا على أن هذه الإشارة لا تحمل تحديدًا سياسيًا واضحًا لماهية ولي الأمر، فالأب والمعلم والأمير السياسي ولي أمر، كذلك توجيه القرآن لأصحاب المسؤولية بالحث على (الشورى)، فلم يكن هناك تحديد لطبيعة هذه الشورى، أيضًا تلك الإشارة الواضحة بأنه على المسلمين (الحكم بما أنزل الله)، رد غليون على تأويلها السياسي بأن معنى الاتباع والحكم ليسا متطابقين مع الخضوع للقوانين الرسمية الحديثة، كما أن العرب لم يستخدموا كلمة «حُكم» للتعبير عن نظام حُكم سياسي، فالكلمة مشتقة من الحِكمة والعقل، والمقصود بالحُكم هنا هو الرأي الناجم عن تحكيم العقل.

وبرغم اقتناع غليون بعدم وجود أي نظرية في القرآن للنظام السياسي، إلا أنه لم يستبعد إمكانية استنباطها من النص ومن تراث الإسلام، بشرط أن يتم التعامل مع نتاج هذا الاستنباط بوصفه اجتهادًا عقليًا على ضوء معطيات العصر، لا يعبر عن موقف «ديني عقيدي»، ولا يحمل نظرية «إسلامية دينية»، تمامًا كما صاغ المجتهدون الأولون نظرياتهم في النظام السياسي، فدولة الخلافة التاريخية لم تكن ضرورة دينية، وأي نظرية حديثة لا ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها تجسيدًا لـ «تعاليم إسلامية».


محمد سليم العوا

هل أتى الإسلام بنظام حكم؟

اتفق محمد سليم العوا مع برهان غليون في التأكيد على أن الإسلام لم يأت بنظام حكم معين المعالم محدد التفاصيل، لكن الفقه الإسلامي بوصفه، تعبيرًا بشريًا عن فهم النص القرآني، حفل بمسائل نظم الحكم.

وبشكل قاطع يقول العوا: «مسألة الحكم ليس فيها نص قرآني صريح لا يحتمل في تأويله الاختلاف، ولا نص سنة صحيح الورود قطعي الدلالة»، فيما بقي لعلماء المسلمين أن يجتهدوا في كل عصر لما يحقق مصلحتهم في عصرهم، ولا يغلق الباب أمام من يأتي بعدهم ليجتهد كما اجتهدوا.

العلاقة بين الدين والدولة: مفتاح فهم السؤال

نظر العوا إلى مسألة العلاقة بين الدين والدولة في النظرة الإسلامية باعتبارها مفتاح البحث في موضوع العلاقة بين الإسلام ونظام الحكم، مشددًا على أن استعمال لفظ «الإسلام والحكم» أوفق وأدق من استعمال عبارة جامعة كـ «النظام السياسي في الإسلام»، وأشار إلى أن الأخيرة تعني ضمنيًا أن ثمة نظام معين هو النظام الإسلامي وغيره ليس كذلك، أو لا يمكن أن يكون كذلك، وهذا غير صحيح.

فهل تفترض عبارة «الإسلام دين ودولة» وجود نظام حكم مُحدد المعالم والتفاصيل؟ أجاب العوا على السؤال منطلقًا من فرضية أن القرآن والسنة لم يتضمنا نظام حكم محدد المعالم والتفاصيل يجب على المسلمين الالتزام به في كل العصور، ولم يتضمنا نصًا عن كيفية اختيار الحكام ولا كيفية محاسبتهم أو عزلهم، لذلك لجأ المسلمون السابقون إلى الاجتهاد في هذه المسألة، فعبارة «الإسلام دين ودولة» لا تعني سوى ضرورة اجتهاد العلماء لتحديد قواعد الحكم والسياسة على حسب العصر الذي يعيشون فيه، وبهذا الفهم يتجنب المسلم المعاصر الوقوع في الفصل التام بين الدين والسياسة، كذلك يتجنب الوقوع في وهم أن النظام السياسي المقبول إسلاميًا هو نظام بعينه لا يصح الاختلاف حوله ولا الاجتهاد في تفاصيله.

الخلافة: ثمرة اجتهاد فقهي، وفقط

بهذا الفهم عارض العوا المحاولة المستمرة التي تسعى لإثبات أن الخلافة، كنظام سياسي، هي النظام الذي أتى به الإسلام ويجب على المسلمين السعي لاستعادته، واعتبر أن الصحابة ابتكروا لفظ «الخلافة» كمحاولة منهم لاتباع الرسول، المثل الأعلى الذي أقام الدولة، لذلك لم تستقر التسمية نفسها، فكان أبو بكر «خليفة رسول الله»، ثم لُقِّب عمر بـ «أمير المؤمنين»، ثم استعمل الفقهاء لفظ «الإمام» في بحوثهم المتعلقة بالتولية والعزل والخروج على الحاكم الباغي، واستشهد بمقولة ابن قيم الجوزية: «إن أي طريق أسفر بها وجه الحق والعدل فثم شرع الله ودينه».

ويقر العوا بأن النظر في موروث الفقه السياسي يقتضي الإيمان بأن الشأن السياسي كله أمر اجتهاد، كلٌ حسب ظروف عصره، والشروط التاريخية المرتبطة بالخلافة مثل أن يكون الخليفة أهلًا للاجتهاد، أو أن يقود الجيوش بنفسه، أو أن يتولى المنصب طوال حياته، ما هي سوى نتاج فقهاء اجتهدوا إما تحقيقًا لمصلحة المسلمين، أو نظروا في نص جزئي أجروا حكمه مجرى القاعدة العامة، وبالتالي أبدية البيعة الموجودة في كتب التراث السياسي الإسلامي مجرد اجتهاد فقهاء تلك الأزمان، وليست قواعد تشريعية ملزمة لكل الناس في كل العصور، كما يدّعي البعض، وهذا يستدعي القول بأن النصوص الفقهية التي ذهبت إلى أن الخليفة لا يجوز عزله ولو فسق وجار ليس لها سند من الكتاب والسنة، بل هي مجرد وجهة نظر الفقهاء الذين قالوا بها تجنبًا للفتنة أو منعًا للفوضى وإراقة الدماء.

ويرى العوا أن ظروف الفتنة وخشية الفوضى، التي دفعت الفقهاء لهذا الاجتهاد، كلها أمور توجب على المُجتهد المعاصر أن يجعل للحاكم مدة معينة، فذلك هو الذي يمنع الفوضى ويحول ضد الاستبداد والفساد.

لماذا لم يأتِ الإسلام بنظام حكم؟

ما الحكمة القرآنية من ترك المسألة السياسية اجتهادية للأمة؟ يتساءل العوا، الذي قال إن سكوت النص الإسلامي عن إيراد نظام حكم معين محدد التفاصيل ليس قصورًا في الرسالة، كما يعتقد البعض، بل رؤية حكيمة اعتبرت الشأن السياسي – مثله مثل كل شئون الاجتماع الإنساني – لا يستقر على حال بطبيعته، فلو جاء النص الإسلامي بتفصيلات نظام حكم محدد، فإنه سيلائم الذين نزل في عصرهم القرآن، وربما من جاء بعدهم بأجيال معدودة، لكنه، مع التطور الاجتماعي، لن يظل ملائمًا لكل الناس إلى يوم القيامة، لذلك ترك للمسلمين اختيار النظام الذي يصلح لهم بحسب أحوال كل عصر وظروفه، من خلال الاجتهاد.

وأعزى العوا سبب ارتباط المسلم المعاصر بنظام الخلافة واعتباره نظام الحكم الذي أتى به الإسلام، إلى الجمود الذي أوقف الاجتهاد السياسي قرونًا عن التجديد والابتكار، وحذّر من اعتبار ذلك النظام هو القاعدة، معتبرًا أن أي صحوة إسلامية تقتضي ما أمر به الإسلام وهو الاجتهاد.

اجتهاد مشروط بقيم سياسية ملزمة

يرتبط بتحليل العوا السابق عن منظومة الحكم في الإسلام، سؤال مفاده: هل الاجتهاد غير مُقيد بتحقيق غاية أو غير مرتبط بقيم سياسية تلزم المُجتهد والحاكم والمحكوم؟.

هنا يقول العوا إن الاجتهاد في مسألة الحكم تضبطه قيم سياسية منصوص عليها في القرآن والسنة، ويمكن استنباطها من الفقه، وتعتبر هذه القيم بمثابة أحكام ملزمة للحكام والمحكومين والفقهاء والمجتهدين.

القيمة السياسية الأساسية التي قال العوا إن سائر القيم السياسية الإسلامية تتفرع عنها هي «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، بعد ذلك تأتي قيمة الشورى، التي اعتبرها ملزمة لكل سلطان، ولا يجوز له التنصل منها تحت أي سبب، ثم قيمة العدل كحقيقة شاملة، وقيمة حرية الرأي السياسي التي أرساها الرسول بقوله: «الدين النصيحة»، «إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»، ثم قيمة المساواة التي لا تقل أهمية عن سائر القيم السابقة، بعدما نص عليها القرآن في عدم جواز التمييز بين الناس بسبب نسب أو حسب أو دين أو لون أو جنس، كما أمر بها الرسول في «حجة الوداع» بقوله: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»، والقيمة السياسية الأخيرة في تلك المنظومة، هي أن الحاكم في الفقه الإسلامي ليس فوق المساءلة، كما ذهب أبو بكر في قوله: «قد وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني»، وأكد العوا أن تحقيق هذه القيم السياسية وحمايتها يستلزم إقرار «التعددية السياسية».

أين المعضلة؟

رصد العوا إشكالية منهجية في تعامل الباحثين مع وقائع التاريخ الإسلامي بانتقائية، فيتخذ البعض أفضل هذه العصور ويستنبطون العِبر منها ويبسطونها على تاريخ المسلمين كله، فيما يركز الاتجاه الآخر على أسوأ حوادث التاريخ وأظلم فتراته ثم ينطلق في وصف التاريخ كله بما كان في أيام الظلم.

كما رأى العوا أن أزمة مسألة الإسلام والحكم ما زالت مُقيدة بكتابات الأقدمين، التي ينقل البعض منها ويقيس عليها، دون إدراك أن هذه الكتابات تعبر عن واقع عصور من كتبوها، لا واقعنا، وتحكم بمقدار ما فهمه أصحابها من أصول الإسلام أو ما فهموه من اجتهاد أسلافهم في فهم هذه الأصول.

يقول العوا عن ذلك: «الذين لا يقبلون من الآراء والأفكار إلا ما يجدونه في كتاب قديم، يحكمون على الأمة بالبقاء حيث كانت منذ قرون، يتقدم الناس وتتخلف هي، والذين ينكرون الاجتهاد يخطئون الصحابة والتابعين الذين قبلوا كل جديد مفيد، ولو لم يكن لهم سابقة ولا عهد به».