الحياة كفاح، شقاء وسعي، تجارب ومواقف، صواب وخطأ، غِنى وفقر،… ومالانهاية من الأوصاف التي يمكن أن تطْلقها عليها، لكن أجمل ما فيها هي أنها رحلة علم وعمل، أمل، وإصرار مستمر.

حسنًا، يمتلئ المجال العلمي كله بسيدات كن رائدات في إحداث بعض التغيرات الجذرية فيه، رغم ما لاقوه من حوادث تنمّر ومضايقات؛ خصوصًا في القرن الماضي حين لم تسمح لهن مجتمعاتهن آنذاك بوجودهن كسيدات عالمات، أو متعلّمات بشكلٍ عام.

اليوم، وبعد قرابة قرنين من الزمن، وفي ذكرى ميلادها الـ197؛ نروي قصة «إليزابيث بلاكويل – Elizabeth Blackwell» أول طبيبة (سيدة) أمريكية – بريطانية في العالم في القرن الـ19، تعرف بأنها رائدة تعليم الطب للنساء. تُرى ما الذي قد يدفع بفتاة لمثل هذه الدروب الصعبة؟

منزل العائلة الثرية

في مدينة بريستول، التي تبعد نحو 190 كم عن العاصمة البريطانية لندن، وفي منزل عائلة السيد «صموئيل بلاكويل» صاحب مصنع إنتاج وتكرير السكر، والسيدة «هانا لين» ابنة أحد التجار الكبار؛ولدت الطفلة «إليزابيث» في الـثالث من فبراير/ شباط عام 1821 .

كانت «إليزابيث» الطفلة الثالثة من بين تسعة أطفال (أربع شقيقات، وأربعة أشقاء) في أسرة ثرية ودينية مثقفة. خدموا الكنيسة البروتستانتية آنذاك، وأعطوها الكثير من اهتمامهم. لم تذهب «إليزابيث» إلى المدرسة قط، وإنما تلقّت تعليمها – هي وإخوتها – في المنزل من قِبل أساتذة، ومربين خصوصيين.

منذ صغرها أحبت القراءة، ولم تنفق أي مال إلا مقابل الحصول على الكتب المختلفة. كتبها المفضلة كانت في المقام الأول قصص الروائية الإنجليزية في أدب الأطفال «ماري مارثا شيروود – Mary Martha Sherwood».

تربت «إليزابيث» ونشأت في عائلة هادئة، ومتفهمة. واتخذ والدها دربًا إيجابيًا في تربية أبنائه، حيث آمن بتطوير إمكانياتهم وحثهم على الخير، وتعريفهم الصواب من الخطأ. كما أنه لم يستخدم العنف الجسدي ضد أحدهم لمعاقبته، وكانت أقسى عقوبة يحصل عليها الطفل في المنزل، مهما كان الذنب الذي اقترفه، هو الحرمان من الجلوس على طاولة العشاء مع العائلة!

بشكلٍ عام، كانت طفولتها هادئة، وسعيدة للغاية حتى عام 1831. كانت «إليزابيث» قد بلغت العاشرة من عمرها، وفي تلك الفترة حدثت اضطرابات سياسية، وتغير الوضع في مدينة بريستول، حيث انتشرت أعمال عنف وشغب فيها، بعد أن رفض مجلس الشيوخ إصلاح نظام التصويت في البرلمان. كان النظام يسمح لـ6 آلاف شخص فقط بالتصويت من بين 104 آلاف شخص؛ هم سكان المدينة.

خسر والدها مصنع السكر الخاص به في أعمال الشغب هذه؛ فقرر أن ينأى بأسرته عن هذه الأحداث، ورحلوا جميعًا إلى مدينة نيويورك، إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أغسطس/ آب عام 1832. استغرقت الرحلة في المحيط سبعة أسابيع قبل وصولهم لنيويورك. هناك أنشأ والدها «صموئيل» مصنع «الكونغرس» لإنتاج السكر. وعاشت العائلة لمدة ست سنوات في مدن مثل نيويورك، وجيرسي.

عندما تصفعك الحياة بقوة

إن كنت تظن أنك أعددت العدة لحياةٍ أفضل، وجمعت مالًا وجاهًا؛ فأنت على خطأ. هذا أمرٌ مسلّم به.

ماحدث مع عائلة «بلاكويل» نموذج لذلك. فمنذ وصولهم أمريكا، تطلع السيد «صموئيل» إلى ثقافة جديدة دفعته للعمل في مناهضة استخدام (الرقيق) في العمل، وعمل جاهدًا في إلغاء عقوبة الإعدام، وبعد أن حضرت العائلة اجتماعات لمكافحة الرق، وفهم أطفاله أن العبودية أمرٌ بغيض؛ خسر «صموئيل» مصنعه بعد أن سرّح الرقيق العاملين في المصنع.

بعد ذلك دخلت العائلة في مصاعب مالية، واضطرت العائلة لبيع المصنع. أصيب السيد «صموئيل» بالاكتئاب، وانتقلوا إلى مدينة سينسيناتي، أوهايو عام 1837. بعد مدة قصيرة من وصوله إلى المدينة، وفي أغسطس/ آب عام 1838، توفي السيد «صموئيل» من الحمى، وترك عائلته شبه مفلسة!

في ذلك التوقيت، كانت «إليزابيث» في الـسابعة عشرة من عمرها، وقررت هي وشقيقتها الأكبر «آنا، ماريان» إنشاء مدرسة في المنزل، وسماها أكاديمية «سينسيناتي لتعليم اللغة الإنجليزية والفرنسية للسيدات». وفرت المدرسة المنزلية ما يكفي من المال حتى وصل الأطفال في العائلة سن الرشد جميعًا.

أغلقت الأختان المدرسة عام 1842، وواصلت «إليزابيث» تدريس طلابها بشكلٍ خاص. وفي سن الـ21، دُعيت لتولي وظيفة تدريس في هندرسون، كنتاكي عام 1844، وعاشت هناك مع عائلة محلية. عادت إلى مدينة سينسيناتي مرة أخرى، والتقت صديقة أهلكها المرض، وبدأت المريضة بوصف مرضها لـ«إليزابيث».

أن تلهمك كلمة!

حين كانت المريضة تروي ألمها لصديقتها «إليزابيث»، قالت لها: إن مرضها كان يمكن أن يكون أكثر قابلية للتحمل أو العلاج، إذا كانت قد عولجت من قِبل امرأة، حيث لا حرج في الحديث، وأن المرأة لها طبيعة عاطفية أكثر!

فكرت «إليزابيث» في هذه الجملة، وخلُصت إلى استنتاج مفاده أن العديد من النساء يمكن علاجهن بسهولة وأكثر راحة؛ حين تفحصها أو تعالجها طبيبة. لذا قررت أن تبدأ في دربٍ جديد لدراسة الطب! كانت نفقات الدراسة آنذاك تبلغ 3000 دولار، ومن أجل جمع المال للدراسة، عملت معلمة في شمال وجنوب كارولينا.

قدمت إلى القس «جون ديكسون» الذي كان يعمل طبيبًا في مدينة آشفيل، والذي سمح لها بدراسة كتبه الطبية. وفي مدينة شارلستون، درست الطب مع «صموئيل»؛ شقيق «ديسكون» حيث كان يعمل هو الآخر أستاذًا في الطب، وشجعها، وعلمها، وسمح لها باستعارة كتبه ومواصلة جهودها المكثفة لتصبح طبيبة.

معركة دراسة الطب!

إليزابيث,بلاكويل,طب,سيدات,أمريكا,بريطانيا
إليزابيث بلاكويل في شبابها.

كم عدد المرات، والجامعات التي يمكن أن تتقدم إليها بطلب التحاق؟

في أوائل القرن الـ19، كان المجتمع الذكوري مسيطرًا على كل شيء تقريبًا، وقرر أن الطب، والدراسة، والعمل وكل شيء يتم خارج المنازل هو ملكه فقط، ليس لسبب سوى أن تبقى النساء في منازلهن. لكن «إليزابيث» قررت خوض المعركة من أجل الالتحاق بكلية الطب؛ ضاربة بكل هذا العبث عرض الحائط!

بداية؛ انتقلت إلى مدينة فيلادلفيا عام 1847، بهدف الدراسة في واحدة من كليات الطب هناك، ودرست مع طبيب هناك، وأخذت دروسًا مستقلة في التشريح. بجانب ذلك؛ كانت قد قدّمت طلبات إلتحاق كثيرة للعديد من الكليات والجامعات دون أن تنجح في أيّ منها؛ حتى أنقذتها (مزحة) في كلية الطب في مدينة جنيف، نيويورك!

انتصرت في معركتها في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1847، عندما قبلتها الكلية. وما حدث، هو أن الجامعة عندما علمت بقدوم طلب التحاق من سيدة إليها، أخبروا طلابهم بأن هناك فتاة تود الانضمام إلى الجامعة (إذا لم يمانعوا)، فوافق الطلاب – دون أن يدركوا أنهم سبب في خدمة البشرية اليوم – اعتقادًا منهم أن الطلب مزوّر، أو مجرد مزحة قام بها أحد الطلاب من جامعة أخرى.

لكنهم فوجئوا بانضمام «إليزابيث» إليهم رسميًا، وكان طلب الالتحاق هذا؛ هو الطلب رقم 30 الذي تقدمت به «إليزابيث» للجامعات المختلفة! بدأت «إليزابيث» حياتها الجديدة طالبة طب في عمر الـ26، في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1847، ولم تقبل الجامعة طالبة أخرى بعدها حتى ستينيات القرن الـ19!

كانت طالبة طب مثابرة، وذكية. تناولت أطروحة تخرجها حمى «التيفوس – Typhus»، وشددت على أهمية النظافة الشخصية، ووجود الصرف الصحي من أجل الوقاية من الأمراض. أدى وجودها في الجامعة إلى حسن سلوك وتصرف زملائها الرجال، احترامًا لوجودها!

وفي الـ23 من يناير/ كانون الثاني عام 1849، تخرجت «إليزابيث بلاكويل» البالغة من العمر 28 عامًا حاصلة على المركز الأول؛ لتصبح أول امرأة في أمريكا تحصل على شهادة طبية. كما أنها حصلت على الجنسية، وأصبحت مواطنة أمريكية أيضًا. لم تتوقف عن ذلك، بل امتد طموحها لأن تصبح جراحة، لكن الحظ لم يحالفها؛ حيث أصيبت بعدوى في إحدى عينيها أفقدتها بصرها!

سافرت إلى لندن وباريس، وتلقت تدريبات طبية مكثفة خصوصًا في أمراض النساء والتوليد في مستشفيات مختلفة، وكانت أطروحتها عن النظافة الشخصية ذات أهمية قصوى، حيث افتقر الأطباء هناك إلى التوعية بأهمية التعقيم والنظافة قبل فحص المرضى.

في عام 1853، أنشأت مستوصف نيويورك، خاص بالنساء الفقيرات والأطفال. وبعد أربع سنوات، جمعت ما يكفي من المال من المانحين لفتح مستشفى خاص بهم. كانت شقيقتها «إميلي» قد لحقتها في دراسة الطب في جامعة أوهايو، فانضمت هي والطبيبة «ماري زاكرزوسكا» إلى العمل في المستشفى. اكتسب المستشفى سمعة جيدة، بل وأصبح أيضًا مركزًا لتدريب الممرضات.

تنقلت في جولات تعطي المحاضرات لمدة عام كامل في المملكة المتحدة، حيث ألهمت العديد من النساء للعمل في مجال الطب، وأصبحت أول امرأة في السجل الطبي البريطاني، وسمح لها بممارسته هناك.

أول كلية طب للسيدات

طب,نساء,إليزابيث,بلاكويل,لندن,أمريكا
أول كلية طب للسيدات التي أسستها إليزابيث.

أبرز وأهم ما قدمته «إليزابيث» للسيدات قبل رحيلها، هو تأسيسها أول كلية لتدريس الطب للسيدات على الإطلاق عام 1868 في مستشفى نيويورك. افتتحت الكلية بـ15 طالبة، و9 من أعضاء هيئة التدريس. كانت هي -إليزابيث- أستاذ الصحة، وأختها «إميلي» أستاذ أمراض النساء والتوليد.

في عام 1874؛ أسست في لندن أول كلية طب للسيدات في بريطانيا كلها. كان هدفها من كل هذا، هو توفير تعليم مثالي للسيدات، وتدريبهن على ممارسة مهنة الطب. وظلت الكلية مفتوحة حتى عام 1899، حتى بعد أن بدأت كلية الطب بجامعة كورنيل بقبول الطالبات.

في عام 1869، كانت في الـ48 من عمرها، فعادت إلى بلدة نشأتها في بريطانيا، وأقامت فيها هناك بشكلٍ دائم، مما سمح لها بممارسة الطب بشكلٍ أفضل في لندن. أنشأت جمعية الصحة الوطنية في عام 1871ـ، من أجل التوعية بأهمية الصرف الصحي الجيد.

كما نشرت المعلومات الصحية المهمة لعامة الناس، حتى أصبح شعار المجتمع هو «الوقاية خير من العلاج». وفي عام 1875، قبلتها كلية لندن للطب النسائي كرئيس أمراض النساء، لكن إصابتها بـ(المغص الصفراوي) بعد عام واحد فقط، اضطرها للتقاعد من كل من المحاضرات، والممارسة الطبية!

بجانب الطب، كانت «إليزابيث» كاتبة متميزة كتبت عن الموضوعات الصحية والاجتماعية، واستمرت في الكتابة حتى بعد تقاعدها. شملت أعمالها عناوين مثل؛ الطب والأخلاق (1881)، وشراء النساء: الخلل الاقتصادي الكبير (1887)، وتأثير المرأة في مهنة الطب (1890).

كلية,الطب,للسيدات,نساء,طب,لندن,المستشفى,الملكي
طالبات من كلية الطب للنساء في لندن يراقبون عملية في المستشفى الملكي الحر.

أتت رحلة الكفاح هذه أكُلها بعد حين، حيث تحسنت قدرة السيدات على دخول وممارسة مهنة الطب ببطء، حتى عام 1900. لم تتزوج «إليزابيث» -ولا إخوتها البنات – طوال حياتها، بل أفنت عمرها في رحلة كفاح بين أوروبا وامريكا الشمالية من أجل تمكين السيدات في مجال الطب، على الأقل لممارسة الطب في مجال الأمراض الخاصة بهن!

ومن أجل الأمومة -الغريزة الطبيعية للأنثى- تبنتت «كاثرين بيري» في عام 1854؛ وهي طفلة يتيمة من المهاجرين الإيرلنديين، والتي سافرت معها في رحلتها هذه، وبقيت معها طوال حياتها.

قبل وفاتها؛ تعرضت «إليزابيث» لحادث أليم في منزلها عام 1907. كانت تبلغ من العمر 86 عامًا عندما سقطت من على سلم منزلها في كيلمون. أدى ذلك الحادث لإصابتها بشلل كلي.

توفيت «اليزابيث بلاكويل» في الـ31 من مايو/ آيار عام 1910 في منزلها في هاستينغز، عن عمرٍ يناهز الـ89 عامًا، إثر سكتة دماغية، ودفن رمادها في مقبرة كنيسة «سانت مون» في باريش في كيلمون، مخلفة وراءها أعظم ما قدمته لسيدات العالم حتى اليوم.

وأخيرًا؛ نستنبط من هذا كله أنه مهما كان جنسك، أو نمط حياتك.. إذا كنت مرفّه المعيشة، أو تعصف بك الظروف القاسية وضاقت عليك الأرض بما رحبُت؛ يظل الكتاب هو سبيلك للخروج من ذلك كله. فالكتاب لا يفرق بين قارئه، مهمته هو أن يعطيك ما لديه من علمٍ ليضعك على أول الطريق لتقرر كيف تصنع كيانك.