محتوى مترجم
المصدر
Open Democracy
التاريخ
2018/07/12
الكاتب
غراهام جونز
إننا بحاجة إلى بناء نوع من التواصل الاجتماعي يتيح لنا بناء الهويات الجمعية التي ننشدها.

العام 2011، ذروة زخم الربيع العربي وحركة «احتلوا»، وقتها لم يكن أحد ليتكلم بالسوء عن وسائل التواصل الاجتماعي، وبالأحرى كان يُشار إليها بقدر من الإعزاز بوصفها الخادم الأمين لشكل ناشئ جديد من الديمقراطية.

أما اليوم، فقد صارت سمعتها موحلة؛ فمن استدعاء «مارك زوكربرج» لاستجوابه حول فضيحة بيع بيانات لشركة «كامبريدج أناليتيكا»، إلى دفع شركة «فيس بوك» غرامة قدرها نصف مليون جنيه إسترليني في المملكة المتحدة، إلى فشل «تويتر» في اتخاذ إجراءات ضد حسابات النازيين متصاعدة الشعبية، أمسى هنالك شعور متزايد بأن بنية وآليات وسائل التواصل الاجتماعي عامل رئيسي في الموقف السياسي الراهن، الغارق في الاستقطاب والفوضوية.

وفي خضم البحث عن حلول، ثمة اقتراح يلقى استحسانًا متزايدًا، وهو النأي بالنفس كليًا عن وسائل التواصل الاجتماعي وقطع الصلة بها، ومن ذلك كتاب «عشرة مسوغات لإغلاق حساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي فورًا» لمؤلفه «جارون لانيير»، الذي، بغض النظر عن ضحالة تقديمه لعلم النفس الاجتماعي، يطرح تحليلات ذكية يسهل التأكد من صحتها بشأن مساوئ وسائل التواصل الاجتماعي، واصفًا إياها على نحو هزلي بـ«المصيبة»، ذلك أن «سلوك المستخدمين يتبدل ويتحول إلى إمبراطورية للإيجار».

ويجادل «لانيير» بأن وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من مجرد وسيلة للتراكم الرأسمالي؛ فنحن نؤدي من خلالها دورًا مزدوجًا، باعتبارنا منتَجها النهائي (إذ تُباع بياناتنا للمعلنين) والعاملين لديها بالسخرة (إذ ننتج نحن تلك البيانات عبر تفاعلاتنا) في آن. بيد أن ما يفشل فيه المؤلف هو تبرير موضوع الكتاب الأساسي: النأي بالنفس كحل.

لا يحدث التحول الاجتماعي دون عمل جماعي، سواء كان وصول حزب إلى السلطة لإنفاذ إصلاحات وطنية، أو حشد الاتحادات التجارية للعمال في مواجهة أصحاب الأعمال، أو شن حملة شعبية لانتزاع تنازلات من المنتجين تحت ضغط المستهلكين.

وفي شأن المسائل التنظيمية هذه، يدرك نشطاء اليوم مدى فعالية وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تتيح –حال استخدامها على النحو الصحيح– الوصول إلى أفراد حديثي التسيُّس وحشدهم من أجل خطوات صغيرة، ومد الجسور بين أناس ما كانوا ليتواصلوا لولا وسائل التواصل تلك، فضلًا عن كونها أداة أساسية لتداول الأخبار بسرعة، والاستجابة لوقائع متغيرة.

ولئن كان ممكنًا تفهُّم دوافع الهرب من وسائل التواصل الاجتماعي، فإن خسارة أداة مهمة للحشد والتنظيم كهذه ستجعل من إحداث التغيير مهمة أصعب، نتيجة لما يشير إليه «إريك أولين رايت» باستخفاف بوصفه «منطق الفرار».

لقد بنيت على تحليلاته في كتابي المعنون «عقيدة الصدمة عند اليسار». لكن عوضًا عن استخدام مصطلح «الفرار»، أعدت تأطير هذه المحاولات باعتبارها محاولات «للتعافي»، وتساءلت عن كيفية إبقاء الارتباط بين المستخدمين ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما يشاركون في حركة اجتماعية. وإذا وضعنا ذلك بجانب الأطروحات البديلة مثل سحق الأعداء وبناء البدائل وتدجين الدولة للمواطنين، أمكننا تحليل كيفية تفاعل المستخدمين لخلق حركة واسعة.

إن «التعافي» كمنطق للتحول الاجتماعي يتيح لنا مزج المخاوف المحيطة بوسائل التواصل الاجتماعي مع المناقشات حول الرعاية والصدمة والتداخل، بما يبين مدى أهمية أخذ الجسد البشري في الحسبان عند التنظيم وفي رؤيتنا للعالم الذي ننشد بناءه. وبالرغم من فوائدها، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تضر الوعي السياسي الجمعي من طرق أخرى، ومن المحتم فهم ذلك قبل التفكير في بدائل أخرى.


العقل على الإنترنت

إننا ذوات جمعية؛ فأنا مثلًا لست مجرد مخ داخل جسد، وإنما عقل مجسد معقد مستقل؛ عقل مُضَمّن في بيئة اجتماعية ثقافية؛ عقل يتصل بالبيئة الطبيعية المحيطة عبر الأدوات واللغة، ويتعلم بالتحرك والفعل داخل هذه البيئة، فذواتنا هي صنيعة تلك التفاعلات في دواخلنا وبين بعضنا البعض.

وعلى عكس فهمنا الراهن لمفهوم «التواصل الاجتماعي»، فإن جوهره يهاجم الترابط المعرفي؛ فنحن نلج إلى منصات التواصل الاجتماعي فرادى وكيانات بلا أجساد، ومنقطعي الصلة ببعضنا البعض، ونلتقي فقط عبر وسيلة تواصل اجتماعي لا نتمتع بأي تحكم ديقراطي بها. إننا نتصل بالآخرين لكن لا ندري شيئًا عن خلفياتهم –وكل منا يطالع نتائج تظهر أمامه خصيصًا بفضل الخوارزميات– ولذا لا نستطيع رؤية العالم الذي يعيشون فيه.

في وسائل التواصل الاجتماعي، يتم تبسيط واختزال روابطنا العاطفية؛ فوسائل التواصل تلك تفتقر إلى ردود الفعل المستمرة والمعقدة المصاحبة للتفاعلات الحقيقية وجهًا لوجه، وهنالك فقط التفاعلات الثئائية مثل تسجيل الإعجاب (Like) والقيود الخطية للنص وعشوائية الميمات.

وهذا الاختزال يفاقم سوء الفهم، ويسلبنا التفاصيل الدقيقة لردود الفعل البشرية، تلك التفاصيل الضرورية لإضفاء المرونة على علاقاتنا ومجتمعاتنا ومنظماتنا في أوقات الأزمات العاطفية.

هكذا تنخلق بيئة افتراضية تعفينا من التفاعل في البيئة الطبيعية؛ فما قُصد به أن يسهل التواصل الطبيعي بين الناس في العالم الحقيقي أصبح بديلًا عنه، وهو ما ينطوي على خطر تعقيد أزمة صحتنا النفسية المتفاقمة. كل ذلك مجتمعًا لا يترك هامشًا كبيرًا للحركة من أجل تغيير بنى السلطة في العالم الحقيقي، سواء على المستوى المحلي أم الوطني أم العالمي.


«المكدس» والدولة والسوق

لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي تسهم في تغذية هذه المشاكل، لكن من الظلم إلقاء اللوم كله عليها.

أصبحت هذه الخصائص ممكنة بفضل كيفية تعامل المكدس معنا باعتبارنا مستخدم واحد (والمكدس مصطلح من نحت بنجامين براتون للإشارة إلى البنية الهائلة للإنترنت، من المنصات السحابية إلى الواجهات المادية والبنية التحتية للمدن). يشبه ذلك سلوك الدولة في مخاطبتنا كمواطن واحد، أو سلوك السوق في معاملتنا كعامل أو كمستهلك.

يخلق كل مجال من هؤلاء إطارًا جامدًا ينطوي على مجموعة محددة من الإمكانيات: حالة الهجرة وعقد التوظيف والحساب المصرفي، وكل منها يقيد حقوق الرعايا ومسئولياتهم وحركتهم وقدرتهم على الفعل. في أحد أواخر حواراته، شرح «مارك فيشر» كيف جعلت وسائل الإعلام التي تُبث داخل منازل الناس –وحاليًا عبر الهواتف الذكية– هذا النوع من الانفرادية ممكن، بحسث تآكل المجال العام الذي عرفناه في ظل النيوليبرالية.

لقد لاحظت مؤخرًا، عندما انتشرت نغمة انتقاد تحديق الناس في هواتفهم طيلة الوقت في الأماكن العامة، أن الرد الشائع هو عرض صور قديمة لأشخاص يحدقون في الصحف، وكأنهم يقولون:

لكن مكمن الخطأ هنا أن هذه المقارنة لا تدفع عن وسائل التواصل الاجتماعي تهمة الانفرادية، لكنها فقط تبين كيف فعلت وسائل الإعلام القديمة ذلك بدورها.

وإلى جانب تلك الحالة العامة من الانفرادية، فإن التدمير الرأسمالي للعواطف يمكن ملاحظته في تاريخ تحديد حدود الدولة والإمبريالية. فآليات ثنائية «نحن مقابل هم» في الممارسات الحدودية المعاصرة هي ظاهرة يمتد عمرها إلى بضعة قرون، وقد كانت ترتكز على خطابات تحط من قدر الإنسان، مثل العنصرية والاستشراق والقومية، التي تنبذ الآخر الأجنبي. وفي مواجهة تلك القوى التي تعيد إنتاج الدولة بإطراد، لم يتحقق الوعد الطوباوي للإنترنت بخلق مجتمع عالمي، ولا مجال للحديث عن حتمية تحقق هذا الوعد.

وفي غياب تلك الهويات العالمية (ومع ترسيخ ورعاية وجود الهويات المحلية حتى بطريق العنف)، ودون وجود مجال عام نشط يمكن التحرك داخله وشعور بالقدرة على الإقدام على هذه الأفعال، لا يغدو بوسعنا ممارسة أو حتى تخيل إمكاناتنا، سواء محليًا أم عالميًا. أضف إلى ذلك التعقيد المتزايد للمجتمع –دون الاتفاق على أطر عقلية لفهمه– وذلك المزيج من التعجيز والتراخي المستمرين، حتى في مواجهة قوى اجتماعية مرعبة.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي ليست سوى جانب واحد من هذا؛ مسار طوره مجتمعنا قبل فترة طويلة من ظهور «فيس بوك» و«تويتر». وإذا كنا، على غرار «لانيير»، نرفض الكيفية التي تقيد بها وسائل التواصل الاجتماعي حريتنا وتفسد تصورنا عن العالم، فيجب أن نكون مستعدين لتحليل المنظومات الأخرى المحيطة بنا عبر المنظور ذاته.


عالم أفضل

حسن، كان هذا يحدث من قبل.

إذا أردنا أن نمكن الناس من الإقدام على عمل ما لتغيير المجتمع، فإننا لا نحتاج إلى نقد منهجي للماضي فحسب، وإنما إلى نظرة واقعية للمستقبل أيضًا، واستراتيجية للانتقال. لا أريد أن أرسم مخططًا جامدًا للمستقبل، لكن أعتقد أن هناك متطلبات معينة وعمل جماعي لابد من خوضه:

1. إننا بحاجة إلى وسائل للتواصل الاجتماعي يمكن للأفراد والجماعات من خلالها التمتع بقدرة حقيقية على تشكيل محيطهم الرقمي، بما في ذلك التحكم الديمقراطي، والملكية التعاونية للعمال والمستخدمين، وإتاحة وشفافية كاملتين للخوارزميات. هذه طرق يمكن من خلالها ترويض النموذج القائم وإصلاحه عبر الضغط الآتي من الدولة ومن الحركات الاجتماعية المستقلة معًا.

2. إننا بحاجة إلى فضاء رقمي جديد يعزز التشابك مع العالم الحقيقي، حيث لا تُستغل البيانات الضخمة لتسويق وبيع الأشياء لنا، وإنما لتقريب الناس إلى بعضهم في العالم الحقيقي عبر الاحتياجات والمصالح المشتركة، من أجل بناء اقتصادات اجتماعية جديدة بعيدًا عن النموذج الرأسمالي، وحيث يُستخدم الواقع المعزز لنقل سهولة التنقل في وسائل التواصل الاجتماعي إلى العالم الحقيقي، ونقل التفاعلات العاطفية في العالم الحقيقي إلى فضاء الإنترنت في الوقت ذاته. إننا نبني هاهنا نموذجًا جديدًا نأمل أن يزدهر، لعله يغدو ذات يوم النموذج السائد.

3. إننا بحاجة إلى ممارسات جديدة مجسدة ورعاية جماعية وسيادة ذاتية، في مواجهة العواطف المهملة في عالمنا المتسارع. يجب أيضًا أن نقوض أثر النيوليبرالية على التشكل النفسي، الناجم عن الادعاء أننا مجرد أفراد وأن جوهر الحياة هو التنافس، وأنه ليس بالإمكان أبدع مما كان. من هنا أسسنا مؤسسة لندن للوعي الراديكالي، من أجل استكشاف طرق جديدة لزيادة الوعي بمشاكلنا الاجتماعية متعددة الأوجه. هذا منطق علاجي.

وإذا ما ساءت الأمور ولم تسر في الاتجاه الذي ننشده، احتلوا مقار أكبر شركات وسائل التواصل الاجتماعي، وعطلوا مراكز البيانات، ونظموا إضرابات للعاملين إلى أن يتحقق التغيير. هذا هو منطق السحق الذي يجب أن ينتصر.

إن الاستقطاب والفوضوية السائدين مؤخرًا قد يكونا من دواعي الحسرة، كما يفعل «لانيير»، لكنهما أيضًا يفتحان الطريق لإمكانيات أخرى؛ إنه يخلق مساحة لتجربة مختلف المؤسسات والممارسات وأشكال الوعي اللازمة للدخول في علاقات الرعاية والتجارب المشتركة التي نرغب فيها.