محتوى مترجم
المصدر
Foreign Affairs
التاريخ
2018/03/19
الكاتب
غريغوري غوز الثالث

استطاع الأمير الشاب محمد بن سلمان أن يحوّل المؤسسة الفندقية العريقة «ريتز كارلتون» في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 2017 إلى منشأة احتجاز، حيث تم القبض على شريحة كبيرة من النخبة السعودية بتهمة الفساد، فـ MBS (كما تُطلق عليه الصحافة الغربية) يحاول إعادة تشكيل اقتصاد المملكة والحياة الاجتماعية بها، وحتى آل سعود نفسه.

في مقاله التحليلي الطويل على موقع «فورين آفيرز» يرى المحلل السياسي الأمريكي والمتخصص في الشأن السعودي «غريغوري غوز الثالث» أن ابن سلمان في عمر الـ 32 قد بات بالفعل الشخصية الأقوى في التاريخ السعودي المعاصر، حيث قام بتهميش باقي أفراد العائلة المالكة بدعم كامل من والده الملك، وأصبح لديه سلطة مركزية واضحة، قد تمنحه القدرة على فعل أشياء عظيمة. لكنه أيضًا أقدم على «مقامرات عالية» حينما قام بما يُعرف بـ «الثورة الفوقية»، حيث أزال قيود الحذر والمحافظة عن السياسة الداخلية والخارجية السعودية، وهي السياسة التي حققت في السابق نجاحات واضحة في ظل أزمات الشرق الأوسط الحديث.

ويرى أنه فيما مضى، كان النظام السعودي يرتكز في تأسيسه على ميثاق اجتماعي بين العائلة الحاكمة والمؤسسة الدينية والنخبة الاقتصادية. ولكن على مر العقود، رفعت الثروة النفطية العائلة الحاكمة فوق شركائها، وجعلت الأمراء الحاكمين في مكانة أعلى من باقي أعضاء بيت آل سعود الممتد. والآن، أصبحت النخب الدينية مجرد بيروقراطية للدولة، وليسوا شركاء متساوين في الحكم. وتحول مجتمع الأعمال إلى مجموعة من جماعات الضغط المستقلة، وتضاءل حجم شراكتها في الحكم.


ثلاثة احتمالات لمستقبل الاقتصاد

في خطته 2030، هدف ابن سلمان إلى تنويع مصادر دخل الاقتصاد السعودي، وتقليل اعتماده على النفط. ومع اقتناعه بأن المملكة لم تعد قادرة على دعم دولة الرفاهية التي كانت قائمة منذ السبعينيات، قام بتخفيض الدعم على المرافق مثل المياه والكهرباء، وفرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5٪ على العديد من المعاملات التجارية. ودعا القطاع الخاص إلى الاستثمار أكثر في الاقتصاد، واتجه إلى خصخصة 5% من شركة النفط الحكومية «أرامكو».

وهنا يبرز السؤال المُحير: لماذا إذن اعتقل ولي العهد أركان القطاع الخاص؛ أي الأشخاص الذين يحتاجهم لدعم رؤيته الاقتصادية؟

تحمل الإجابة ثلاثة احتمالات، تتوقف على نوع القائد الذي يرغب ولي العهد في أن يصبح عليه.

إذا أراد أن يكون مثل الرئيس الصيني «شي جين بينغ»، فسوف يستخدم حملة مكافحة الفساد ليس فقط من أجل تصفية الحسابات السياسية، بل لإصلاح الاقتصاد. وفي هذه الحالة، قد يصبح القطاع الخاص المُعاد تكوينه، مع الحوافز الصحيحة والسياسة الحكومية السليمة، محركًا للنمو.

أما إذا أراد يكون أشبه بالرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، فإنه سيحل محل القلة الحاكمة القديمة أخرى جديدة من اختياره. وبالفعل فقد استولى ابن سلمان على حصة كبيرة في مجموعة ابن لادن للإنشاءات، ومجموعة MBC، في مقابل إطلاق سراح رؤسائهم التنفيذيين، وهو ما من شأنه تعزيز سلطة ولي العهد، وتقويض إمكانية إجراء أي إصلاح ذي مغزى.

الاحتمال الثالث، أن يسير على درب الملك هنري الثامن (ملك إنجلترا في الفترة من 1509 إلى 1547)، ففي مواجهة تصاعد نفقات الحروب في الخارج وتعزيز حكمه في الداخل، استولى ملك إنجلترا على الأديرة وغيرها من الأوقاف الدينية، عندما أعلن نفسه رئيس كنيسة إنجلترا. لكن بدلاً من الحفاظ على هذه المؤسسات كمصدر ثابت للدخل، فقد باع معظمها. وهناك بعض المؤشرات على أن ابن سلمان شعر بضغوط مالية مماثلة. حيث ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن الملك سلمان لم ينجح في نداء رجال الأعمال البارزين للمساهمة في خزائن الحكومة قبل حملة نوفمبر/تشرين الثاني، خاصة أن معظم خطط ولي العهد الاقتصادية لم تُثر حماسة رجال الأعمال السعوديين.


تغييرات اجتماعية جريئة

على الصعيد الاجتماعي، اتخذ ولي العهد بالفعل قرارات جريئة. ففي سبتمبر/أيلول 2017، أعلن أنه سيكون للمرأة السعودية الحق في قيادة السيارة. كما تحدث علنًا عن رغبته في «العودة إلى ما كنا عليه، إلى الإسلام المتسامح المعتدل المنفتح على العالم». ورغم تشكيك الكاتب في فكرة التسامح الديني في التاريخ السعودي، إلا أنه يرى أن خطوات ابن سلمان هي تغيير حقيقي، سوف يَحِدّ من سلطة رجال الدين في المملكة، ويفتح الحياة الاجتماعية السعودية، ويجعلها أكثر «اعتدالاً»، على الأقل بالنسبة للسعوديين الذين عاشوا أو زاروا الخارج.

ويرى أن كل هذا التغيير الاجتماعي يعطي صورة أكثر دقة عن العلاقة بين المؤسسة الدينية والأسرة الحاكمة، حيث ثَبُت أن النخب الدينية هي مجرد موظف حكومي يتلقى الأوامر من فوق، وليسوا لاعبين متساويين لهم حق النقض على سياسة الحكومة.


سلطة مركزية بلا مقاومة

منذ ستينات القرن الماضي، كانت المملكة تُدار –بحكم الأمر الواقع- من قِبل الأمراء (جميع كبار أبناء الملك عبد العزيز آل سعود)، وبالطبع كان هناك بعض الملوك أقوى من الآخرين، لكنهم سعوا جميعًا إلى الحصول على إجماع العائلة المالكة حول القرارات المهمة. ورغم أن هذا الأسلوب في الحكم يمكن اعتباره ضعيفًا ومحافظًا وغير قادر على اغتنام الفرص بسهولة، إلا أن قراراته كانت تُدرس بعناية فائقة، وكان يتم تنقيحها من الأفكار السيئة، وبمجرد أن يتم اتخاذ القرار، كان الجميع يدعمه.

تبدل الحال مع تولي الملك سلمان الحكم، وتحديدًا عندما صار ابنه وليًا للعهد في يونيو/حزيران 2017، حيث جمع الأمير الشاب خيوط الحكم في يده، وصارت الحكومة السعودية تحوي على عدد أقل من أعضاء العائلة الحاكمة مقارنة بأي وقت مضى منذ الخمسينات.

قام بن سلمان بعزل عدد كبير من أبناء عمومته الأكبر سنًا، وكثير منهم كانوا يشغلون مناصب عليا في الحكومة، وكانوا يتطلعون إلى وراثة مقاعد آبائهم في طاولة صنع القرار. ولقد تسبب ذلك في إحداث حالة من التذمر داخل الأوساط العائلية، ولكن لا توجد مؤشرات -على الأقل علنية- على وجود تعبئة جادة داخل آل سعود لعرقلة مسيرة بن سلمان. ولا يبدو الوضع الحالي مُشابهًا لما كان عليه عام 1964، عندما نشبت الخلافات بين الملك سعود وولي العهد وأخيه الأمير فيصل.

خلاصة الوضع الحالي أن طريق ابن سلمان إلى القوة المطلقة بات آمنًا.


السياسة الخارجية بين العدائية والاستهتار

يقف الآن ولي العهد على قمة عملية صنع القرار السعودية. وهو ما يعني عدم مراجعة قراراته الطموحة والعدائية، وهو غير القادر على حساب عواقب أفعاله بدقة. وتشير بعض قرارات السياسة الخارجية السعودية الأخيرة إلى قدر لا بأس به من الاستهتار.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، ضغط ابن سلمان على رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري لإعلان استقالته من الرياض، بهدف الضغط على النظام السياسي اللبناني على أمل توجيه ضربة إلى حزب الله، حليف إيران في لبنان. وبدلاً من ذلك، فإن هذه الخطوة جاءت بنتائج عكسية، حيث مارست الولايات المتحدة وحلفاؤها ضغوطًا من أجل تراجع الحريري عن الاستقالة، وبالفعل عاد الحريري إلى لبنان وألغى استقالته.

وبالمثل، في صيف عام 2017، قادت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة عددًا من الدول العربية الأخرى في حملة لمقاطعة لقطر، واتهمت القطريين بدعم الجماعات الإسلامية، ودعم الإرهابيين، والتدخل في السياسات الداخلية لجيرانهم. لكن تمكنت قطر من مقاومة الحملة، واستمدت الدعم من إيران وتركيا، ولم تحقق السعودية أهدافها.

وكثيرون صنفوا الهجوم العسكري الإماراتي السعودي في اليمن كمثال آخر على سياسة ابن سلمان العدوانية وغير الناجحة. حيث افترض السعوديون وشركاؤهم أن العملية، التي بدأت في 2015، ستدحر بسرعة المتمردين الحوثيين، ويعود عبد ربه منصور هادي إلى القصر الرئاسي في صنعاء. وبدلاً من ذلك، استنزفت حرب اليمن الموارد السعودية، وباتت وصمة عار تلاحق سمعة البلاد الدولية.

ولا شك أن استمرار نفس الوتيرة في الأسلوب الأحادي في اتخاذ القرارات الدراماتيكية، يجعلنا نتوقع المزيد من المفاجآت من النظام السعودي.


دروس للولايات المتحدة الأمريكية

ربما لم تؤدّ تحركات ولي العهد في أي مكان إلى المزيد من الفضول والأمل والخوف أكثر من واشنطن. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أشد المتحمسين لابن سلمان، وحقيقة أنه تولى ولاية العهد بعد أسابيع قليلة فقط من زيارة ترامب للسعودية في مايو/آيار 2017، تركت الانطباع بأن واشنطن كان لها علاقة بالتغيير.

وعلى الرغم من أن احتضان ترامب العلني لولي العهد قد لا يخدم مصلحة أي منهما على المدى الطويل، إلا أنه أعطى -دون شك- نفوذًا كبيرًا لواشنطن مع الرياض على المدى القصير. ويدعو الكاتب الإدارة الأمريكية إلى التفكير بعناية في كيفية استخدام هذا التأثير.

فهو يرى أنه من المنطقي إقناع السعوديين بالمشاركة في جهود تسوية النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، إلا أنه يرى أن خطط ترامب لا تتمتع بفرصة حقيقية للنجاح. وفي سوريا، لا يبدو أن ترامب يمتلك مبادرة سلام جديدة، لذلك ليس هناك سبب لإشراك السعوديين هناك. بينما نجح ترامب بالفعل في دفع السعوديين لإعادة العلاقات مع حكومة العراق، لتحقيق الاستقرار والحد من النفوذ الإيراني هناك.

من وجهة نظر الكاتب، فإن المكان الذي يستطيع ترامب أن يستخدم فيه علاقاته الوثيقة مع ولي العهد هو اليمن. حيث يجب على الإدارة أن تواصل جهودها لدفع السعوديين إلى معالجة الكارثة الإنسانية هناك، من خلال مساعدة أكثر فاعلية وعمل عسكري أكثر تميزًا. وهو ما يتطلب مبادرة دبلوماسية لإنهاء القتال، وإعادة فتح قنوات الحوار مع الإيرانيين؛ لأنها القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على التأثير على الحوثيين.