إيران «تئن»، فالاقتصادحديث الساعة، ومراكز الشرطة تسجل شكاوى غريبة، منها نبش القبور وسرقة الجثامين، وفي الحواري والأزقة أرقام وعناوين المتبرعين بالكلى والأعضاء البشرية، فيما عجّت الشوارع بالمتسولين، واحتضنت القبور الأحياء والأموات معًا.وتعتبر طهران ثاني أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط بعد السعودية، حيث يُقدر الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016 بما قيمته 412.2 مليار دولار أمريكي، كما أن لديها ثاني أكبر عدد سكان في المنطقة بعد مصر. وثمة حالة من التفاؤل صاحبت وصول حسن روحاني إلى رأس السلطة في إيران منتصف 2013، خاصة أنه يمثل التيار الإصلاحي، وكونه خليفة لواحد من أشد صقور تيار المحافظين الرئيس السابق أحمدي نجاد، كما أن الرئيس جاء حاملًا وعودًا معسولة بتحسن الوضع الاقتصادي مما لاقى رواجًا كبيرًا.وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فبعد مرور أربع سنوات على إدارة روحاني وتجديد فترة ولايته لمرة ثانية، تآكلت الطبقة الوسطى، وزاد معدل الجريمة، فيما لم تعد إيران قادرة على إنكار الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعصف بالبلاد.


ما بعد الاتفاق النووي: «حبر على ورق»

رفع الحظر حبر على الورق لا قيمة له.

هكذا وصف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي رفع العقوبات الأمريكية عن الاقتصاد الإيراني، فبعد اتفاق وُصِف بـ «التاريخي» في 16 يناير/كانون الثاني 2016، والذي قضى برفع العقوبات الاقتصادية الغربية عن إيران، حاول الاقتصاد الخروج من عزلة دولية ومشكلات هيكلية استمرت لسنوات منذ فرض الحظر التجاري الأمريكي عليه في نهاية التسعينات، والعقوبات الدولية والغربية منذ عام 2006 والتي جرى تغليظها في 2012.

عزا مراقبون غياب أثر رفع العقوبات الغربية على الاقتصاد الإيراني، إلى انتقال ثمار ذلك القرار لطبقات معينة قريبة من السلطة.

وفي تصريحه لـ«الشرق الأوسط» قال الباحث بمركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية، أحمد فاروق: «لا توجد مؤشرات ملموسة تشير إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية بعد رفع العقوبات الدولية عن إيران، فالأموال التي كانت محتجزة لم يتم ضخها إلى الأسواق بشكل مؤثر».وسمح الرفع الجزئي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران عقب الاتفاق النووي بعقد العديد من الصفقات بشأن تحديث خطوط إنتاجها في قطاع الصناعة، وإبرام العديد من الاتفاقيات، وتحديث البنية الأساسية.وعزا مراقبون غياب ذلك الأثر لرفع العقوبات الغربية على الاقتصاد الإيراني، إلى انتقال ثمار ذلك القرار لطبقات قريبة من السلطة، كما أن المماطلة الأمريكية في تحرير الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، وعرقلة التعاملات المصرفية الإيرانية، شكّلت عائقًا أمام الاستثمارات الأجنبية.ولا يزال الاقتصاد الإيراني يواجه عزوف الشركات الكبرى عن الاستثمار هناك، واستمرار تجميد الأرصدة الإيرانية في البنوك الأجنبية والتي تصل حسب تقديرات إلى 120 مليار دولار، والمشكلة تتفاقم أكثر بسبب اعتماد طهران على الاستثمارات الأجنبية المباشرة؛ ما يضعها في موقف ضعيف بسبب الامتثال لشروط المؤسسات الغربية.وعلى صعيد سياسة الإدارة العامة للبلاد، أعلن الرئيس روحاني بعد وصوله للسلطة، أنه استلم الخزانة من سلفه «فارغة» وكان التضخم حينها يقارب 40%؛ ولمواجهة هذا الوضع اتبع السياسة النقدية الانكماشية، وبناء عليها قامت الحكومة بتخفيض المعروض النقدي، والحد من القروض لاستقرار سعر صرف العملة الوطنية.


نظرة على الواقع الاقتصادي الإيراني

يتميز الاقتصاد الإيراني بقطاعات الهيدروكربونات والزراعة والخدمات، وحضور الدولة الملحوظ في قطاعي الصناعة التحويلية والخدمات المالية، وتحتل إيران المرتبة الثانية في العالم في احتياطيات الغاز الطبيعي والرابع في احتياطيات النفط الخام.وكان البنك المركزي الإيراني قد كشف عام 2016 أن هناك 47 مليون إيراني من بين 70 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر؛ أي أقل من أربعة دولارات أمريكية في اليوم.ومن جانبه، رسم وزير الصناعة الإيراني محمد رضا نعمت زاده، صورة قاتمة للوضع الاقتصادي والاجتماعي في إيران أمام مجلس النواب، وقال إن نقص الاستثمارات أدى إلى «كارثة في القطاع الصناعي». ويعمل النظام الإيراني على زيادة أسعار المنتجات الغذائية، ما يؤدي إلى مضاعفة الصعاب على حياة المواطن الإيراني. وعن ارتفاعات الأسعار، علق موقع حبرستان الإيراني، بالقول:

أسعار السلع المختلفة ارتفعت بشكل ملحوظ، في حين أن الزيادات السنوية في الرواتب تساوي قيمة بضعة كيلوغرامات من الفواكه.

قطاع النفط

اقتصاد إيران لا يزال يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط والغاز في إيراداتها العامة؛ لذا فهو عرضة لخطر تأرجح الأسعار العالمية، الأمر الذي جعله يختنق بتبخر أسعار النفط، ما دفع خبراء للقول بأن «هبوط أسعار النفط أخطر من العقوبات الدولية».وتزامن رفع العقوبات الدولية عن إيران مع وصول أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، حيث وصل سعر برميل النفط إلى 29 دولارًا للبرميل في منتصف يناير/كانون الثاني 2016، بعد أن كان يقدر بنحو 112 دولارًا للبرميل منذ عامين تقريبًا.وتُشير تقارير صندوق النقد الدولي، إلى أن إيران تحتاج لأسعار نفط تفوق 125 دولارًا للبرميل، لإحداث تعادل في موازناتها، في وقت يتم تداول النفط دون مستوى 50 دولارًا للبرميل. ولأن السبب الظاهر في تهاوي أسعار النفط عالمي، هو تخمة المعروض، فقد أصرّت إيران ومعها روسيا، على ضرورة خفض الإنتاج النفطي بغية رفع الأسعار، ولكن بقية الدول في منظمة أوبك وعلى رأسها السعودية قررت في اجتماعها بجنيف خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2015، إبقاء الإنتاج النفطي عند مستوياته السابقة دون خفض، وهو ما اعتبرته طهران «بداية حرب سياسية جديدة».

البطالة

البطالة وانعدام فرص العمل مرض مستشرٍ وسط الشباب الإيرانيين؛ بسبب عدم تمكن الحكومات المتعاقبة من خلق هذه الفرص، وذلك عكس الرؤية العشرينية الممتدة من (2005ـ-2025) والتي بموجبها يتعين على الحكومات إيجاد 600 ألف فرص عمل سنويًا، الأمر الذي لم يتحقق.ويبلغ معدل البطالة في إيران في العام المالي الماضي (المنتهي في مارس/آذار 2017) 12.4%، مسجلاً ارتفاعًا بنسبة 1.4% عن العام السابق، وفقًا لمركز الإحصاء الإيراني.و تشير التقارير إلى أن هناك 3.2 مليون عاطل في إيران، منهم 2.19 مليون من الرجال، و1.01 مليون من النساء، بينما يبلغ معدل البطالة لدى الفئات العمرية التي تتراوح بين 15 و29 عامًا 25.9%.وتعاني المدن العربية بدرجة أكبر من مشكلة البطالة، وتتركز أعلى معدلاتها في مدن الأحواز جنوبي إيران، بالرغم من أنها أغنى مناطق البلاد في الثروة النفطية، فيما يحذر محللون من تبعات الضغط الاقتصادي على مدن الأحواز في إمكانية أن يولد انفجارًا شعبيًا في وجه الحكومة.

أزمة السكن

قطاع الإسكان يمثل شريان الاقتصاد في طهران، ويعتبر فشل القطاع مرادفًا لانهيار الاقتصاد الإيراني كله.
موقع «فينانشيال تريبيون»

يمثل قطاع السكن حصة كبيرة من نفقات سكان المدن، وفي السنوات الأخيرة الماضية ارتفعت تكاليف السكن مقارنة بالمصاريف الأخرى، وأدى الركود في قطاع السكن، المصحوب بتراجع القوة الشرائية للأسر الإيرانية، إلى ارتفاع الطلب على الإيجارات. وفي العام 2016، كان ثلث الإيرانيين يقيم في ملكيّات مستأجرة، وتقدّر غرفة التجارة والصناعة الإيرانية أن الإيجار يمثل 70% من النفقات السكنية للعائلة الإيرانية العادية.وعلى الرغم من الطلب المتزايد على الأملاك المستأجرة، ارتفع عدد المنازل الفارغة في إيران. فبحسب إعلان مركز الإحصاء الإيراني، العام الماضي، أن ملكية واحدة من بين عشر ملكيات سكنية في البلد غير مأهولة. ويعتقد اقتصاديون أنه من المستبعد أن ينهض قطاع السكن في إيران من كبوته قريبًا، بعد أن كان محركًا للاقتصاد المحلي.

مخاطر المياه

يعتبر خطر الجفاف واحدًا من أكبر التحديات الطويلة الأجل التي تواجهها إيران، وعلى الرغم من أن هذه مسألة داخلية، فإنها ستكون لها عواقب على إستراتيجية إيران وسلوكها الطويل الأجل في المنطقة.وتنطلق أجهزة الإنذار في جميع أنحاء إيران بشأن تأثير الجفاف، من بينها التحذير الذي أطلقه الدكتور عيسى كالانتارى مستشار الرئيس لشئون المياه والزراعة، قائلًا: «في حالة استمرار الوضع الراهن فيما يتعلق بالجفاف في إيران، يمكن إجبار حوالي 70% من مجموع سكان إيران؛ أي ما يعادل 50 مليون نسمة، على الهجرة إلى الخارج للبقاء على قيد الحياة».

الفساد الإداري

الكثير من الفساد الأخلاقي في البلاد ناتج عن دخول المال القذر إلى الحياة السياسية.
وزير الداخلية الإيراني، عبد الرضا فضلي

اتبعت الحكومة الإيرانية نهجًا توسعيًا في الصناعات الحربية والتدخلات العسكرية ما كبدها تكاليف اقتصادية عالية، ونظرًا لافتقاد الاقتصاد الإيراني للشفافية فيما يتعلق بالبيانات الاقتصادية، غابت البيانات الحقيقة للنفقات في ظل اشتعال أتون الحرب والصراع في كل من سوريا واليمن والعراق ولبنان.وكان المفتش العام لمكتب المرشد علي خامنئي، أعلن أن قيمة السلع التي يتم تهريبها إلى البلاد كل عام تقدر بنحو15 مليار دولار، في حين عهد نائب الرئيس إسحاق جاهانغيري إلى وزارة الشئون الاقتصادية والمالية، باعتبار مكافحة الفساد من بين 14 مشروعًا ذا أولوية، بالعام المالي الحالي. ويعتبر إصدار تراخيص للنشاط الاقتصادي عقبة رئيسية أخرى أمام التشغيل الفعال للقطاع الخاص، كما يشكل مصدرًا للفساد في إيران؛ حيث تستخدم السلطات عملية الترخيص للضغط على القطاع الخاص. وعلاوة على ذلك، تحد معدلات الفائدة المرتفعة والمحسوبية من حصول شركات القطاع الخاص على التمويل من الحكومة.


تجارة الأعضاء: الجريمة الصامتة

منذ الأيام الأولى لحكمه، كان النظام الإيراني يزيد الضغط الاقتصادي على الشعب، وخاصة الطبقة الدنيا والأكثر حرمانًا، في مقابل التوسع في تمويل الحرس الثوري والجماعات المسلحة الإقليمية الموالية لطهران، وكانت نتيجة هذه الممارسةانتشار العديد من الإيرانيين الراغبين في بيع الكلى والأعضاء البشرية، حيث «تحولت الأجساد إلى سلع»، بحسب الناشط حشمت علاوي في مقال له على موقع فوربس الشرق الأوسط.ويُعتبر التبرع بالكلى عملاً قانونيًا في إيران وتنظم الحكومة تنفيذه، حيث يسمح القانون بذلك مقابل توفير الحكومة منحة تقدر بنحو 300 جنيه إسترليني لتشجيع المتبرعين، كحل للأزمات الاقتصادية الخانقة.ووفقًا لتصريحات مصطفى قاسمي، رئيس جمعية حماية مرضى الكلى، فإن مقابل كل مريض في انتظار زرع الكلية يوجد على الأقل أربعة أشخاص مقدمين كلاهم للبيع.وتعد طهران الدولة الوحيدة في العالم التي تُشرّع عملية بيع الكلى للمرضى، فيما تقول السلطات الإيرانية إن التبرع بالأعضاء يتم تحت أنظار «جمعية حماية مرضى الكلى» التي تنظم هذه العملية بين المتبرع والمتلقي، الأمر الذي يفتح الباب واسعًا لجرائم الاتجار بالبشر. ففي تقرير أصدرته الخارجية الأمريكية عام 2016، احتلت إيران المرتبة الأولى عالميًا في الاتجار بالبشر.


إيران 2018: انتكاسات قادمة

في طهران وحدها، التبرع بالكلى عملٌ شرعي ينظمه القانون، والأجساد تتحول لمورد مالي، وسط أزمة اقتصادية تعصف بالشعب الإيراني.

على الرغم من الأداء الاقتصادي للرئيس روحاني جيد مقارنةً بالإدارة السابقة للبلاد، إلا أن هناك مخاطر كبيرة تسلط الضوء على التوقعات الاقتصادية لعام 2018، بما في ذلك استعادة العقوبات الاقتصادية وتصاعد التوترات الجيوسياسية.ويشير خبراء أن إيران لم تحقق أهدافها الاقتصادية المنشودة منذ الاتفاق النووي، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتبره «الأسوأ على الإطلاق» وتعهد بإلغائه أو إعادة التفاوض بشأنه.سياسات الرئيس ترامب تمثل تهديدًا للاقتصاد الإيراني، حيث تسعى الإدارة الأمريكية إلى تشديد العقوبات الاقتصادية على طهران بعدما أقر البيت الأبيض عقوبات على 12 مؤسسة إيرانية، وهو ما أنعش الأسواق السوداء في إيران مجددًا وهدد بعودة شبح العقوبات من جديد. وفي حال عودة العقوبات الاقتصادية على الاقتصاد الإيراني فالمتوقع أن تفقد البلاد القدرة على توفير العملة الصعبة، وبالتالي تتعرض العملة المحلية للانهيار، ويحمل هذا بين طياته المزيد من الأعباء التضخمية التي سيتحملها المواطن.وتمثل خطوة انضمام إيران لمنظمة التجارة العالمية واحدة من التطلعات التي تسعى إليها إدارة روحاني، وكانت الحكومات السابقة أنجزت العديد من الخطوات بما يمكّن من انضمام إيران للمنظمة، ولكن اعتراض واشنطن يمثّل تحديًا أمام تطلع طهران لإنجاز عضوية منظمة التجارة العالمية.وإجمالًا، يعتبر التحدي طويل الأجل الذي تواجهه إيران هو اقتصادها، فبالرغم من أن العالم يحاول تقليص اعتماده على النفط، يشكل الوقود الحفري أكبر صادرات إيران. وفي الوقت نفسه، لا يزال الاقتصاد الإيراني يعاني من الفساد الهائل وسوء الإدارة، بينما هيكل الحكومة الإيرانية لا يفضي إلى نمو القطاع الخاص،وهي مشكلة من غير المحتمل حلها في المستقبل القريب، وفي كل الأحوال تبقى سياسات ترامب أكبر شبح يواجه طهران ويضع الشعب الإيراني على صفيح ساخن.