لكن قلبي كان دوما قلب فارس كره المنافق والجبان مقدار ما عشق الحقيقة

تمر السنون وتعود ذكرى «نجيب سرور» لُتصبح مثاراً لاهتمام جيل جديد من شباب مصر، يعود سرور للواجهة بعد أن تم طمس اسمه لفترة طويلة. كان سرور كاتباً، وشاعراً، وممثلاً، ومؤلفاً، ومخرجاً، وناقداً، وأستاذاً بالمعهد العالي للفنون المسرحية، كان الرجل ملء السمع والبصر منذ عودته من بودابست إلى مصر في عام 1964. زار زنازين «صلاح نصر» لمدة قصيرة ثم خرج ليصنع ثلاثيته المسرحية «يس وبهية»، «قولوا لعين الشمس»، «آه يا ليل يا قمر»، كما كتب ديوانه الشعري الأهم «لزوم ما يلزم».

حدثت النكسة فزادت من اغترابه، كتب مسرحيتين نثريتين هما «الكلمات المتقاطعة»، و«الحكم قبل المداولة». ثم وقعت مذبحة «أيلول الأسود» بحق اللاجئين الفلسطنيين في الأردن فكتب فيها نجيب مسريحته «الذباب الأزرق»، لم تُعرض المسرحية وتورط نجيب مرة أخرى مع أجهزة الأمن المصرية، تم إيداعه على أثرها مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية.

خرج منها على فترات، فكتب فيها «الأميات» التي مُنعت وستمنع من النشر ورقيا إلى أبد الأبدين، كما كتب أيضا مسرحية عبقرية أخرى هى «منين أجيب ناس»، تنقل الرجل الذي أصبح مرتابا في وسط فني وأدبي قام بمعاداته بالكامل بين مصحات القاهرة والإسكندرية قبل أن يكتب ديوانين أخيرين هما «الطوفان» و«فارس آخر زمن» وليرحل أخيراً في أحد البيوت الريفية في دلتا مصر كما ولد.

اليوم لا نكتفي بذكر كل هذا المشوار الحافل لواحد من أهم صانعي المسرح الشعري المصري، ولكننا نحاول معكم أيضاً أن نبحث في الاتهامات الموجهة لنجيب سرور، بدءاً من البذاءة ومروراً بالشيوعية وانتهاءً بالجنون.


البذاءة

الأوله آه على الجيش اللى راح ولاجاش .. وقالوا جوله والتانيه سينا اللى راحت لليهود ببلاش .. ولا مقاوله والتالته دايخين ما بين هواش وبين بكاش .. وعلاوله الأوله مين يحقق والمحقق ديب والتانيه داء الخيانه مش لاقيله طبيب والتالته آه م الاهات .. يا جَرْح إمتى تطيب !

تعرف كثيرون على نجيب من خلال «الأميات»، وهو الاسم الأكثر احتراماً لديوانه الغاضب الشهير الذي تم كتابته نقلا عن أحد التسجيلات الخاصة، ثم تنقالته الأيدي في الخفاء حتى ظهر التسجيل كاملا للمرة الأولى على شبكة الإنترنت في أواخر التسعينيات، يُقال إن «شهدي» ابن نجيب نفسه هو من سربه، قبل أن يهرب من تهمة نشر مواد خادشة للحياء بالسفر إلى روسيا، حيث يحيا برفقة والدته.

تسبب هذا التسجيل بالذات في ربط اسم نجيب سرور بالبذاءة، وفي مجتمع أدمن المتاجرة بحماية الأخلاق العامة من كل دنس وسوء ترتب على هذا وضع نجيب في قائمة سوداء محرمة ومُجرمة ومُسفهة، في البدء لم يكن أمام جيل جديد من محبي نجيب إلا أن ينفوا عنه إدراكه في تلك اللحظة، هي لحظة غضب سب فيها الرجل كل من حوله ولا يجوز الحكم على مبدع كبير من خلال سقطة واحدة كهذه، خصوصا أنها جاءت في لحظة إحباط عام عقب النكسة وإحباط شخصي عقب الخيانة، خيانة تعرض لها من الوسط الفني وخيانة تعرض لها من زوجته، كل هذا والرجل مودع في مستشفى للأمراض العقلية، فكيف ننسى إنتاجه الأدبي والشعري والمسرحي مقابل تذكر لحظة غضب وإحباط كهذه؟

في مقابل ذلك خرج آخرون وبشكل أكثر شجاعة ليعبروا عن إعجابهم بمحتوى وصياغة الأميات، لن ننكرها فهي جزء من عشقنا لنجيب، هو صوت الجموع الغاضبة، ربما لم ينفع الأدب والمسرح في جذب انتباه المستبدين، فلا عيب في أن نجذب انتباههم بسخرية لاذعة تصل لحد السباب، وعلى الرغم من كل هذا فالرجل لم يفقد براعته في صياغة شعر العامية، الأميات بليغة ومؤثرة وتخبرك بكل شيء بأقصر الطرق الممكنة.. شوف الخريطة تلاقيها فاتحة رجليها، ربك خلقها كدا راح تعمل إيه فيها.. هكذا ببساطة تامة وببلاغة شديدة، ودون أي لف ودوران، جملة عاشت حتى اليوم، بل حتى أنها تبدو اليوم أبلغ، راح تعمل إيه فيها!


الشيوعية

كل ما نودع قتيل .. نندبه وننسى اللي قبله .. يجي بعده قتيل ينسينا اللي قبله .. واهي ماشية .. ماشية عال زي الطاحونة .. جرح فوق الجرح .. يتخن جلدنا .. ننسى حتى نفسنا .. وساعتها يجي دورنا على غفله .. بس مين يلحق يفوق .. وإن لحق هيقول لمين .. ولا قال .. مين يلحقه.

لا يكتمل تفسير الشعر إلا بمعرفة الشاعر، أين ولد وكيف عاش وكيف عانى، وبالبحث وراء هذا يمكن تفهم كيف تطور نجيب ليصبح شاعراً يسارياً ثورياً بكل ما في الكلمة من معنى. بدأ الرجل في قرية أخطاب بمركز أجا بمحافظة الدقهلية بدلتا مصر، كان الإقطاعيون يملكون حينها كل شيء، ومثلما كان الشيوعيون في أوروبا يحاربون سلطة الكنيسة والأمراء الإقطاعيين، كان نجيب يستعد لحربه مع عمدة القرية وشيخها، هذه الحرب الذي ستظل تؤرقه طويلاً.

بدأت حرب نجيب بقصيدة فصيحة صادمة بعنوان «الحذاء»، تم نشرها في عام 1956 بمجلة الرسالة الجديدة، حكى من خلالها عن حادثة ضرب عمدة القرية «الذي شبهه بالإله» لأبيه بالحذاء، «بنى.. كذا يفعل الأغنياء بكل القرى.. كرهت الإله».

هكذا منذ البداية، لم يخفِ نجيب شيئا.

ومن الحوادث المثيرة للتأمل أن نجيب رغم سفره إلى الاتحاد السوفيتي في بعثة رسمية لدراسة الفنون المسرحية فإنه لم يتردد في مهاجمة الممارسات القمعية التي كان يمارسها نظام ناصر في مصر وسوريا، تم إلغاء البعثة ولكن الطلاب الشيوعيين العرب الذين ارتابو فيه في البداية التفوا حوله عقب إلغاء منحته المصرية، فأكمل دراسته من خلال منحة مغربية، كما فتحت الصحف اللبنانية أبوابها لأشعاره.

عاد نجيب لمصر عقب مقال كتبه رجائي النقاش على صفحات جريدة الجمهورية يطالب فيها ناصر بالعفو عنه، ومنذ عودته استمرت حربه القديمة على العمد والشيوخ «برمزيتهم»، ظهر هذا في كل قصائد ديوانه الفصيح «لزوم ما يلزم»، يقول نجيب «أعطوا لقيصر ما لقيصر وللإله ما للإله .. ماذا تبقى عندكم؟ لم يبقَ شيء.. فاهنأوا طوبى لكم!».

أما في مسرحه الشعري فقد جمع نجيب بين القصص الشعبي المصري وبين أفكاره ليقدم لنا أبطاله «يس وبهية» في ثلاثيته، و«حسن ونعيمة» في منين أجيب ناس. في كل مرة يرمز لمصر بسيدة «تشبه إيزيس الفرعونية» تحاول أن تلملم شتات شعبها من البسطاء الكادحين، شعبها الحليم الطيب الذي لابد له أن يفيق من غفوته، وفي كل مرة يرمز لشعب مصر برجل خرج من بين عمالها وطلبتها وفلاحيها، رجل لا ذنب له إلا أنه وقف أمام العمد والشيوخ.

البطل عند نجيب ليس مخلصاً فردياً على الرغم من ذلك، ففي كل مرة تستمر الرحلة ولا تكتمل إلا بالتأكيد على أنه رمز لكم أنتم، الشعب.

لم يجبن نجيب عن قول ما يؤمن به، ولم يتراجع رغم تردده على مكاتب مكافحة الشيوعية بأمن الدولة التي تخصصت حينها في جمع الشيوعيين في زنازين المعتقلات، «في يوم الأميات» كانت الزنازين حاضرة في ذهن نجيب فلم ينس أيضاً أن يذكر «شهدي عطية» السياسي الشيوعي المصري الذي مات جراء التعذيب في سجن أبو زعبل. ظل نجيب وفيا لرفاقه الموتي فاستهل ديوانه الفصيح بروتوكولات حكماء ريش بقوله: «الحق أقول لكم، لا حق لحي إن ضاعت في الأرض حقوق الأموات».


الجنون

المثير للدهشة أن نجيب سرور الذي قضى ما يقرب من ثلث حياته داخل مستشفيات الصحة النفسية -مستشفيات الأمراض العقلية قديما- هو نفسه الأديب والمسرحي الذي يحمل لقب «شاعر العقل».

لن أقع في فخ تشخيص المشاهير من خلال سيرتهم، فالطب النفسي كباقي فروع الطب يستلزم أن يلتقي الطبيب المريض ويفحصه بشكل شخصي، الطب النفسي ليس كألعاب الحواة التي يفعلها البعض على شاشات التليفزيون فيشخصون الناس باضطرابات نفسية بمجرد النظر، ويقرأون أفكارهم من خلال حركة أو نظرة واحدة. ولكن إن نظرنا إلى سيرة نجيب سرور وإلى حياته فسنجد أنه تعرض ولا شك في ذلك إلى صعوبات نتيجة نضاله وشجاعته مثلما تعرض الكثير من أبناء جيله، ولكن استجابته كانت مختلفة.

ينبري اليوم جيل جديد أحب أشعار نجيب ومسرحياته في الدفاع عنه بدفع تهمة الجنون التي يستغلها النظام المصري كثيراً لوصم معارضيه، ولكنهم بهذا يتورطون أيضاً في وصم المرض النفسي الذي لا ذنب لأحد في الإصابة به.

ويمكننا ببساطة القول إن المرض النفسي كأي مرض، يمكن أن يصيب البشر بغض النظر عن مستوى ثقافتهم ومعدل ذكائهم، يمكنه أن يصيب العباقرة والفنانين والأدباء بل حتى الأطباء النفسيين أنفسهم، كما يمكننا ببساطة أيضاً أن نؤكد أن كثيراً من المرضى النفسيين يمكنهم الإنتاج بشكل جيد للغاية خلال فترة سكون المرض، وإذا تحدثنا بشكل خاص عن الكتاب والأدباء فالكثير منهم يمكنه الإنتاج أيضاً خلال فترات الانتكاس. فلا ينفي قدرة شخص ما على الكتابة والتأليف إصابته بمرض نفسي.

ففرضاً لو بالغ نجيب في رد الفعل تجاه ما تعرض له من اضطهاد نتيجة أحد اضطرابات الشخصية، وحتى لو كان مصاباً بضلالات اضطهاد غير موجود – كما يدعي البعض- ففي كل الأحوال هذا لا يعيبه، بل يعيب الظروف التي دفعت المرض إلى التطور، وحاصرت شاعر العقل فحرمتنا منه مبكراً.

في ديوانه الأخير «فارس آخر زمن» الذي كتبه قبيل وفاته في أكتوبر من عام 1978 يخاطب نجيب جيلاً لم يعرفه قائلاً:

في يوم ما من شهر ما من عام ما من قرن ما سيجيء الفارس فوق براق من أين يجيء؟ من الأعماق أعماق الشعب الفارس من أبناء الشعب فلاح في عينيه صفاء النيل وإباء الأرض الفارس جيل عملاق يتحدى أخطار الدرب الفارس شعب سيهب في يوم ما من شهر ما من عام ما من قرن ما