ضجة استثنائية، طغت على وسائل التواصل الاجتماعية المصرية خاصةً، والعربية عامةً، خلال الأسابيع الماضية. كان مبعث تلك الضجة برنامج «الدحيح» الذي يقدمه الباحث المصري أحمد الغندور، ضمن باقة الجزيرة بلس AJ+، والتي تُعتَبر من أبرز خدمات الفيديو التفاعلي في العالم العربي.

يعرف كثيرون الغندور منذ سنوات، عبر مقاطع الفيديو اللطيفة التي كان يقدمها لتبسيط القضايا العلمية، بأسلوب يجمع بين الفكاهة، ومحاولة الدقة بإرجاع كل شيءٍ إلى مصادره، قبل أن يتحول إلى برنامج أكثر احترافية، بإنتاج دوري، وصل مؤخرًا إلى مقطعيْن أسبوعيًا.

رغم رضائي العام عن حالة النقاش المحموم بخصوص قضية الدحيح، بعد سنواتٍ طغى فيها الإحباط من النقاش في أي مجالٍ عام ذي فائدة، حتى المجالات غير السياسية، فإن العديد من سمات الجدل غير الإيجابي طغت على السطح خلاله، وكان أبرزها الهوس بالثنائيات، وتخندق «ألتراس» كل طرف في أحد جانبيْ الصورة. على الجانب الأول، الدحيح أيقونة علمية لطيفة، يجب الدفاع عنه باستماتة ضد طيور الظلام والتكفير، وعلى الجانب الآخر، شاب سيئ النية، وقد يكون عمدًا أو انخداعًا، جزءًا من مؤامرة أكبر تستهدف «وعي شباب الأمة»، بتسريب الأفكار الإلحادية بقالب كوميدي «يدس السم في العسل». 

يشعرك المتخندقون ألّا تفسيرات في المنتصف. ألا يمكن – مثلًا – أن يكون الغندور مسلمًا، لكن لديه بعض الآراء الخاصة، أو الشكوك المتعلقة ببعض الأمور الغيبية المتعلقة بالعلوم، كنشأة الخلق.. الخ. أو أن يكون مبحرًا في رحلته الخاصة بين الشك واليقين، ولم يكوِّن بعد آراءً قاطعة في بعض الأمور. أو أن الأمر ببساطة أنه وجد في نفسه موهبة التقديم اللطيف فاستغلها، ومع زيادة عدد الحلقات، وضغط الوقت، كثر عدد طاقم الكتاب، على اختلاف مشاربهم، وأصبح يقوم بالأساس بدور المؤدي لما كتبه غيره … الخ.

في إطار تلك الأجواء الحدِّية، تترعرع الأساليب غير الموضوعية، والخروج عن صلب القضية، وهو النقاش العلمي والديني الرصين حول بعض ما ورد في برنامج الدحيح، لننتقل إلى الطعن الشخصي، والتهجم، من كلا الجانبيْن.

أسئلة إلى الدحيح 

قبل أن أدخل إلى متن الموضوع الرئيس الذي سيكون على هيئة 5 أسئلة، أرى أن إجابتها من الدحيح قد تنهي الجدل السلبي في القضية أو تخففه على الأقل، لا بد من توضيح أن اقتباسي عنوان المقال من عنوان كتاب د. مصطفى محمود (رحمه الله) الشهير، نصيب السخرية فيه أكثر من الجد، وأن وصف «صديقي» مقصود، وإن كنت لا أعرف الغندور بشكلٍ شخصي، تأكيدًا على أنني لا أعتبره عدوًا أو خصمًا عتيدًا، رغم خلافي معه وارتيابي من طريقة تناوله لبعض الأمور العلمية المتصلة بالفكر والفلسفة والدين، وأنا الذي أتابعه منذ سنوات، بشكلٍ شبه مستمر، حتى الشهر الماضي.

وقدخر طرحي لهذا الموضوع عن ذروة «الترند»، لسببيْن رئيسيْن:

الأول: هدفي ليس مجرد استغلال الترند، إنما الخروج بفائدة حقيقية من الحالة ككل، فانتظرت لحين امتلاء الساحة بكافة الآراء يمينًا ويسارًا، لأعطي نفسي الفرصة لتكوين رأي موضوعي، وتعديل انحيازاتي الأولى.

الثاني: انتظرت أن يرد طاقم الدحيح بشكل مباشر بمقطع يوضح الأمور ويحسم الجدل، خاصة عن حلقة «محاسن الصدف» التي كانت الشرارة، لكن هذا لم يحدث حتى لحظة كتابة تلك الكلمات ..

لماذا لا ترد عمومًا بوضوح على تلك القضية الخطيرة؟

فوجئت بأن الكثير – ومنهم بعض أصدقائي من الأوساط العلمية والثقافية – من داعمي الدحيح، يرون أنه ينبغي أن يكمل عمله بنفس الأسلوب، وألا يلتفت للنقد الأخير، وألا يرد مطلقًا، خصوصًا وأن بعض الردود عليه قد تجاوزت القصد، واتسمت بالحدة والشخصنة، وأن تطبيق قاعدة القافلة تسير والكلاب تعوي هو الأولى!

 شخصيًا أختلف مع هذا تمامًا، فحدة الردود، والخروج عن القصد، كانت من كلا الجانبيْن، المؤيد للدحيح والمختلف معه. كذلك أرى الصمت هنا استهانة بقضية محورية، لا بد أن تؤخّذ بكل اعتبار، لأنها تتصل بصميم الإيمان، ونظرتنا من خلاله لذاتنا وللكون. لا سيَّما، وأن الدحيح سبق له غيرَ مرة، تصحيح بعض الأخطاء – ومنها البسيطة – في نقل بعض الأرقام، أو الآراء في مقاطعه، في منشوراتٍ على صفحته.

من أبرز أمثلة هذا، حلقة الطب النفسي، والتي أثارت عاصفةً من اعتراضات الأطباء النفسيين – بعضهم استخدم لهجة شديدة الحدة ضد الدحيح – لأن طريقة عرضه، أشعرت الكثير من المشاهدين أنه يشكك في جدوى الطب النفسي في المطلق. لم يترك الدحيح مساحة للجدل، واعتذر حينها بوضوح عما ورد في الحلقة، وعن طريقة العرض، وشدَّد على المشاهدين باحترام الطب النفسي، واللجوء إليه عند الحاجة.

اعتذار صفحة الدحيح عمّا ورد في حلقة الطب النفسي

فلماذا إذًا الصمت السلبي تجاه القضية الحالية؟ قد يُفَسَّر ذلك بأن الطب النفسي يمثل ركنًا من أركان الصوابية السياسية، بينما لا تحظى قضية الدين، ونظرتنا للكون من خلاله – والتي تحدد سلوكياتنا، وأخلاقنا – بذات الأهمية من هذا المنظور.

لماذا تلامس قضايا جوهرية بقوة، ثم تنسحب فجأة؟

حلقة «نصك ملحد» من سلسلة الدحيح.

ليس عندي ثمة اعتراض على أن يناقش البرنامج كل القضايا العلمية وغير العلمية، طالما يُحضّر لها جيدًا، بما يغطي ولو الحد الأدنى من أساسياتها، فنحن هنا في سياق عرضٍ مبسطٍ للأفكار، لا يستدعي في معظم الأحيان الخوض في تفاصيل التفاصيل.

لكن هناك بعض القضايا الجوهرية التي لا يمكن التعامل معها ببساطة، فالاقتراب منها على غير أرضٍ ثابتة، ودون تناول شامل، يثير اللغط. مثال ذلك حلقة «نصك ملحد» والتي صدرت منذ أكثر من سنتين، وتناول فيها الغندور قضية الاختلاف بين نصفيْ الدماغ الأيمن والأيسر. في آخر المقطع ربط الغندور محتوى الحلقة في جملة عابرة، بقضية فلسفية ودينية خطيرة «الإنسان مخير أم مسير»، فكانت أشبه بقنبلة أُلقيَت على المشاهد سريعًا. ويتكرر مثل هذا في مقاطع أخرى.

محاسن الصدف؟

حلقة محاسن الصدف التي أثارت الضجة الأخيرة

هذه الحلقة تحديدًا، هي التي فجّرت الضجة. الحلقة تناقش نظرية الاحتمالات، وقصص طريفة عن تطبيقاتها في اليانصيب والبورصة، والاقتصاد، لكنها تطرَّقت من خلالها إلى نظرية افتراضية – ليس عليها أدلة علمية أو بحثية – عن وجود أكوانٍ متعددة كثيرة، وهذا العدد الهائل، ما سمح بأن يصبح أحدها بالمصادفة مناسبًا للحياة، تجتمع فيه القوانين الطبيعية اللازمة لذلك. هذا الطرح شهيرٌ للغاية في أوساط الملحدين لملء فجواتٍ فيزيائية لتفسير نشأة الكون، ومناسبة عالمنا للحياة. ووصفه الغندور في الدقيقة 13 من الحلقة نصًا، أنه واحد من أهم التفسيرات في ميكانيكا الكم! ما المشكلة في أن يعرض الدحيح أي نظرية مهما كانت تبدو إلحادية، أليس ناقل الكفر ليس بكافر؟

مقطع يشرح نظرية الأكوان المتعددة، واستخدامها في تفسير وجودنا في هذا العالم بمحض المصادفة كما يرى صاحبه

المشكلة أن طريقة العرض المسرحية خلال الحلقة، توحي للمشاهد بأن الدحيح يؤيد تلك النظرية، وينحاز لها في تفسير نشأة الكون، وليس مجرد أنه ينقلها نقلًا محايدًا. عزّز هذا أنه لم يعرضها، ويعرض في النهاية نقدًا لها، ويترك للمشاهد الحكم. والمشاهد يعرف الفارق الكبير بين مجرد العرض الموضوعي لنظرية قد يختلف معها شارحها، ومحاولته تأييدها بطريقة عرضه، وتعبيرات وجهه، ولو بشكلٍ غير مباشر.

رد الداعية الإسلامي فاضل سليمان على طرح الدحيح في حلقة محاسن الصدف 
  • لماذا لا تعرض الرأي والرأي الآخر في القضايا ذات البعد الفلسفي، متعددة الأوجه؟
د.عمرو شريف يتحدث عن التطور الموجَّه، ويميز بين الجزء العلمي والفلسفي في تلك القضية

على سبيل المثال، في الحلقات التي تناولت ولو بشكلٍ غير مباشر، موضوعات تتعلق بنظرية التطور. كان الدحيح يعرض حصريًا الموضوعات أو الأدلة الداعمة لعشوائية التطور. مثلًا – لا حصرًا – مسألة وجود عيوب في تصميم شبكية عين الإنسان، وترتيب طبقاتها، والتي تناولها الدحيح في حلقة ألوان زمان، وهي فرضية استخدمها الكثير من منظّري الإلحاد، وعلى رأسهم دوكينز – في كتابه صانع الساعات الأعمى – في نفي وجود خالق ذكي للكون. ثم ثبُت خطؤها في أبحاثٍ علمية لاحقة. (من الملفت للنظر عمومًا، تكرار استشهاد الدحيح في مصادر حلقاته بتنظيرات دوكينز، وكتبه).

لم يتم أبدًا في أي حلقة الإشارة إلى مدرسة التطور الموجه – وأيٍّ من فرضياتها، واستدلالاتها – والتي تؤمن بالتطور، مع استحالة حدوثه عشوائيًا، وإنما بتوجيهٍ أعلى نظَّم العملية – الإله؟ وهي رؤية يمكن الجمع بينها وبين رؤية الدين في الخلق،بخلاف التطور العشوائي. ألا تقتضي الموضوعية على الأقل عرض وجهتيْ النظر، وترك الحكم للمشاهد؟

لماذا لا ترد تحديدًا على د.إياد قنيبي؟!

                                  رد د.إياد قنيبي على الدحيح، والذي شاهده أكثر من 700 ألف مشاهد حتى الآن

ليس من المعقول أن أطلب منك أن ترد على كل منشور تناول حلقاتِك. لكن من الواضح أن الرد الذي حصل على الزخم الأعلى كان رد الباحث الأردني إياد قنيبي – والذي حصل على أكثر من 700 ألف مشاهدة على اليوتيوب – حتى أوشك «الترند» أن يتحول إلى الدحيح – قنيبي. ورغم الهوس الزائد في هذا الرد بنظرية المؤامرة، وكثير من الشخصنة، والسخرية اللاذعة، التي لا أتفق معها، فقد احتوى ملحوظاتٍ ذات أساس علمي. 

وقنيبي باحث له العديد من الأبحاث المنشورة في مجلات علمية دولية، ويقدم مقاطع على اليوتيوب بعنوان رحلة اليقين، يطرح فيها آراءه العلمية في التطور، والرد على الإلحاد، ويشاهدها مئات الآلاف. إذًا فهو ليس من آحاد الناس ليُهمَل طرحُه بالكلية.

للأسف ركزت أغلب ردود مناصري الدحيح على قنيبي، على آرائه السياسية، وخلفيته الجهادية، وتنظيراته التي يرونها أضرت الثورة السورية، واتّهمَهُ الكثيرون كذلك بالانتساب لداعش، وكل هذا ليس له علاقة بصلب ما نتحدث عنه هنا. في المقابل حرص هو على الرد على ردودهم، بما فيها رد الباحثة نهى خالد، رغم وصفها له صراحة بالتدليس والكذب.

الرد المباشر على ما قاله قنيبي من قبل الغندور، أو بعض كُتَّابه، كفيل بإنهاء الجدل، إلا إذا كان طاقم الفريق لأسباب تسويقية أو غير ذلك، يحب إطالة أمد، ومدى، الجدل والتفاعل إلى أقصى قدر.

نموذج من ردود شبكة براهين الإسلامية على دفاع نهى خالد عن برنامج الدحيح، وهجومها بشدة على شخص د.إياد قنيبي وطرحه.

خاتمة 

بعيدًا عن أجواء الشخصنة، والتراشق، الحاصلة، الواجب أن نستثمر في الجزء الإيجابي من هذا الجدل، بعودة الاهتمامات العامة والثقافية إلى الواجهة، وعلى أمل أن يساهم هذا في انفتاح المتخندقين من الجانبيْن على أطروحات الجانب الآخر بموضوعية، وشفافية.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.