أنا لا أريد البقاء في سوريا إلى الأبد، نحن لا نتكلم عن ثروات كبيرة، إنها رمل وموت. سننسحب، سيحدث ذلك خلال بعض الوقت، أنا لم أقل إننا سننسحب بين ليلةٍ وضحاها.

كانت هذه كلمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ردًا على أسئلة عدة بشأن موعد سحب القوات الأمريكية من سوريا. والذي كان قد أصدر قرارًا سابقًا بسحب القوات الأمريكية من سوريا في غضون 30 يومًا، لكن يبدو أن ضغوطًا مورست عليه بعد قراره، جعلته يتراجع؛ كان أبرزها تقديم وزير الدفاع، جيمس ماتيس، استقالته، قائلًا إن وجهات نظره بشأن قضايا العالم لم تعد تتوافق مع ما يفكر به ترامب، وهو ما اعتبره كثيرون اعتراضًا على قرار ترامب بالانسحاب من سوريا. كما حذر العديد من المسؤولين الأمريكيين من خطورة الانسحاب بشكل سريع، وأنه سيتيح لروسيا وإيران التفرد بالنفوذ داخل سوريا.

بعد اجتماع استمر نحو ساعتين بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والسيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، صرح الأخير بأن ترامب سيبطئ عملية سحب القوات، وصرح مسؤولون في الإدارة الأمريكية بأن الرئيس دونالد ترامب وافق على منح الجيش الأمريكي نحو أربعة أشهر للانسحاب من سوريا، التي يتواجد في شمالها نحو 2000 جندي أمريكي، غالبيتهم من القوات الخاصة التي تدرب قوات محلية من الأكراد بشكل خاص على قتال تنظيم داعش. أكد ترامب تصريحات المسئولين خلال زيارته المفاجئة إلى العراق الأسبوع الماضي، قائلًا: «إن الجيش أمامه عدة أشهر لاستكمال الانسحاب الآمن والمنظم، وفقًا لما نقلته صحيفة نيويورك تايمز، وتجنب ترامب الحديث عن موعد محدد».

اقرأ أيضًا: التصدي لتركيا: تأشيرة بشار الأسد للعودة إلى الحضن العربي


الانسحاب الذكي من سوريا

في 30 ديسمبر الماضي، نشرت وكالة أنباء رويترز تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، قال فيها، إن ترامب ملتزم بانسحاب ذكي من سوريا، وإنه (ترامب) طمأنه بشأن خطته لسحب القوات الأمريكية من سوريا والتزامه بهزيمة تنظيم داعش خلال اجتماع في البيت الأبيض، وقال إنه لا تزال لدينا بعض الخلافات، لكني سأخبركم بأن الرئيس يفكر مليًا وبجدية بشأن سوريا في كيفية سحب قواتنا، بحيث في نفس الوقت نحقق مصالح أمننا القومي، أعتقد أنَّنا نبطئ وتيرة إتمام الأمور بطريقة ذكية.

يبدو أن الخروج الأمريكي الذكي، قد يتبعه تورط عربي لا ذكاء فيه، فاستبدال القوات الأمريكية بأخرى عربية، بات وشيكًا لا ينقصه إلا بعض الوقت، وفي أبريل/ نيسان الماضي رفضت وزارة الخارجية الأمريكية تأكيد إذا ما كانت واشنطن طالبت مصر بإرسال قوات إلى سوريا، لتحل محل القوات الأمريكية، لكن المملكة العربية السعودية أكدت أن النقاشات جارية مع واشنطن حول إرسال قوة عربية. كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية في وقت سابق أن إدارة ترامب تسعى إلى تشكيل قوة عربية لتحل محل القوة العسكرية الأمريكية في سوريا، وأن واشنطن طلبت من دول الخليج تقديم مليارات الدولارات وإرسال قوات، وأن مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون اتصل بالقائم بأعمال مدير المخابرات المصرية عباس كامل، لمعرفة موقف مصر من المشاركة.

أما وزير الخارجية السعودي السابق، عادل الجبير أكد أن «الفكرة ليست جديدة، وأجرينا (السعودية) نقاشات مع الولايات المتحدة حول ذلك وإدارة أوباما في النهاية لم تتخذ إجراء بخصوص هذا المقترح». وفي 27 ديسمبر/ كانون الأول الماضي أعادت دولة الإمارات العربية فتح سفارتها في دمشق بعد سبع سنوات من قطع علاقاتها مع سوريا على خلفية ثورة اندلعت ضد النظام السوري في عام 2011، وتم قمعها بالقوة قبل اندلاع نزاع دام في البلاد.

اقرأ أيضًا: ما سر عودة الدفء للعلاقة بين أمريكا وتركيا؟

ليس هذا فحسب، لكن الرئيس الأمريكي أعلن على تويتر مطلع الأسبوع أن السعودية وافقت الآن على إنفاق الأموال اللازمة للمساعدة في إعادة إعمار سوريا بدلاً من الولايات المتحدة. هذا بعدما كانت تدعم مسلحين ضد نظام بشار الأسد!

ومؤخرًا؛ أفاد موقع ديبكا الإسرئيلي المقرب من المخابرات الإسرائيلية بأن ضباطًا من مصر والإمارات قاموا بعدة جولات في مدينة مبنج شمالي سوريا، وتفقدوا مواقع القوات الأمريكية ووحدات حماية الشعب الكردية في المنطقة، ودونوا ملاحظات بشأن نشر قوات من بلديهما في المنطقة مستقبلًا، ووصف الموقع الزيارة بأنها «تمهيد لنشر قوات للدولتين هناك محل الجنود الأمريكيين الذين ينسحبون من المنطقة».

بحسب الموقع ذاته: «طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المبادرة، مع ضمان الولايات المتحدة غطاءً جويًا لها ضد أي عمل عسكري من قبل تركيا وسوريا وروسيا. وأشارت مصادر للموقع بأن هذه الزيارات تتزامن مع المشاورات التي يجريها البيت الأبيض مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هو الزعيم الوحيد الذي وقف دائمًا إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد في النزاع، ولذلك قد تكون فكرة نشر القوات المصرية في المنطقة مقبولة بالنسبة لدمشق في حال إلحاق ضباط سوريين إليها».

أضاف الموقع أن «التواجد المصري الإماراتي العسكري في منبج سيعقبه نشر قوات دول عربية أخرى في الأراضي السورية، بما فيها المناطق الحدودية مع العراق، وأنه إذا نجحت هذه الخطط فمن المرجح أن ترسل دول مثل السعودية والمغرب والجزائر قواتها إلى سوريا للتصدي للتواجد الإيراني هناك».


ما هي مدينة منبج؟

خريطة توزيع النفوذ في الشمال السوري

تقع منبج في الشمال السوري، على بعد 30 كيلو مترًا غرب نهر الفرات و80 كيلو مترًا من مدينة حلب، كان يبلغ تعداد سكانها في عام 2004 حوالي 100 ألف نسمة، وكانت إحدى المدن التي شاركت في الثورة عام 2011. وفي عام 2012 أصبحت إدارة المدينة من مسؤوليات أبنائها حيث جرت انتخابات لتعيين مجلس محلي، وفقًا لـ«وكالة أوقات الشام». ثم في يناير/ كانون الثاني 2014 سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة، وحاليًا تسيطر عليها قوات وحدات حماية الشعب الكردي، المصنفة إرهابيةً في تركيا، بينما تتلقى دعمًا من الجيش الأمريكي، وتهدف تركيا إلى منع إقامة دويلة كردية على حدودها.

تقول أمريكا إنها تتواجد فيها لمحاربة الإرهاب. ومؤخرًا وصلت تعزيزات عسكرية تركية مدعومة بعشرات المدرعات والآليات إلى ريف حلب الشمالي، لتنضم إلى فصائل المعارضة التي اتخذت مواقعها في القرى المتاخمة للمدينة. وتتمركز هذه القوات على منبج الغربية وعلى طول شريط يبلغ 70 كيلومترًا، يمتد من غربي بلدة العريمة إلى شرق جرابلس ووصولًا لضفة نهر الفرات الغربية.

اقرأ أيضًا: العجلة تعود للوراء: الانسحاب من سوريا والتفاهم مع أردوغان

وفي بلدة العريمة جنوبي منبج، تتواجد قاعدة عسكرية روسية أتاحت الفرصة لقوات الجيش النظامي في مناطق قريبة، تمثل خطًا فاصلًا في الغرب والشمال بين الوحدات الكردية ومسلحي المعارضة السورية الذين تدعمهم تركيا. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، لا يزال الهدوء الحذر يفرض نفسه على منبج، مع استمرار رفع الجاهزية من قبل كل من الفصائل الكردية من جهة، والقوات التركية وفصائل المعارضة المتحالفة معها من جانب آخر، والذين يفصل بينهما قوات النظام التي انتشرت على خطوط التماس بينهما في ريفي منبج الشمالي والغربي، فيما لا تزال القوات الأميركية متواجدة في المدينة ومحيطها، وتسيِّر دورياتها بشكل اعتيادي في المنطقة.