صور متناثرة لوجوه ولمحات من أجساد منحوتات رومانية وإغريقية. منحوتات لأجساد رجولية على الأغلب بشفاه ممتلئة، وانحناءات مثالية، نوتات بيانو تعزف بحزم ورقة في الوقت نفسه. هكذا يختار الإيطالي «لوكا جوادينينو» لفيلمه الأخير أن يبدأ. نرى الصور المتناثرة أثناء مرور أسماء فريق العمل، ولكن ما دلالة ذلك على فيلم يعنى بقصة حب في صيف ثمانيني في إحدى قرى إيطاليا المشمسة؟ يحكي فيلم «نادني باسمك – Call Me By Your Name» قصة الفتى المراهق «إليو» المهتم بالقراءة والموسيقى، بل إنه يعتبر طفلًا متميزًا، حيث يؤلف المقطوعات ويعزف البيانو. «إليو» وعائلته المتكونة من أب مثقف، أستاذ في علوم الآثار، وأم حنونة متحررة، يمضون الصيف في قرية إيطالية صغيرة، محاطة بالطبيعة من كل جانب، عندما يدعو الأب أحد تلامذته «أوليفر» ليكمل بعض الدراسات والأبحاث معه، تتغير حياة «إليو» للأبد.نرى هنا تصويرًا لعلاقة حب مثلية، لكن دون معاناة حقيقية من رفض الأهل أو المجتمع الصارم، على عكس الفيلم الحائز على الأوسكار العام الماضي «moonlight». يعنى «جوادينينو» بشكل أساسي بجمال كل شيء. جمال نقي وحقيقي يبدأ من الطبيعة في القرية المنقوعة في الشمس، والحقول الشاسعة المشبعة بالأخضر والذهبي، وينتهي بأبطاله أنفسهم؛ «أوليفر، وإليو».

أرمي هامر(أوليفر)، وتيموثي شالميه (إليو)، في مشهد من الفيلم يتصافحان عن طريق ذراع تمثال روماني قديم.

تلعب الفنون دورًا متميزًا في هذا الفيلم، من تشكيلية وموسيقية، والعنصران يتشاركان في إثراء فلسفة الفيلم ويدخلان في نسيجه بسلاسة. فمن ناحية تقع أحداث الفيلم في إيطاليا، وتيمة الفن الروماني المتكررة تلمح إلى ملامح البطلين، وتفتح علاقتهما، ومن ناحية أخرى وجود الموسيقى المستمر، ومقطوعات البيانو بشكل خاص التي تتبع موهبة «إليو» وتطور مشاعره.

«أوليفر»شاب عشريني وسيم، طويل القامة، ويمتلك ملامح صارمة ولكن ناعمة مثل تمثال روماني. كل من يعرف «أوليفر» يقع في حبه؛ كبار وصغار، فتيات وفتيان. «أوليفر» يمثل الجمال الرجولي المتكامل، مما يرجعنا لاختيار «جوادينينو» للتيترات أن تكتب فوق صور التماثيل، بالإضافة لكون والد «إليو» يدرس النحت الرومانى والإغريقي. وأيضًا اختيار الممثل الصاعد «تيموثي شالاميه» في دور «إليو» يعزز العلاقة المذكورة، فبعيدًا عن موهبته الساطعة التي فاجأت الجميع، فهو يمتلك ملامح جميلة بمعايير الفن الروماني. في إحدى لقطات الفيلم يجلس والد «إليو» مع «أوليفر» ليشاهدا -على عارض ضوئي صغير- صورًا لمنحوتات رومانية لأجساد رجولية. يقول الأستاذ بأن انحناءات أجسادهم تكاد تكون مستحيلة. يعلق «أوليفر»، بعد تأملها بعيون دامعة، إن التماثيل حسية للغاية، ليرد عليه أستاذه بأن «التماثيل كأنها تتحدى من يراها ليرغب فيها». يمكن من هنا فهم اختيار إظهار التماثيل أكثر من مرة. فرغم عمق وصدق قصة حب «أوليفر، وإليو»، لكن كليهما يملكان جمالًا يتخطى الجنس أو النوع. فوقوعهما في حب بعضهما البعض يتعلق بهذا الجمال الخارجي والداخلي، وليس بجنسهما، فـ«أوليفر» عاش كشخص غيري وسيكمل حياته بهذا الشكل، و«إليو» يستمتع بوجود فتيات في حياته بشكل دوري.


مايكلانجلو وتصوير الرجل المثالي على مدى العصور

David by Michelangelo Florence Galleria dell’Accademia

عل الرغم من أن تاريخ الفن عامر بصور ومنحوتات لأجساد النساء ونظرة الرجل لها، لكن يمكننا تتبع كيف صور الفن الرجل المثالي.في الفن الإغريقي كان الاهتمام بالرجل ذي الجسد الرياضي الجميل وانحناءاته الرشيقة كبيرًا جدًا، ونسخ الفن الروماني معظمها، ولكن لعل أهم التماثيل الرجالية وأشهرها على الإطلاق هو تمثال «ديفيد» لـ«مايكلانجلو»، والذي لقبه بعض المؤرخين الفنيين بـ«أجمل رجل في العالم».

يعتبر «مايكلانجلو» واحدًا من أهم رموز تاريخ الفن، سواء في النحت أو التصوير، ويمكن استكشاف الجمال الجسدي الرجولي في منحوتات «مايكلانجلو» فنان ذروة عصر النهضة الذي أعاد جماليات كلاسيكيات الإغريق والرومان. هناك مصادر متعددة تجزم بمثلية «مايكلانجلو» بناء على بعض الخطابات الحميمية مع رجال معينين في تلك الفترة، ولكن الدليل الأكبر كان طريقة نحته للأجسام الرجولية، واهتمامه بجماليتها، والمبالغة في إظهارها كما فعل في «ديفيد»، وكذلك طريقة نحته للتماثيل النسائية، وإظهارها بشكل أقرب للرجولة بعضلات ناتئة وأجساد عريضة، ولكن لم يصل لنا بشكل جازم تفضيلاته الجنسية، فالأمر إذن مقترن بنظرته للجمال الإنساني. من المحتمل أن «مايكلانجلو» كان مثليًا، أو مزدوج التفضيل، أو حتى مستقيمًا، ولكن تتردد على لسانه في مواقع التواصل وعلى الإنترنت جملة معناها أن «الجمال الأسمى يكمن في تفاصيل جسد الرجل»، وهو ما يتعارض مع تفضيلات معظم فناني عصر النهضة أو ما بعده، وهو ما يمكن ربطه بنفس الشكل مع فيلم «Call Me By Your Name»نحن لسنا أمام شابين شعرا باختلافهما منذ الصغر وعانيا لإخفاء حقيقتهما، بل كلاهما اكتشف تلك الرغبة في نفسه عندما قابل الآخر، وليس بالضرورة أن المثلية هي تفضيلهما الجنسي الأساسي.


الموسيقى ترسم الشخصية الأساسية

مايكلأنجلو، ديفيد

عامل «جوادينينو» فيلمه الأشهر «أنا الحب – I Am Love» الصادر عام 2009، على أنه أوبرا إيطالية تراجيدية، حيث تصاعدات موسيقية كلاسيكية تتبع التحولات وصعود وسقوط شخصياته، واستخدم فيه موسيقى «جون أدامز»، مؤلف أمريكى للأوبرا والموسيقى الكلاسيكية أعجب بيه «جوادينينو» كثيرًا وطلب الحقوق لاستخدام مؤلفاته، ثم عاد إليه مرة أخرى عند صناعة فيلمه الأخير «Call Me By Your Name».

أتعامل مع الموسيقى بحدسي، وأحب مفهوم استخدام البيانو كحوار في الواقع، في «Call Me By Your Name» يوجد استخدام مكثف للبيانو لأن تلك النوتات بشكل ما هي حوار داخلي وخارجي بين إليو ونفسه، وبين إليو وأوليفر.
«لوكا جوادينينو» في حواره مع مجلة «بيتش فورك»

«إليو» مؤلف موسيقى طموح يعزف البيانو، ويحاول إثارة إعجاب «أوليفر» بمعرفته الموسيقية. فطوال مدة الفيلم نسمع مقطوعات متنوعة للبيانو على اختلاف سرعتها وتركيبها الموسيقى، تعبر عن شغف «إليو» وعن طريقة تواصله مع الآخرين. في أحد مشاهد الفليم يعزف «إليو» مقطوعة أعجبت «أوليفر»، ولكنه يصر أن يضيف عليها بعض التعديلات ليتفاخر بثقافته، فيعزفها مرة كما لو كان «بخ» ألفها، ومرة أخرى كما لو كان «ليزت» هو من ألفها، ولكن «أوليفر» لا يهتم بكل ذلك، هو يريد ما عزفه «إليو» في بساطته وحالته الأولى.

بالإضافة للبيانو هناك الأغاني المكتوبة خصيصًا للفيلم بواسطة المغني وكاتب الأغاني «سوفيان ستيفنز»، اختاره «جوادينينو» ليكتب أغاني للفيلم تعبر عن مشاعر أبطاله وخصيصًا «إليو»، لأن طبيعة الفيلم ليست قائمة على الحوار فحلت محله كلمات ستيفنز الحساسة التي تمتزج مع الموسيقى المختارة للفيلم وتعطيه أبعادًا أخرى.

فيلم «Call Me By Your Name» رغم بساطته لكنه غني بالتفاصيل واللحظات الصادقة التي وضعته بين أفضل أفلام العام، الفيلم مرشح لأربع جوائز أوسكار من بينها أفضل أغنية أصلية، وأفضل فيلم.