ونحن نحتفل، أو بالأحرى ننتحب، بمناسبة قدوم الذكرى الخامسة لثورة يناير، يكون الوقت قياسيّا لحسابات المكاسب والخسائر، كما يكون من المناسب أيضا أن نرجع بظهورنا قليلا للوراء ،لنناقش بعقلانيةٍ بعيدًا عن العواطف والميلودراما، ماذا ربح الجميع أو خسر بعد خمس سنواتٍ من اندلاع المظاهرات الشعبية التي انتهت بتنحي مبارك عن حكم مصر.إذا ما فعلنا ذلك فإن النتيجة الواضحة للعيان هي أنه وبعد خمس سنوات من الأفراح والأتراح، الصعود والهبوط، فقد أعادت مصر السلطة محاولة تأسيس نفسها ونجحت في هزيمة كل الفاعلين السياسيين الذين عبّروا عن الثورة؛ الإسلاميين، وغير الإسلامين، وغير المؤدلجين بشكلٍ عام. انهارت جماعة الإخوان المسلمين بعد فشل مساعيها في الاستئثار بالسلطة وإرث تركة مبارك، كما تفككت كل الحركات الثورية التي دعت للتغيير قبل ٢٠١١، الجمعية الوطنية للتغيير، ٦ إبريل، كفاية..إلخ، كما تم التغرير بالأحزاب والشبكات الليبرالية والشخصيات الانتهازية الساذجة، التي اعتقدت أنه من الممكن استلام السلطة من المؤسسة العسكرية في ٣ يوليو ٢٠١٣ بعد التخلص من الإخوان بالتدخل العسكري. هنا يكون السؤال التقليدي: وماذا بعد؟هناك سيناريوهان كبيران، الأول يقول أننا بصدد إعادة تشكيل نظام مبارك مرة أخرى والذي ربما سيقودنا إلى مرحلة أسوأ في سلطويّتها وقمعها من العهد المباركي، بينما يقول الثاني بأننا سننتصر. هناك مؤشرات عديدة تؤيد بالفعل سيناريو عودة ما هو أسوأ من مبارك؛ فعلى كل المؤشرات الديموقراطية والحقوقية، تراجعت مصر كثيرًا عن عصر مبارك في الحريات العامة والتعددية السياسية، لدرجة أن الشكلية التي كانت تميز هذه الأخيرة في عهد مبارك قد اختفت تماما الآن!. أما السيناريو الثاني فلا يوجد ما يعضده سوى مجموعة أحلام وردية ومثاليّات أخلاقية يحركها الإيمان بأسطورة انتصار الخير على الشر كما في القصص التاريخية الملحميّة، وهو حلم مشروعٌ قطعًا؛ لكنه سيظل حلمًا لأن أبسط التساؤلات المطروحة مثل: من نحن تحديدا الذين سننتصر؟ سنفشل جميعًا فى الإجابة عليه، كما أن معنى الانتصار نفسه أصبح مختلفًا عليه، هل هو عودة مرسي كممثلٍ للشرعية المزعومة؟ أم انتصار القوى الليبرالية ومشروعها التحرّري التقدميّ؟ أو الثأر ممن ظلمونا؟ أم إنهاء تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة؟ أم هو خليط من كل ذلك؟الحقيقة أن كلا السيناريوهيْن مستبعد، فلن تعود سلطوية مبارك؛ ولكننا أيضا لن ننتصر. مصر مؤهلة للدخول في مرحلة قد تستمر لعقدٍ أو لاثنين، يمكن أن نطلق عليها (السلطوية البائسة) التي ستنتج (مصر المحدودة). علينا أن نتوقع أن الفترة بين ٢٠١٦ و ٢٠٣٠ ستكون فترة اللا كاسب واللا خاسر؛ لن ينجح الدولاتيون في الانتصار لأساطير جمهورية عبد الناصر، القائد الملهم، مصر القائدة، هزيمة الإمبريالية، إعادة الهيبة، الانتصار للكرامة، ولن ينجح الثوار أو المؤمنون بالتغيير في تحقيق حلم العيش والحرية والكرامة والعدالة؛ سنعيش جميعا علي حد الكفاف سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وأمنيًّا.هناك أسباب عدة ترجّح أن انتصار حلم الثورة لن يكون خلال العقد القادم على الأقل، أذكر هنا ثلاثةً منها هي الأبرز في رأيي:أولا: لم يعد هناك أي تنظيمات حقيقية تعبر عن الثورة؛ فجميع التنظيمات والحركات إما أنها انفجرت من الداخل أو تم تفكيكها بواسطة السلطة. لم يعد هناك مشروعات سياسية محددة أو آليات متفق عليها، مجرد شعارات حالمة لا يمكن أن تحقق حلمًا ثوريًّا أو حتى إصلاحيًّا. كما أن ما تبقى من تنظيماتٍ فقدت الكثير من زخمها، وفقدت مصداقيتها في الشارع.ثانيا: لم تعد هناك قيادات يمكن الالتفاف حول مشروعاتها حتى لو كانت الأخيرة قصيرة الأجل، كما كان الوضع في الفترة بين ٢٠٠٥ و ٢٠١١؛ فالغالبية العظمى من الشخصيات التي لعبت أدوارًا قيادية في الفترة التي سبقت يناير أو حتى في الشهور التي تلتها احترقت سياسيًّا، أو استُنزفت تنظيميًّا وفقدت مصداقيتها، حتى بين التيارات الضيقة المتلصقة بها والداعمة لها. وحتى تظهر وجوهٌ جديدة قادرة على إعادة بث الأمل في نفوس الجماهير واكتساب مصداقية عابرة لتياراتها الضيقة وطرح رؤىً عامة قابلة للاستدامة؛ سيحتاج الأمر عقدًا من الزمان على الأقل.ثالثا: الظروف الإقليمية ورغم سيولتها الشديدة؛ إلا أنها تبقى في التحليل الأخير غير قادرة على استيعاب مزيدٍ من التغيرات الكبيرة في الداخل المصري. فرغم أن اللاعب المصري قد فقد بالفعل الكثير من زخمه الإقليميّ؛ إلا أن الحفاظ على مصر مستقرة بغض النظر عن الثمن يظل هو الهدف الأبعد لصناع القرار في الغرب الذين لن يطيقوا سوريا أو ليبيا أخرى على الأقل في الأجلين القصير والمتوسط، كما أنه لن يكون بمقدورهم دعم تغيرات ثورية كبيرة؛ لعدم الرغبة في تحمل تكلفة معادلاتٍ سياسيةٍ جديدةٍ لفاعلين سياسيين غير معروفين ولا مضمونين.


فهل يعني هذا أننا سنكون بصدد تحقق السيناريو الأول؟

الحقيقة أن الظروف الداخلية والخارجية لا تُنبئ أيضا بنجاح نموذج سلطوي جديد في مصر، ورغم أن مفهوم (نجاح السلطوية) مفهوم نسبيّ ومختلف عليه؛ إلا أنني أعني به هنا أن تكون السلطوية قادرة على تحقيق الحداثة أو حتى التحديث، النهضة الاقتصادية، وفرض الاستقرار السياسي، كما هو الحال مثلا في سلطوياتٍ ناجحةٍ نسبيا في بعض الدول الآسيوية، أو في نموذج أوروبا الشرقية وقت الحرب الباردة.بهذا المعيار لا أعتقد أن السلطوية الجديدة في مصر ستنجح فى تحقيق مشروع حداثيٍّ علي غرار المشروع الناصريّ أو مشروع محمد علي، كما أنها لن تنجح؛ لا في تحقيق تنمية اقتصادية، ولا استقرار سياسيّ لأسبابٍ عدة أهمها:أولا: تفتقد السلطوية الجديدة في مصر لأي مشروع حداثيّ أو حتى تحديثي واضح المعالم؛ فالسلطة التي لا يعبّر عنها سوى رئيس الجمهورية كفرد ومؤسسة الجيش كفاعل منظم ترتبط به بعض الآجهزة الأمنية، لا تبدو أنها تملك أي مشاريع حداثية أو تحديثية للبنية الثقافية أو للبنيتين السياسية والاقتصادية؛ فكل ما فعله الرئيس أو الجيش منذ ٢٠١٣ وحتى اللحظة لا يعبّر سوى عن رؤية ضيقة للدولة باعتبارها كيانًا مصمتًا يجب حمايته من أخطارٍ ومؤامراتٍ إقليمية ودولية، دون القدرة على طرح أي مشاريع أيديولوجية أو فكرية تعبّر عن اتجاه هذه السلطوية الجديدة وانحيازتها. فهي، ثقافيا، سلطوية رجعية سواء في نظرتها للدين أو للثقافة التي يجب أن تحافظ على قيم وعادات المجتمع. غياب الرؤية والمشروع من ناحية، فضلا عن ضعف البنى الدولاتية تنظيمًا وإنتاجًا سيجعل هذه السلطوية دائما في موقف ضعف وعطب.ثانيا: هناك تناقض واضح بين الطرحين السياسيّ والاقتصاديّ للسلطوية الجديدة. اقتصاديًّا، تتبع سياسات رأسمالية المحاسيب المعتمدة على الدولة، (تحديدا الجيش)، كمدير وميسر ومقاول للمشروعات الكبرى والمتوسطة بل وحتى الصغيرة، وهو ما يمثل ضغطًا على رجال الأعمال الذين أصبح عليهم الحصول على المشاريع من الباطن. أما سياسيًّا، ففي الوقت الذي تتراجع فيه هذه السلطوية الجديدة عن الدعم وتطالب الشباب بعدم الاعتماد على القطاع العام، وتوبخ الشعب كله على تكاسله واعتماده على الحكومة؛ فهي تتخلّى عن فكرة (السلطوية التعددية) التي كانت سائدةً في أيام مبارك، وتحاول استعادة السلطوية المهيمنة الأقرب للعهد الناصريّ، وهذا التناقض بين الدولة المهيمنة على السياسة الطالبة للتفويض الشعبي غير المشروط وبين الدولة المتخلّية عن الدعم والتوظيف في الوقت ذاته سيخلق تناقضًا واضحًا لدى عامة الجماهير، وسيؤدي بالسلطوية الجديدة إلى الاختيار الحتميّ بين معادلتين؛ إما دولة حاضنة سياسيًّا واقتصاديًّا، وإما دولة متخليّة سياسيًّا واقتصاديًّا. محاولة التوفيق والتبديل بين الاحتضان السياسيّ بمعنى الهيمنة وبين التخلي الاقتصاديّ عن الشعب من غير المرجح أن تحقق أي نجاح فى المستقبل.ثالثا: تفتقد السلطوية الجديدة في مصر لأي تنظيمات سياسية قادرة على صياغة معادلات زبائنية مع الشعب، (الموارد مقابل الولاء)، أو فرض أجنداتٍ تشريعية أو رقابية لتوحيد عزف سيمفونية اقتصاديّة أو أمنيّة فضلًا عن سياسيّة. صحيحٌ أن محاولة إنشاء تنظيماتٍ بديلة للحزب الوطني الديموقراطي، الذي هو في النهاية تعبير عن ميراث الاتحاد الاشتراكي، مستمرةٌ بلا كلل؛ لكن حتى الآن تقودنا المؤشرات إلى أنها لن تكون ناجحة؛ إما لعدم إيمان الرئيس بفكرة التنظيم السياسي من الأساس وهو ما ظهر في خطب عدة عبر فيها عن ضيقه من مثل هذه البنى وهو ما يعبّر حتى الآن عن عدم استيعابه لأهمية مثل هذه التنظيمات، أو لأن المؤسسة العسكرية قد أصبحت بالفعل لاعبًا اقتصاديًّا وسياسيًّا ومن غير المتوقع أن تقبل بمعادلة مبارك للّعب من خلف الستار بعد أن أصبح لها مصالح سياسية واقتصادية واضحة، لا يمكن أن تأمن جانبَ لاعبٍ سياسيّ جديدٍ يحاول أن يدفعها جانبًا، سواء كان هذا الفاعل مستقلًّا أو دولاتيًّا. ثالثًا، لأن كوادر الصف الثاني من الحزب الوطني فضلًا عن تواضع قدراتها، قد تفككت بشكلٍ واضحٍ، وأصبحت في معظمها تلعب لصالح مصالحها الاقتصادية المباشرة المعتمدة على إعادة تمكينها اقتصاديا ومجتمعيا دون أدنى التزامٍ تنظيميٍّ لفاعلٍ سياسيٍّ موّحد. ويمكن رؤية ذلك بوضوح في توزع مقاعد الصف الثاني للحزب الوطني، وشبكات المصالح الضيقة المرتبطة بها بين أكثر من حزب وقائمة في انتخابات مجلس النواب الأخيرة.رابعا: كما أن التفاعلات الإقليمية والدولية تعد حتى الآن هي الداعم الأكبر للنظام الحالي في مصر؛ إلا أن السيولة الشديدة التى يتّسم بها النظامان الإقليميّ والدوليّ، مع لعب مصر دور الوكيل أو العرّاب بدلًا من دور القائد أو الحليف كما كان الحال أيام مبارك، سيجعل النظام دائمًا قادرًا على توفير الحد الأدنى من الدعم الذي سيسمح به الفاعلان الإقليميّان والدوليّان بما يمكن أن يتحملوه لجعل النظام مستقرًّا، دون قدرةٍ أو رغبةٍ في تقديم المزيد لجعلهِ نظامًا قائدًا أو منافسًا؛ فالمعادلة الحالية بالنسبة للفاعلين الإقليميين والدوليين (مصر المستقرة غير القائدة) أو بعبارة أخرى (مصر المحدودة) التي تحقق رغبة الجميع، فلا هي منهارةٌ لتؤرق الإقليم، ولا هي زعيمةٌ لتنافس زعاماتٍ جديدةً بالفعل تتأسس وتطلب الولاء لا الشراكة!.


ماذا يعني هذا؟

يعني ببساطة أن السيناريو الأقرب لمصر هو سيناريو السلطوية البائسة، أو السلطوية العقيمة، أو مصر المحدودة! فلا هي السلطوية الناجحة في التحديث والإنتاج والتنمية والاستقرار، ولا هي السلطوية المنهارة أو المستبدَلة بواسطة فاعلين ثوريين أو حتى إصلاحيين قادرين على تغيير المعادلة أو قلبها رأسًا على عقب.علينا أن نؤهل أنفسنا أن مصر في العقد القادم أو أكثر قليلا ستكون (مصر المحدودة) أو مصر الحد الأدنى؛ حيث يحصل الجميع على الحد الأدنى اللازم ليبقي حيًّا حتى لو كانت هذه الحياة بائسة. قد تتغير الوجوه هنا أو هناك؛ لكن لا أظن أن تتغير المعادلات والبنى والهياكل كثيرا. فقط حدثٌ وحيدٌ قادرٌ على قلب كل هذه السيناريوهات رأسا على عقب؛ وهو أن تقوم انتفاضةٌ شعبيةٌ نتيجة لضغوطٍ أو انهياراتٍ اقتصادية، وهنا قد تتغير كل هذه السيناريوهات بشرطين، الأول أن يقدر فاعلٌ سياسيٌّ منظم على القيادة بعد فترةٍ من عدم الاستقرار، والثاني أن يسمح المحيط الدوليّ والإقليميّ لمثل هذا الفاعل بالقيادة وفقًا لصفقاتٍ معيّنة ستحددها التوازنات وقتها، وهما شرطان من الصعب توقّعهما في العقد القادم على الأقل.