حلم السفر إلى الفضاء حلم إنساني أزلي. بدأ منذ تعلم الإنسان النظر للسماء متأملًا. ومنذ أن نظر «جاليليو» لأول مرة في تلسكوبه تجاه الأجرام اللامعة في السماء، ليدرك أن كوكبنا لا شيء في هذا الكون الواسع.

بدأ الإنسان أولى خطوات في تحقيق حلمه بالطيران في السماء، مستخدمًا العديد من التقنيات البدائية، وذلك حتى استطاع «الأخوان رايت – Wright brothers» الطيران باستخدام أول طائرة شراعية في مستهل القرن العشرين.

تطورت تقنيات الطيران بعدها كثيرًا بفضل الدعم العسكري اللاأخلاقي غير المحدود في الحرب العالمية الأولى والثانية. ثم بعد انتهاء الحرب، بدأت الحرب الباردة بين السوفييت والولايات المتحدة، وهي الحرب التي كانت مستعرة في مجالات التفوق العلمي كما في العسكري، وذلك لحسن الحظ.

فكان أول إنسان يغادر الكوكب، الذي ظل البيت الوحيد للبشر لأكثر من 200 ألف عام، هو الروسي «يوري جاجارين – Yuri Gagarin» في أبريل/ نيسان عام 1961، ليحلق في الفضاء، ويدور حول الأم، كوكب الأرض.

يحمل السفر للفضاء كمّا كبيرًا من الأفكار الرومانسية الجميلة. الحركة بحُرّية مطلقة متخلصًا من قيد الجاذبية الأزلي، النظر للأرض، الكرة الزرقاء اللامعة، من الفضاء، النظر للكون بحُرية، وحتى يعود رائد الفضاء بهدايا سافرت معه للفضاء يهديها لحبيبته أو زوجته أو أسرته وأصدقائه.

لكن حقيقة الوضع تقول أن السفر للفضاء خطر، بل هو شديد الخطورة. وتفاصيله التقنية اللانهائية والمتشابكة تجعله من أكثر مهمات الإنسان صعوبة وتعقيدًا على الإطلاق. يكفي خطأ بسيط لتحويل حدث جميل مُلهم لكارثة عملاقة.

تاريخ السفر للفضاء يحمل الكثير من تلك الكوارث، منذ بدأت الفكرة في التحقق، حتى آخر الرحلات في السنوات القليلة السابقة. لكن أسوأ كوابيس رائد الفضاء تتعلق دائمًا بوجوده في الفضاء البارد الجاف، يحميه فقط كبسولة من المعدن، هي كل ما بينه ما بين الموت.

فما الذي يمكن أن يحدث لرائد فضاء إذا فقدت تلك الكبسولة تماسكها، أو إذا حدث عطل أو خلل، أو حتى كسر أو شرخ في بزته الفضائية؟


سيناريو الموت بين النجوم

في كل مرة يفكر فيها منتج أن يقدم للجمهور فيلمًا يدور في الفضاء، يجب أن يحدث هذا السيناريو: رائد فضاء خارج مركبته، ينتهي منه الأكسجين أو الطاقة، أو قدرة الدفع، أو تتحطم بزته أو خوذته نتيجة اصطدامها بشيءٍ ما يختلف حسب السيناريو. ومن ثم يموت رائد الفضاء ميتة شنيعة تتناثر فيها أشلاؤه وتنفجر فيها أعضاء جسمه.

فهل هذا ما يحدث حقا؟ وهل تقدم لنا أفلام الخيال العلمي الحقيقة؟

ينصحنا علماء الفضاء ألا نأخذ تلك الأحداث الدرامية كحقائق مطلقة، فبها الكثير من اللغط، كما أن هدفها دائمًا هو الربح وليس العلم. فالفضاء على الرغم من وحشته، لم يكن بهذه القسوة والدموية، فالفضاء هو القاتل الهادىء.

حجمك سيصبح الضعف في ثوان معدودة

أول ما يحدث للإنسان في الفضاء بدون وقاية مُحكمة؛ هو «التّـفَـقُّـع – ebullism»، بسبب انعدام الضغط في الفضاء. والتفقع هو تكوُّن فقاعات من الغاز بين الأنسجة وداخل الأوردة وتحت الجلد. فجسم الإنسان مهيأ للمعيشة في الضغط الجوي على سطح الأرض. ففي هذا الضغط تكون الغازات ذائبة في الدم وفي الأنسجة.

وعند انعدام الضغط أو انخفاضه بشدة؛ يبدأ الأكسجين والنيتروجين في التحوّل للحالة للغازية، مكونًا فقاعات. والأثر المباشر للتفقع هو اختناق الخلايا نتيجة نقص الأكسجين، وتضاعف حجم الجسم لأكثر من ضعفين، وهبوط في الدورة الدموية، وشلل، وانكماش الرئتين، وتجمد الأنسجة بسبب فقدان الحرارة المصاحب للتبخر.

يفقد الإنسان الوعي بسبب التفقع خلال 15 ثانية، لكنه يظل على قيد الحياة لمدة 90 ثانية أخرى يستطيع جسده فيها المقاومة، بل والعودة لحالته الطبيعية إذا ما أمكن إنقاذه في تلك الفترة القصيرة جدًا!.

تجري ناسا اختبارات انعدام الضغط دائمًا على حيوانات التجارب، لكن في عام 1966 تطوع «جيم لبلانك – Jim LeBlanc» لإجراء التجارب عليه في غرفة منعدمة الضغط. فتم إلباسه بزة فضائية ووضعه في غرفة الاختبار.

ثم بعد خفض ضغط الغرفة لما يماثل الضغط في الفضاء، تم إيقاف عمل البزة الفضائية، ففقد «جيم» وعيه بعد 15 ثانية، قبل إعادة الضغط، وإنقاذه من الموت. يمكنك مشاهدة هذا الفيديو للتجربة.

سيتجمد جسدك في لحظات

اختلاف درجة الحرارة هي المشكلة الأخرى التي سيواجهها رائد الفضاء، إذا تعطلت أجهزة تنظيم الحرارة في حُلته الفضائية أو مركبته. والحرارة تنتقل بطرق ثلاث: الإشعاع، والحمل، والتوصيل الحراري.

فعلى سطح الأرض يفقد الإنسان الحرارة للبيئة المحيطة به، والتي تعمل كطبقة عازلة حوله تحميه من فقدان الحرارة المستمر، لكن في الفضاء لا يوجد ما يحيط بجسم الإنسان ليوصل أو يحمل الحرارة، أو يعزله ويحميه، ولذلك فالجسم يستمر في فقدان الحرارة عن طريق الإشعاع.

ويفقد جسم الإنسان الطاقة في الفضاء عن طريق إشعاعها في صورة موجات تحت حمراء بطاقة 100 واط، لكن ليست هذه هي المشكلة الحقيقة. مع فقدان الضغط السريع؛ يفقد الجسم الحرارة بسرعة شديدة بسبب البخر.

فعند تحول أي مادة من الحالة السائلة للحالة الغازية؛ يحدث انخفاض سريع في درجة الحرارة فيما يسمى بـ«التبريد التبخيري – Evaporative cooling». وهذا التبريد يحدث أثناء التفقع ويؤدي إلى تجمد أنسجة وخلايا الجسم، وتجمد الرئتين والقصبة الهوائية والأنف والوجه بسبب تبخر الماء. ويؤدي هذا التجمد للموت خلال أقل من خمس دقائق.

الاختناق والموت بعد دقائق

ماذا عن نقص الأكسجين؟

فربما لا تتعطل الحُلَّة الفضائية أو تتحطم، لكن كمية الأكسجين المتوفرة للتنفس محدودة، وانتهاؤها وارد. والمخ لا يعمل بدون أكسجين، وهو يستهلك بمفرده ربع كمية الأكسجين التي يستهلكها الجسم، وأنسجته تموت إذا توقفت إمدادات الأكسجين عنه لأقل من خمس دقائق.

وإذا انتهى الأكسجين في حُلّة رائد الفضاء، يفقد الوعي خلال ثوانٍ قليلة، ويجب إعادة توصيله بالأكسجين خلال دقيقة أو إثنتين؛ قبل أن تبدأ خلايا المخ العصبية في الموت، أو تبدأ أعضاء جسمه في التوقف عن العمل. وحتى لو تم إيصال الأكسجين بعد ذلك لا يمكن إعادة الوضع لما كان عليه، فالدمار الحادث لخلايا يتخطى أي قدرة حالية على العلاج.


فيلم Gravity الأدق علميًا

فلنتذكر سويًا مشهد «ساندرا بولوك – Sandra Bullock» في فيلم «Gravity» عندما كانت في كبسولة الهروب «سيوز – Soyuz» محاولة الهرب من نطاق المخلفات الفضائية، التي تدور بسرعةٍ مدمرةً ما في طريقها من محطات فضائية أو أقمار صناعية.

ثم جاء «جورج كلوني – George Clooney» من الفضاء ليفتح عليها الكبسولة قبل انتهاء الأكسجين من حُلته بلحظات. ماذا كان سيحدث لو كان هذا المشهد حقيقيًا، وليس في خيال «ساندرا بولوك»؟!

بعد مرور 15 ثانية تقريبًا؛ كانت «ساندرا» ستفقد وعيها. وبسبب انخفاض الضغط المفاجئ؛ سيبدأ التفقع في مضاعفة حجم جسمها، وتبريد أنسجتها الداخلية. وبعد دقيقة ونصف ستموت بسبب انخفاض الضغط.

فلو استطاع «كلوني» أن يغلق الكبسولة، ويعادل الضغط داخلها قبل مرور دقيقة ونصف من فتح الباب، لن تموت «ساندرا بولوك». ولحسن الحظ أنه حتى في حلمها لم يستغرق «كلوني» حتى نصف هذا الوقت للدخول في المركبة!.


حوادث تاريخية

يحتوي تاريخ السفر عبر الفضاء على حوادث حقيقية لكنها نادرة، تعرض فيها الرواد لظروف الفضاء القاسية بشكل مباشر. ففي عام 1960، وقبل أي رحلة لرائد فضاء، تعرض «جوزيف كيتينجر – Joseph Kittinger» الطيار الأمريكي الشهير لحادث تفقّع محدود أثناء تحقيقه لرقم قياسي أثناء هبوطه بالمظلة من على ارتفاع 31 كيلومتر، من كبسولة محمولة بالهيلم، مرتديًا حُلة مجهزة لتحمل فرق الضغط.

الذي حدث وهو في الأعلى؛ هو أنه فقد قفازه الأيمن، وتسبب ذلك في فقد القدرة على ضبط الضغط، مما أدى لتفقع يده اليمنى، والتي أصبح حجمها ضعف الحجم الطبيعي، مع ألم شديد. قام «جوزيف» بالقفزة محققًا رقمه القياسي، وبعدها تم علاج يديه على الأرض، حيث عادت لحالتها الطبيعية بعد 3 ساعات.

الجدير بالذكر أن «جوزيف» حافظ على رقمه القياسي حتى حطمه الأسترالي «فيليكس باومجارتنر – Felix Baumgartner» في قفزته الشهيرة عام 2012 من على ارتفاع 39 كيلومتر، وكان دليله ومرشده في تلك القفزة؛ هو «جوزيف».

المرة الثانية كانت مميتة للأسف، وهذه مع رواد فضاء روسيون. فالرحلة «Soyuz 11» كانت رحلة الموت لروادها الثلاث «جورجي دوبروفولسكي – Georgy Dobrovolsky، وفلاديسلاف فولكوف Vladislav Volkov، وفيكتور باتسييف Viktor Patsayev»، والقصة كالتالي.

في العام 1971، انطلقت الكبسولة «Soyuz 11» لأول محطة فضائية على الإطلاق «Salyut 1». وبعد 3 أسابيع سَلِسَة، انتهت المهمة، وارتقى رواد الفضاء كبسولتهم تمهيدًا للعودة للأرض. وبعد انفصال الكبسولة عن محطة الفضاء، وأثناء تنفيذ إجراءات الدخول لمجال الجاذبية الأرضية وبداية الهبوط، حدث خلل في أجهزة الحفاظ على الضغط والأكسجين داخل الكبسولة.

توقفت الكبسولة عن العمل، وفقدت الضغط على ارتفاع 168 كيلومتر. وعند وصولها للأرض قام فريق الإنقاذ بمحاولة التواصل مع الرواد لكن ما من مجيب، فقاموا بفتح الكبسولة ليجدوا جميع أفراد الفريق موتى!.

كما كان جسد «فيكتور» بجانب جهاز ضبط الضغط المعطل محاولًا إصلاحه، لكنه فقد الوعي قبل أن ينجح في ذلك. هذا فيديو يوضح محاولات رجال الإسعاف إنعاش رواد الفضاء، لكن بعد فوات الأوان.

حادثة «Soyuz 11» هي الحادثة الوحيدة في تاريخ غزو الفضاء التي توفي فيها بشر خارج الأرض. ومن بعدها قررت وكالات الفضاء أن يرتدي رواد الفضاء حُلتهم الفضائية كاملة طوال عمليات الإقلاع والهبوط؛ تفاديًا لحوادث جديدة مماثلة.

السفر للفضاء ليس نزهة، ويحتاج الكثير من الجهد والعمل والدعم والتركيز، ولا مجال فيه للارتجال أو التراخي. هذا ما يثبته لنا المجهود الذي يبذله العلماء في ناسا، ووكالة الفضاء الروسية والأوروبية، ومع كل هذا المجهود لا يمكن للأسف تلافي بعض الحوادث المؤسفة.