تأمـّل الطبيعة بعمق حينها ستفهم كل شيء حولك.
ألبرت أينشتاين

إذا أراد أحدنا أن يتعلم شيئًا فسوف يختار لنفسه المعلم ذا الخبرة، صاحب الشهادات، الذي أعيته كثرة المعلومات فصار هرِمًا من وطأة ما يحمله من العلم، فكيف لك بمعلم أصبح الآن بعمر 3.8 مليار سنة؟!

نعم، لقد قرأتها جيدًا، 3.8 مليار سنة هذا هو عمر الحياة على كوكب الأرض. في تلك المدة استطاعت الكثير من الكائنات الحية «المعلم الأمثل» أن تحصل على شهادات، ليس لتخطيها مرحلة تعليمية معينة، ولكن لأنها اجتازت كل اختبارات الحياة واستطاعت أن تنجو بعبقريتها عبر مليارات السنين لكي يأتي الإنسان -ذو الـ 200 ألف عام- (عمر الإنسان الحديث) ليقف بخبرته المتناهية الصغر متحيرًا أمام هذا النموذج المبدع، ويندهش من العمليات التطورية التي قامت بها تلك الكائنات حتى تنجو كل هذه السنين، ويحاول أن يتعلم من هذه التجربة المثيرة وهذه المسيرة التكاملية لتلك الكائنات.

فهل يستطيع الإنسان بخبرته المحدودة أن يُسكت تصارع الأفكار العبثية المتضاربة في عقله وأن يستمع إلى صوت الطبيع؟، أن يتواءم مع النظام البيئي للطبيعة حتى ينهل من خبراتها ما يتخطى به الأخطار المُحدِقة التي تهدد بزوال البشرية، أم سيظل يزاحم الطبيعة ويكون عدوًا هدامًا لها فيؤدي بذلك إلى زوالها وزواله؟.

لقد ثارت الطبيعة على كل التحديات التي واجهتها وطورت العديد من الآليات لتتخطى كل هذه التحديات، ثم دونت أرشيفًا كاملاً بهذه اللآليات؛ كتابَ تاريخٍ تحت عنوان «تحديات الحياة وابتكارات الطبيعة» وذلك من خلال تدوينة في جينات المخلوقات الحية، حتى تخلق مسيرة تكاملية تستطيع فيها جميع الكائنات قراءة تاريخ أجداداهم وصنع تاريخ جديد يقف أمامه الإنسان متحيرًا، ويسأل نفسه: هل نستطيع الاستفادة من ذلك التاريخ لمواجهة التحديات التي تواجهنا وكتابة تاريخ جديد يتصدره عنوان «تحديات الحياة وابتكارات البشر»؟.

هنا يكمن دور علماء الـ biomimicry «علم محاكاة الطبيعة» في محاولة لقراءة تاريخ هذه الكائنات قراءة نقدية نستطيع من خلالها أن نستلهم من الطبيعة ما يساعدنا على التطور في حل المشاكل التي تواجهنا وما يؤهلنا للبقاء.


ما هو الـ biomimicry وكيف كانت بدايته؟

كلمة biomimicry هي كلمة يونانية الأصل مكونة من شقين «bios» وتعني الحياة و«mimesis» والتي تعني المحاكاة، فيعَرَّف على أنه علم محاكاة هندسة الطبيعة. ولا يعرف العلماء متى بدأ الإنسان استخدام هذه الفكرة، إلا أن بعضهم يقول إن أول من قام بعمل نموذج يحاكي الطبيعي كان «ليوناردو دا فينشي» في القرن الخامس عشر عندما صمم نموذجًا لآلة طائرة استمده من مراقبته الدقيقة للطيور. وعلى الرغم من أنه لم ينجح في ذلك إلا أنه كان أول من قام بالكتابة عن تلك الفكرة حتى استطاع «الأخوان رايت» النجاح في ذلك عام 1903 عن طريق دراستهم لطريقة طيران”الحمام”، فكانت تلك الحمامة مصدر فكرة غيرت تاريخ البشرية من بعدها.

وترجع بداية ظهور هذا العلم بذلك الاسم إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث وصفه العالِم الأمريكي البيوفيزيائي «Otto H Schmitt» في ورقة بحثية بعنوان «Schmitt trigger»، إلا أنه ظل دفينًا لمدة طويلة حتى جاءت العالمة الأمريكية «Janine Benyus» الرائدة في هذا المجال وصاحبة كتاب «Biomimicry..Innovation Inspired by Nature» لتزيح الستار عن هذه الإستراتيجية وتخرجها إلى النور، حتى صارت رائجة في الأوساط العلمية وصارت لها مكانتها بين العلوم.


تطبيقات عن محاكاة الطبيعة

ليوناردو دا فينشي

تتضمن نماذج محاكاة الطبيعة العديد من المجالات، وربما عليك بزيارة موقع asknature.org لحصر الكثير من التطبيقات ولمعرفة المزيد عن الدراسة العلمية لآلية عملها. نستعرض لكم منها بعض النماذج الهامة

http://gty.im/450171026

يستخدم العديد منا الكثير من نماذج محاكاة الطبيعة يوميًا دون أن يدرك أن هذا من ابتكار الطبيعة. ومن هذه النماذج الـ «Velcro» وهو الشريط اللاصق الذي يستخدم في الكثير من الأدوات بداية من بدل رواد الفضاء إلى أحذية وشنط الأطفال، ويرجع اختراعه إلى المهندس السويسري “جورج دي ميسترال” عام 1941 عندما علقت أحد الثمار الجافة الشائكة لنبات أرضي (burdock burrs) بفراء كلبه، ولكنه بدلاً من إزالتها ورميها قرر أن يسأل ماذا أهدته الطبيعة اليوم، وقرر فهم آلية التصاق هذا النبات بفراء الكلب. هذه النظرة العميقة أدت إلى إكتشاف أداة بسيطة وفرت الكثير من المجهود للبشر. لذا عندما ترتدي الحذاء المرة القادمة لا تنسَ أن تشكر ذلك المهندس وكلبه، وحتما لا تنسَ أن تشكر الطبيعة على هذه الهدية القيمة.

قد تكون سمعت عن مادة الكيفلار التي تصنع منها السترات الواقية من الرصاص. وقد أنتج الكيفلار من قبل شركة DuPont عام 1965، وبدأ استخدامه عام 1970 كبديل للفولاذ نظرًا لقوته مقارنة بوزنه، فهو أقوى 5 أضعاف من نفس وزنه من الفولاذ. وتتم صناعته بمحاكاة طريقة صناعة العنكبوت لأليافه، وله العديد من الاستخدامات الصناعية.

قضت الشركة الألمانية ISPO لصناعة الدهانات ما يقارب 4 سنوات لصناعة دهان يسمى «Lotusan» لا تلتصق عليه الأتربة ولا الماء، يحاكي في أصله زهرة اللوتس الجميلة التي تنفض ما يلتصق بها من الماء والأتربة، وذلك لأن جزيئات الماء عندما تتدحرج على سطح أوراق اللوتس الخشنة فإنها تلتصق بالأتربة وتحملها بعيدًا عن سطح الورقة، حتى تتباهى بجمالها وسط طين البرك والمستنقعات.

تستطيع خنفساء صحراء ناميب التي تعيش على ساحل جنوب أفريقيا الغربي استخلاص الماء من الهواء عن طريق تكثيف بخار الماء على ظهرها ثم تحويله إلى الماء. ويعمل الكثير من الباحثين على محاكاة هذا النموذج الذي بواسطته يستطيع الإنسان أن يتغلب على واحدة من أهم المشكلات التي تواجهه وهي نقص الماء، وتعد NBD Nano من أهم المبادرات التي تحاول تنفيذ هذه المحاكاة عن طريق صنع زجاجات ماء آلية الملء تستطيع تخزين ما يقارب 3 لتر ماء/ساعة. فهل يستطيع العلماء محاكاة خنفساء الصحراء؟.

http://gty.im/173671770

يتعجب البعض من سرعة الحوت مقارنة بوزنه فتبدو حركته بسيطة ومريحة. أحد هذه الحيتان هو الحوت الأحدب (Humpback whales) وهو ينتمي إلى فصيلة الحيتان القافزة، ويمتلئ هذا الحوت بالعديد من الأمور المدهشة التي تستحق الدراسة كأسلوب غذائه وحركته السريعة والتي يساعده عليها وجود نتوءات في كلتا زعنفتيه تسمى حدب (tubercle). وقد قام العلماء بمحاكاة ذلك النموذج في تصميم التوربينات المستخدمة في مزارع الرياح، وقد صُمم هذا النموذج من قِبَـل شركة whale power والتي تصرح بأن استخدام هذا النموذج من التوربينات أدى إلى زيادة الإنتاج السنوي للكهرباء في مزارع الرياح خاصتهم بنسبة 20%.


القطار الطلقة

http://gty.im/475245508

واجه العلماء الكثير من المشكلات عندما حاولوا صنع القطارات فائقة السرعة، إحدى هذه المشكلات هي الضوضاء الرهيبة التي تحدثها هذه القطارات وخصوصًا عند دخولها إلى الأنفاق، فإنها تُحدث ضوضاء يصل مداها إلى حوالي ربع ميل مما أدى إلى إزعاج الركاب والسكان القريبين من أماكن مرور تلك القطارات. شغلت تلك الأزمة فكر كل المهندسين والمصممين حتى يستيطيعوا أن يوجدوا حلاً لها، ولكن لحسن الحظ هناك أحد المهندسين وهو إيجى ناكاتسو «Eiji Nakatsu» وكان مهتمًا بمراقبة الطيور، وفي إحدى رحلاته لاحظ إيجي طائر الرفراف «kingfishers» أثناء اصطياده للأسماك من الماء دون أن يحدث أي ضوضاء أو تذبذب للماء مما يزيد من فرصة حصوله على فريسته.

قرر إيجي دراسة ذلك الطائر، وأرجع قدرته على فعل هذا إلى منقاره الطويل المدبب وزاوية نزوله إلى الماء مما يساعده على اختراق الماء بسلاسة. واستطاع إيجي محاكاة هذا النموذج لتطوير القطار عن طريق تعديل مقدمته حتى تصيرَ طويلة ومدببة كمنقار الطائر، والعجيب أن هذه الفكرة لم تساهم فقط في خفض الضوضاء الناتجة عن القطار ولكنها أيضًا ساهمت في زيادة سرعته 10% وتقليل استهلاكه للكهرباء بنسبة 15%.

فيديو يوضح كيف يقوم هذا الطائر باصطياد فريسته:

يتضمن هذا المجال العديد من النماذج التي لا يتسع لها المقال، فقد استُخدم الـ biomimicry في الصناعة ومجالات الطاقة والنقل والنانوتكنولوجي ومجالات الهندسة وإدارة الأعمال، …إلخ حتى صار تصنيفه ضمن إطار محدد من العلوم عملية معقدة.


كيف تصنع نموذجًا يحاكي الطبيعة؟

أولئك الذين يستلهمون من نموذجٍ سوى الطبيعة، يعملون دون جدوى.

المحاكاة هي التقليد الواعي لعبقرية الحياة وليس التقليد الأعمى، أن تأخذ مبادئ التصميم وتتعلم منه، ثم تقوم بتحسين هذا النموذج لكي يكون مصدرًا إرشاديًا لأفكار جديدة تؤدي الوظيفة المطلوبة، ولكي يضيف إلى عالم التقنية ابتكارًا جديدًا يقدم حلولاً لمشاكل الإنسان. لكي تقوم بمحاكاة حقيقة يجب أن تكون الطبيعة مقياسًا وليس مثالاً فقط.

مثال على ذلك:

http://gty.im/92610837

من يتابع الرياضة من حضراتكم قد يتذكر ملعب بكين الوطني الذي عرف أيضًا باسم ملعب عش الطائر (bird’s nest stadium) الذي استضاف فعاليات الألعاب الأولمبية ببكين في صيف 2008. هذا الملعب عبارة عن هياكل خارجية فولاذية تتشابك مع بعضها وكأنها عش طائر، فأصبح تحفة معمارية مخلدة في الصين. ولكن التكلفة الضخمة لهذا البناء التي وصلت إلى ما يقارب 500 مليون دولار حالت دون أن يكون هذا النموذج نموذجًا مثاليًا لمحاكاة الطبيعة، فالمصممون أخذوا عش الطائر كمثال فقط وليس مقياسًا. فقد سألوا الطائر كيف شكْل العش الذي تبيت فيه ولم يسألوه كيف تَشَكَّل ذلك التصميم فخرج بهذه التكلفة الضخمة لكي يسحر العيون ويُفلس الجيوب.

http://gty.im/79359512

وفي نفس العام وبجوار هذا الملعب بعدة أمتار فقط استطاع فريق من المهندسين والمصممين أن يصمم ملعب بكين المائي الذي يطلق عليه في الأوساط المعمارية «المكعب المائي». صُمم هذا الملعب من عوارض فولاذية تحمل بينها وسائد من البلاستيك الرفيع عالي الدقة «ETFE» (هذا النوع من البلاستيك له العديد من الاستخدامات الكثيرة والرائعة تستطيع البحث عنها) حتى يتشكل على هيئة فقاعات صابون باللون الأزرق فيعكس بذلك وظيفة المبنى والبيئة الداخلية له على شكله الخارجي.

لم يكن هذا النموذج فقط يحمل شكلاً جماليًا كجاره ولكنه أيضًا كان يحمل جمالاً وظيفيًا، حيث إن البلاستيك المستخدم في بنائه شفاف يسمح لضوء الشمس بالمرور فتكون الإضاءة طبيعية وتخفض من تكلفة إنارته وتحتجز طبقة الـ ETFE 20% من الطاقة الشمسية التي تسقط على البناء وتستخدمها لتدفئة الملعب وأحواض السباحة خلال فصل الشتاء. ويمكن لهذا المكعب أن ينظم حرارته بنفسه ويكون باردًا في الصيف بأقل استخدام لمكيفات الهواء عن طريق حبس حرارة الشمس بين طبقتي البلاستيك المصممة في صنعه دون أن تصل لداخل المبنى مما يقل من استهلاك الطاقة بحوالي 30 %، كما يستطيع هذا البناء تحمل العواصف والهزات الأرضية.

لعلك الآن تعلم بعدما قرأت ما طرحناه من إنجازات للتكنولوجيا اعتمدت في أساسها على الاستلهام من أفكار الطبيعة أن هذا المجال يحمل لنا بين طياته الكثير والكثير، ولعلك تكون أنت من تقدم لنا أحد هذه الإنجازات يومًا ما، لذا إذا واجهت أي مشكلة فاعلم أن حولك ملايين من الكائنات الحية التي تستطيع أن تقدم لك الحلول.

المراجع
  1. asknature.org
  2. biomimicry examples
  3. Engineering the water cube
  4. Biomimetics
  5. Biomimicry