لقد كانت مظاهر الحياة في عصر الخلافة العباسية آخذة نحو النضوج والظهور والاكتمال، بل والإضافة -أيضًا- في كافة ميادين الحياة، حتى كانت بغداد واسطة عقد الأرض، وعاصمة الحضارة الإنسانية في وقتها، واستمرت على ذلك عدة قرون لا يُنازعها منازع، ولا يجاريها مجارٍ، حتى بدأت تظهر في الأفق القاهرة وقرطبة وسمرقند ومراكش والقيروان وتونس، وغيرها من منارات العالم الإسلامي وقتها.

ومن جملة الإضافات التي ظهرت معالمها في ذلك الزمن، وكانت شاهدة على تطور النظام التربوي والتعليمي والتثقيفي في هذه الخلافة، ظهور المدارس العامة والموقوفة، التي كانت بمثابة كليات وجامعات متخصصة في وقتها، أشرفت المؤسسة السياسية على بعضها، وكانت بلا شك أفضلها وأجملها وأشهرها مجموعة المدارس النظامية التي أنشأها نظام الملك السلجوقي، وتم افتتاحها عام (459هـ) في بغداد بعد عامين من العمل في إنشائها[1]، وظهرت فروع أخرى للمدارس النظامية في نيسابور وأصفهان وغيرها، ومن اللافت أن غالبية المدارس والجامعات في الحضارة الإسلامية كانت مدارس أهلية خيرية، يقوم بإنشائها الأمراء والأغنياء، وحتى أصحاب المكانة الاجتماعية المتوسطة رغبةً في الخير والبر وانتشار الثقافة والعلم بين الناس، ما يعني أن الأمة المسلمة منذ فترة مبكرة كانت حريصة على قيادة ذاتها علميًا وثقافيًا دونما ارتباط فوقي من سلطة مؤثرة على مجرى هذه المحاضن العلمية.

لقد كان يُنفق على طلاب العلم من كل حدب وصوب في هذه المحاضن العلمية من خلال النظام الوقفي؛ وهو نظام عبقري – سبق أن تناولناه بالحديث – وهو تمويل الأمة لذاتها ومشروعتها بديمومة واستمرارية، وهو يُعَدُّ إضافة كبرى من إضافات الحضارة الإسلامية – ويعني «تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة» أي: حبس أصول الأموال الثابتة أو المنقولة والاستفادة من ريعها وأرباحها للإنفاق على هذه المؤسسات التربوية- كان أحد الحلول الاقتصادية والاجتماعية العبقرية التي سنها النبي (صلى الله عليه وسلم)، وجاء بها التشريع الحكيم رحمة ورأفة وخدمة لأوليائه وأنصاره.

وانطلاقًا من هذا البر -الذي أُريد له أن يُستثمر ويُنمى في كلِّ ما من شأنه الديمومة والاستمرارية لأجل خيري الدنيا والآخرة- حرص كثير من الواقفين على وقف أموالهم وحبسها في إنشاء المؤسسات التعليمية وعلى رأسها المدارس، وهنا ظهر الإبداع، وانتشرت سوق العلم، وتسنمت الحضارة الإسلامية ذروة سامقة، ومكانة عالية فلم يتمتع طلاب العلم بهذا الخير العميم في أي أمة مثلما تمتع به أبناء الحضارة الإسلامية؛ فالمدارس منتشرة في أصقاع البلدان الإسلامية، وهي مدارس مجانية، بل كثير منها يُنفِق على الطلاب، وإن محاولة لاستقصاء كَمِّ هذه المدارس، أو كَمِّ تنوعاتها العلمية والتعليمية لمما يُعجز الباحثين حقًّا، فهذا أبو حاتم البستي محمد بن حبان (ت354هـ) عالم الحديث والرجال يقول عن وقْفِه أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت404هـ):

إن داره وُقِفَت مدرسة لأصحابه، ومسكن للغرباء التي يقيمون بها من أهل الحديث والمتفقهة، ولهم جرايات يستنفقونها من داره، وفيها خزانة كتبه في يدي وصي سلَّمها إليه؛ ليبذلها لمَنْ يُريد نسخ شيء منها في الصفة من غير أن يُخرجه منها. شكر الله له عنايته في تصنيفها، وأحسن مثوبته على جميل نيته في أمرها بفضله ورأفته.[2]

وأمثلة ابن حبان من العلماء الذين أوقفوا دورهم أو كتبهم ومؤلفاتهم، وحوَّلوها إلى مدارس للعلم والتربية يستفيد منها أبناء الأمة كثيرون؛ فمنهم أبو بكر البستي أحمد بن محمد (ت429هـ)، قال تقي الدين الصيرفيني عنه:

من كبار فقهاء أصحاب الشافعي، والمدرسين المناظرين بنيسابور، وكانت له المروة الظاهرة، والثروة الوافرة، بنى لأهل العلم مدرسة على باب داره برأس سكة المسيب، ووقف عليها جملة من ماله، وهو معروف بأوقاف أبي بكر بشتيان[3]

وهناك العلامة الخطيب البغدادي أحمد بن علي بن ثابت الذي «تصدَّق بجميع ماله؛ وهو مئتا دينار، فُرِّق ذلك على أصحاب الحديث والفقهاء والفقراء في مرضه، ووصى أن يُتَصَدَّق بجميع ما يخلفه من ثياب وغيرها، وأوقف جميع كتبه على المسلمين» [4]، وأحمد بن علي الأبرادي الحنبلي (ت531هـ) الذي وقف داره بالبدرية شرقي بغداد على الحنابلة[5].

وهذا أحد أعيان بغداد ووكيل الخليفة العباسي المسترشد بالله (ت529هـ) حمزة بن علي بن طلحة الرازي (ت556هـ) يُوقف مدرسة، ويُعيِّن فيها أبا الحسن محمد بن الخل (ت552هـ) مدرسًا للمذهب الشافعي[6]، وكان أحد أعلام الشافعية في بغداد في القرن السادس الهجري، كما يذكر العلامة الذهبي.

وكثير من العلماء الذين استفادوا علميًّا وماديًّا من هذه المدارس والجامعات، كانوا يُنشئون المدارس ويُنفقون عليها من أموالهم؛ فهذا العلامة عبد الوهاب بن عبد الواحد الحنبلي (ت536هـ) يُوقف أكبر مدرسة في زمنه، وهي المدرسة الكبرى، أو المدرسة الشريفية شمالي جامع دمشق[7]، ومثله العلامة ابن الجوزي (ت597هـ) يبني «لنفسه مدرسة بدرب دينار ببغداد، ويُوقف عليها كتبه»[8]، وهذا العلامة الفخر محمد بن الخضر بن تيمية (ت622هـ) -جدُّ شيخ الإسلام ابن تيمية- يُنْشِئ مدرسة بحرَّان (جنوب تركيا الآن)[9].

ولم ينسَ الولاة والأمراء دورهم المهم في إنشاء المدارس ووقف الأوقاف الدارَّة عليها؛ من هؤلاء الأمير العالم نصر بن ناصر الدين أبي منصور سبكتكين الخوارزمي (ت412هـ)؛ فقد «قدم نيسابور واليًا سنة تسعين وثلاثمائة، وسمع المشايخ، وصحب الأئمة واستفاد منهم، وأحسن الولاية، وبنى المدرسة السعيدية، ووقف عليها الأوقاف»[10]، وهذا المجاهد سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي (ت544هـ) يبني مدرسة كبيرة في الموصل، وهي المدرسة الأتابكية العتيقة[11]، قال ابن الأثير: «وهي من أحسن المدارس، وقفها على الفقهاء الحنفية والشافعية»[12].

ومما يُندهش له ويُدلل على مقدار العلوم وأهميتها، ودور الفقهاء وحجمهم في تلك الآونة أن الأمراء والولاة كانوا يُشيِّدون المدارس والكليات خاصة لعلماء بعينهم! فمثلاً تحدث الشيخ ابن السبكي في «طبقات الشافعية» عن العلامة الجويني بأسلوب أدبي راقٍ، وحماسة لا تهجر أسطر ترجمته له، بأسلوب رشيق، وعبارات مدافعة منافحة، تأخذك للتعرف على الإمام الجويني بحب، والحق أن الجويني عبد الملك بن عبد الله بن يوسف (ت487هـ) أحد أعلام عصره على الإطلاق، وهو شيخ الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله، وفي ترجمة ابن السبكي له إفادة كبيرة للتعرف على طرائق التربية والتثقيف والتعليم في ذلك الوقت، ويكفي أنه قد بُنيت الجامعة النظامية في نيسابور ليكون إمامها وشيخها مدة ثلاثين عامًا متصلة، وهذا دليل على مكانة وعظمة تأثير الرجل في كافة الأوساط في عصره.

قال ابن السبكي:

كان (الجويني) يصلُ الليلَ بالنهار في التحصيل، ويبكّر كل يوم قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مسجد أبي عبد الله الخبازي يقرأ عليه القرآن، ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه مع مواظبته على التدريس، وينفق ما ورثه وما كان يدخل له على المتفقهة، ثم اضطر إلى السفر والخروج عن البلد فخرج مع المشايخ إلى بغداد يطوف مع المعسكر ويلتقي بالأكابر من العلماء ويدارسهم ويناظرهم حتى طار ذكره في الأقطار، وشاع ذكره واسمه فملأ الديار، ثم زمزم له الحادي بذكر زمزم وناداه على بعد الديار البيت الحرام فلبى وأحرم وتوجه حاجًا وجاور بمكة أربع سنين يدرس ويفتي ويجتهد في العبادة ونشر العلم حتى شرف به ذلك النادي وأشرقت تلاع ذلك الوادي… ثم عاد إلى نيسابور بعد ولاية السلطان ألب أرسلان وتزين وجه الملك بإشارة نظام الملك (وزيره)[13]

ثم يُكمل ابن السبكي ترجمته، فيتحدث عن قرار إنشاء جامعة نيسابور، الذي جاء رغبة في استثمار والاستفادة من علم الجويني، وقد تناول في ترجمته الحديث عن حلقة علمه ودرسه التي كانت بمثابة ندوة عامة يواظب عليها كل يوم العلماء والطلاب على السواء، وذلك بقوله:

فبُنيت له المدرسة النظّامية بنيسابور، وأُقعد للتدريس فيها، واستقامت أمور الطلبة، وبقي على ذلك قريبًا من ثلاثين سنة غير مُزاحم ولا مدافع، مسلمًا له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس ومجلس التذكير يوم الجمعة والمناظرة، وهُجِرت المجالس من أجله، وانغمر غيره من الفقهاء بعلمه، وكسدت الأسواق في جنبه، ونفق سوق المحققين من خواصه وتلامذته، فظهرت تصانيفه، وحضر درسه الأكابر والجمع العظيم من الطلبة، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحوًا من ثلاثمائة رجل من الأئمة ومن الطلبة، واتفق له من المواظبة على التدريس والمناظرة ما لم يعهد لغيره مع الوجاهة الزائدة في الدنيا.[14]


[1] ابن الجوزي: المنتظم 8/ 246. [2] ابن حبان: المجروحين 1/ 6. [3] الصيرفيني: المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابورص97. [4] ابن عساكر: تاريخ دمشق 5/ 39. [5] برهان الدين بن مفلح: المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد 1/ 144، 145. [6] الذهبي: مختصر تاريخ الدبيثي ص177، والذهبي: سير أعلام النبلاء 20/ 300. [7] سير أعلام النبلاء 20/ 104. [8] ابن رجب: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 485. [9] ابن رجب: ذيل طبقات الحنابلة 4/ 4. [10] تقي الدين الصيرفيني: المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور ص508. [11] الذهبي: سير أعلام النبلاء 20/ 192. [12] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 11/ 138، 139. [13] ابن السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 5/ 170. [14] ابن السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 5/ 171.