لن نكسب حربًا مع دولة؛ مبدأ واقعي بات يلخص المشهد، في انتخابات التجديد النصفي لنقابة الصحفيين المصرية، المزمع عقدها بعد أيام معدودة.

ورغم المعركة الشرسة، التي خاضتها نقابة الصحفيين، وقطاعات كبيرة من المنتسبين إليها مع النظام الحاكم، والتي انتهت باقتحام قوات الأمن لقلعة الصحفيين المحصنة وفق القانون ضد مثل هذا الإجراء، ووضع نقيبها يحيى قلاش، بجوار عضوي المجلس خالد البلشي، وجمال عبد الرحيم قيد المحاكمة، بتهمة إيواء مطلوبين للعدالة، والتي قد تنتهي إلى ما لا يحمد عقباه، إلا أن التداعيات التي خلفها النزاع بين الدولة والنقابة، خلق رغبات تستعر يومًا بعد الآخر بين صفوف أعضاء الجمعية العمومية، لتنحية مجلس النقابة الحالي عن المشهد، وتولية آخر يستطيع توفيق أوضاع المهنة، مع من بيده الأمر في البلاد.

ورغم ما يمكن تصوره من نتائج سلبية من جراء تراجع الصحفيين عن الانتفاضة التي أعلنوها، لاسترداد كرامة مهنتهم خلال الأشهر الماضية، إلا أن الظروف المعيشية الضاغطة ربما تجبر السواء الأعظم من الصحفيين على اختيار من يقف في منطقة دافئة من النظام الحاكم، خاصة وأن أغلب ممولي الصحف الخاصة يدينون له بالولاء التام، ويرغبون في العمل تحت مظلته؛ ما يعني أن أي معالجات صحفية قد تغضب السلطة مصيرها غلق الصحيفة أو تغيير سياستها التحريرية بمنتهى السهولة، بينما لا تحتاج الصحف القومية إلى ممولين لإثبات تبعتيها للنظام الحاكم أيًا كان انتماؤه.


كيف تغيرت قواعد اللعبة في «انتخابات الصحفيين»؟

كما ساهمت أحداث 30 يونيه/ حزيران، وعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في تغيير العديد من مسارات الحياة السياسية في مصر بل والعالم العربي، كذلك كانت بداية لتغير قواعد اللعبة الانتخابية في انتخابات مجلس نقابة الصحفيين.

وتحولت العديد من الصحف الخاصة الكبيرة، التي باتت بعد ثورة 25 يناير/ كانون الثاني قادرة على قلب الطاولة وفرض كلمتها في الجمعية العمومية لاختيار مجلس النقابة، إلى الالتزام بمجموعة ضوابط كانت تتحكم في صحفيي الصحف القومية، صاحبة الكفة الراجحة في اختيار النقيب ومجلسه منذ بداية تدشين النقابة، والتي تفضل في اختيارها لأعضاء المجلس أن يكونوا على صلة جيدة بالنظام، أو يقفون على الأقل في منطقة تسمح لهم بإجراء تفاهمات تحقق أقصى استفادة ممكنة للصحفيين.

فيما انصرفت قبلة الكثير من «كتلة الشباب»، والتي يعوّل عليها في مساندة المسار الثوري لبعض أعضاء «مجلس قلاش» عن حسابات المناطحة مع نظام السيسي، إما خوفًا على فرصهم الوظيفية في الصحف، خاصة أن العديد من مجالس التحرير والقيادات العليا باتت تعقد محاكم تفتيش لصحفييها؛ لمحاصرة كل من يثبت معارضته للنظام الحاكم أو تعاطفه مع جماعة الإخوان، لدرجة أن رئيس تحرير الصحيفة الخاصة الأولى في مصر، توسط صالة التحرير وأمام الجميع طالب أي صحفي يعارض النظام بمغادرة الجريدة، بينما تفنن في التنكيل بالمعارضين والتخلص منهم ونجح في مخططه بالفعل.

كما باتت الحالة الاقتصادية الصعبة كابوسًا يؤرق الشباب؛ ما ساهم في انشغالهم بنفس دوافع الكبار لاختيار من يحقق مصالحهم، بل إنهم باتوا أكثر حرصًا عليها بعد اختناق المهنة، وإغلاق العديد من الصحف لإصداراتها الورقية، وتراجع المواقع المميزة التي تركت رصيدًا في الوسط الصحفي عن فكرة إصدار صحف ورقية توفيرًا للنفقات، بينما تفكر جديًا العديد من الصحف الشهيرة في الاستغناء عن العدد المطبوع والاكتفاء بالإصدارات الإلكترونية؛ ما يعني الإطاحة بالمزيد من الصحفيين، ليس بحسابات الكفاءة والمهنية بل لمن يشكل عبئًا بمواقفه وخلفياته السياسية والفكرية على المؤسسة.

وبعيدًا عن المرشحين للعضوية، تحتدم المنافسة حاليًا بين ثلاثة صحفيين على منصب النقيب، أهمهم يحيى قلاش النقيب الحالي، وصاحب أعنف معركة في تاريخ الصراع بين الدولة والنقابة، والنقيب السابق ضياء رشوان، أحد المرشحين بقوة لاسترداد منصبه، ومرشح الدولة إن جاز التعبير عبد المحسن سلامة، المدعوم من رجال مبارك وأجهزة الدولة.


يحيى قلاش: الأعلى صوتًا في مواجهة السلطة

بدعم تياره الناصري ومواقفه التاريخية في قضية اقتحام الأمن لنقابة الصحفيين، يخوض يحيى قلاش، النقيب الحالي للصحفيين، رهانًا كبيرًا، ربما لم يجد غيره بديلاً بعدما أصبح في حاجة شديدة لمنصبه؛ حتى لا يتعرض لما لا يمكن توقعه إذا ما تخلت عنه قوة وأضواء المنصب النقابي، الذي يجعله رغم كل ما يتعرض له من ضغوط الأعلى صوتًا والأشد قوة في مواجهة السلطة.

أخر «قلاش» قراره بخوض الانتخابات ليقرأ الصورة جيدًا، وحتى يستكشف حجم المنافسين الذين سُيدفع بهم في مواجهته، خاصة أنه لم يعد يتيقن من استحواذه على أصوات صحيفة الجمهورية التي ينتمي إليها، بجانب المؤسسات القومية الأخرى، إلا أن أكثر ما يدعم استمرار يحيى قلاش حتى الآن هم شباب النقابة، وخاصة المحسوبين على الفكر الثوري، والذين دفعوه بقوة لاتخاذ موقفه التاريخي في قضية اقتحام نقابة الصحفيين، والقبض على الصحفيين عمرو بدر ومحمود السقا.

وبجانب الثوريين، هناك «كتلة الإسلاميين» الذين سيدفعون بقوة لاستمرار قلاش نقيبًا للصحفيين، لاسيما وأنه قاتل ومجلسه قدر المستطاع للدفاع عن حقوقهم المهنية والإنسانية، في ظل الدعوات العنصرية لوقف بدل التكنولوجيا الشهري لأعضاء الإخوان، والذين يتقاضونه من النقابة مثل زملائهم، كما أنه رفض التنكيل بهم وفتح النقابة لأسرهم لعرض أزماتهم، وهو الأمر الذي لن يوفره ضياء رشوان أو عبد المحسن سلامة.

ولكن بعيدًا عن حسابات المؤسسات والمصالح والأيدولوجيا، هناك الكثير من الأزمات ربما تضعف من التجديد لقلاش؛ أهمها حالة التقاتل والتنافر بين أعضاء مجلسه، وعدم الفصل في أزمة انشقاق خمسة أعضاء احتلوا العلامة الكاملة في اجتماع جبهة تصحيح المسار بجريدة الأهرام عقب الأزمة الشهيرة مع الدولة، والذين رفضوا مطالبة النقابة لرئيس الجمهورية بالاعتذار؛ ما يجعل مستقبل المجلس غير مأمون العواقب إذا ما فشل صحفيو المسار الثوري في الاستحواذ على مناصب داخل المجلس، وعلى رأسهم عمرو بدر، رئيس تحرير موقع بوابة يناير، والمرشح لمنصب العضوية، والذي كان أحد طرفي الأزمة الشهيرة لمجلس قلاش مع نظام السيسي.


ضياء رشوان: مرشح الضرورة لإعادة الود مع السيسي

استبق ضياء رشوان، نقيب الصحفيين السابق، أي صياغات سابقة التجهيز من الدولة، لإدارة المشهد الانتخابي في النقابة التي اتضح خطرها خلال الشهور الماضية، وأعلن ترشحه لمنصب النقيب؛ ليضع بذلك عبد المحسن سلامة، مدير تحرير الأهرام، والمدعوم بقوة من زمرة الصحفيين المقربين من السلطة، والذين أعلنوا تأييدهم له، لدرجة أن مكرم محمد أحمد، نقيب الصحفيين الأسبق، وضع خبرته وتاريخه في خدمة البرنامج الانتخابي لسلامة، بينما ظهر أحمد موسى، الصحفي والإعلامي المثير للجدل، في الصفوف الأولى أثناء عقد مدير تحرير الأهرام لمؤتمره الصحفي لتقديم نفسه مرشحًا للنقابة.

ويحظى رشوان بثقة الكثير من أبناء المؤسسات الصحفية القومية، وعلى رأسهم الأهرام، وتبقى علاقته القوية بمؤسسات الدولة الحافز الأقوى في إعادته لمنصبه الذي فقده قبل عامين أمام يحيى قلاش.

في أرشيف رشوان معارك قديمة مع الأنظمة الحاكمة لخص فيها رؤيته الناصرية، والتي تحكمت في مواقفه وخاصة أثناء صدامه مع نظامي مبارك ومحمد مرسي، إلا أنه يبقى من أهم حلفاء النظام الحالي، وتمخض عن ذلك قدرته على زيادة بدل التدريب والتكنولوجيا في عهده من 460 جنيها إلى 1380 شهريًا، بالإضافة إلى نجاحه في الإفراج عن الصحفيين الذين كان يقبض عليهم خلال مشاركتهم في الأحداث الميدانية، وهو ما لم يتحقق في عهد قلاش، الذي رفضت لجنة العفو الرئاسي الاستجابة لقوائمه التي أرسلها للرئيس للعفو عن الصحفيين المحبوسين.

ويعتبر الكثير من أبناء المهنة ضياء رشوان مرشح الضرورة؛ لانتشال النقابة من دوامة الأزمات التي تعصف بها، ويرونه فرس الرهان لإعادة علاقة الود مع أجهزة الدولة، التي باتت ترى في النقابة خصمًا عنيفًا يجب ترويضه بكافة السبل؛ ما ينذر بخطر شديد على مستقبل المهنة وأبنائها، إذا لم توضع في حساباتها هذه التقديرات شديدة الخطورة.

أما سوءات «رشوان» فتكمن في اهتمامه الزائد بالميديا والكاميرات على حساب العمل النقابي، والبعض يعتبر أن المنصب بالنسبة له بوابة عودة للأضواء والعقود التليفزيونية؛ ما يمثل نوعًا من اختلاط المصالح، فضلاً عن فشله في حسم أي نزاع تدخل فيه النقابة ككيان، لدرجة أنه لم يقدر على حسم النزاع مع مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك، الذي تطاول على بعض الصحفيين على الهواء وأهان النقابة، ولم يستطع إجباره على الاعتذار عن فعلته إلا يحيى قلاش.


عبد المحسن سلامة: رجال مبارك في قلب الحدث

يستند عبد المحسن سلامة، مدير تحرير جريدة الأهرام، إلى دعم الدولة ورجالها في النقابة، إضافة إلى شعبية كاسحة في الأهرام تفوق أضعاف الكتل التصويتية لضياء رشوان، فضلاً عن دعم رجال مبارك الكبار، والذين يعرفون جيدًا كيف تدار لعبة الانتخابات.

كما يعتمد سلامة على الندبات والشروخ التي أصابت إنجازات «رشوان وقلاش» خلال الأعوام الماضية، وما تمخض عنهما من أزمات كفيلة باللجوء لوجه جديد ومختلف، ربما يكون فرس الرهان الذي يعيد الأمور لنصابها الصحيح.

أما الصعوبات التي قد يواجهها عبد المحسن سلامة، فتكمن في اعتباره أحد المحسوبين على نظام مبارك، ورجل الدولة الذي لن يستطيع تفويت أمر لها؛ ما يعني أنها يمكن أن تصبح بلا شخصية أو قرار أمام مؤسسات الدولة، وهو ما يزعج بعض أعضاء الجمعية العمومية وخاصة تيار الشباب، الذي لا يقبل بأقل من التعامل بندية مع كافة أجهزة الدولة، وهو الأمر الذي لا يروق لسلامة ولا يقوى حتى على التفوه به.

في معركة النقابة، سيحسم مصير توجهات المهنة لعامين قادمين، وربما تتبلور مبادئ تشكل تصورات أبناء صاحبة الجلالة لما هو قادم، فما واجهه الوسط الصحفي المصري من تضييقات يكفل عمل مراجعات فكرية وإنسانية واقتصادية؛ لمواجهة مجهول لا يمكن أبدًا مواجهته بالبنادق اللسانية للصحفيين على سلالم نقابتهم، التي لا يرتضي لها النظام الحاكم والمواطنون الشرفاء أن تكون الحصن الآمن للحريات في مصر.