فريق مهلهل، خطوطه مفككة، لا يحتوي على قائد سواءً داخل الملعب أو خارجه، ليس لديه طريقة لعب واضحة، لا تستطيع أن تثق به رغم أنه متخم بالنجوم. هكذا ظهر الفريق البلجيكي في مباراته الأولى في يورو 2016 أمام إيطاليا.

قبل بداية اليورو كانت التوقعات حول المنتخب البلجيكي عالية للغاية. ومع بداية المسابقة فشلت هذه التشكيلة المتخمة بالنجوم في تسجيل ظهور قوي. في هذا المقال نتناول حكاية تكوين الفريق الحالي منذ بدايته، ونسأل هل تستطيع بلجيكا تدارك ما حدث؟


ما قبل البداية

كنت قد انتهيت لتوي من كتابة أسماء مسددي ركلات الجزاء، قبل أن يسجل بلات هدفه العظيم في الدقيقة ما قبل الأخيرة. أمسكت بالورقة، كوّمتها في يدي، ثم قذفتها بعيدًا.

هكذا علّق «ميشيل سابلون»، أحد أعضاء الجهاز الفني لمنتخب بلجيكا في كأس العالم 1990 عن خروجهم أمام منتخب إنجلترا. قبل هذا بأربع سنوات وفي كأس العالم 1986، كان المنتخب البلجيكي يصول ويجول في شوارع نيو ميكسيكو، فعلى الرغم من بداياته العصيبة بتأهل صعب كثالث مجموعته، لكن بعد ذلك أظهرت بلجيكا وجهًا مغايرًا، حيث فازوا على الاتحاد السوفييتي في الدور الثاني بأربعة أهداف مقابل ثلاثة في مباراة عصيبة ومثيرة، ثم في الدور ربع النهائي تخطوا عقبة إسبانيا بركلات الترجيح ليصلوا إلى نصف النهائي للبطولة. لكن الحظ العاثر جعلهم وجهًا لوجه مع الأسطورة الأرجنتينية «مارادونا» ورفاقه .الذين استطاعوا المرور إلى النهائي بهدفين سجلهما مارادونا، وأنهى بهما مشوار بلجيكا في البطولة الأنجح في تاريخهم.

بعد ذلك توقع الجميع انطلاقة جديدة للكرة البلجيكية في الفضاءات الأوروبية بعد بناء جيل قوي وصل نصف نهائي أغلى البطولات، لكن ذلك لم يحدث وبدأ المنتخب البلجيكي في التراجع والتقهقر حتى أنه فشل في الوصول إلى بطولة أمم أوروبا منذ عام 1984 حتى شاركت بلجيكا في تنظيمها عام 2000 بالشراكة مع هولندا. ولم تستطع حينها تخطي دور المجموعات وغابت عن كأسي عالم 2006 و 2010 على التوالي. أما باقي مشاركاتها الدولية من بعد كأس العالم 1986 فكانت على سبيل التمثيل المشرف لا أكثر. بعد ذلك صار المنتخب البلجيكي من صغار القوم على المستوى الأوروبي، وكانت منتخبات أوروبا الكبيرة تتمنى وجوده في مجموعتها حتى تضمن نقاط الفوز السهلة. وحتى وقت قريب لم يكن يتوسم أي عودة للمنتخب البلجيكي.


تكوين فريق واعد

الأيام دُولٌ ولا شيء دائم. وتلك الجلدة دائرية الشكل متقلبة المزاج. ولهذا انتفضت الكرة البلجيكية انتفاضة قوية، وانفجر من داخلها شلال من المواهب والنجوم قادر على مقارعة الكبار وإحراجهم والتغلب عليهم أيضًا. جيل تم الاعتناء به منذ نعومة أظافره حتى يصل إلى هذه اللحظة. لوكاكو.. هازارد .. كورتوا .. ميرتينز .. أوريجي .. نايجولان .. بينتكي، وباقي الكتيبة البلجيكية التي تنتمي إلى الجيل الذي بدأت تتضح ملامحه في نهائيات كأس العالم 2014 عندما استطاع الوصول إلى ربع النهائي بعد أداء متميز في دور المجموعات وأداء رائع في دور ثمن النهائي أمام المنتخب الأمريكي. لكنه واجه مرة أخرى المنتخب الأرجنتيني الذي استطاع التغلب عليهم بهدف نظيف ليكمل مسيرته إلى النهائي بعد ذلك. لكن عثرة الخروج من المونديال لم تعطل مسيرة بلجيكا، ولم توقفهم كثيرًا. فأكملوا المسير بعد ذلك، واستمرت انتصارات المنتخب على الصعيد الأوروبي. حتى اعتلوا قمة التصنيف العالمي لكرة القدم لأول مرة في التاريخ في الخامس من نوفمبر عام 2015، لتكون لحظة تتويج لمجهودات كثيرة.

بلجيكا - كومباني
صعود المنتخب البلجيكي من الترتيب 66 إلى المرتبة الأولى في زمن لا يتجاوز الستة أعوام. – نقلاً عن موقع Skysports.com

الخطوة الأولى

أيًا كان ما ننفذه الآن، فإنه غير ناجح.

يقولها «ميشيل سابلون» مرة أخرى. لكن هذه المرة عندما كان مديرًا فنيًا لاتحاد كرة القدم ببلجيكا. ذلك البلد الذي يصل تعداد سكانه إلى 11 مليون نسمة، يوجد بها 34 ناديًا يتنافسون في درجتين فقط. ويبدو أن هذا النظام لن يتغير قريبًا، حيث أن طموح الأندية ليس كبيرًا والعوائد المالية من لعب المباريات ليست بتلك الكمية الكبيرة. ولم تكن تلوح في الأفق أي بادرة تطوير أو تحسين للوضع الكروي في بليجكا. لكن رجلًا واحدًا كانت الأفكار تتصارع في رأسه، كان يحلم برسم مستقبل لمنتخب بلاده. وكان يرى ما هو أبعد مما تحت قدميه، كان يؤمن بأن الفلسفة الحالية التي تطبق لا بد أن ترحل وتأتي فلسفة جديدة برؤية مختلفة. هذا الرجل هو ميشيل سابلون. لا أعتقد أن الاسم مشهور عندكم أو مألوف لآذانكم. حيث أن سابلون لم يعدُ كونه لاعبًا مغمورًا. ثم كان أحد أعضاء الطاقم الفني البلجيكي بعد ذلك. هذا الرجل كان أول من رأى حتمية التغيير والثورة على الوضع القائم في الكرة البلجيكية. تم تعيين سابلون في منصب المدير الفني للاتحاد البلجيكي لكرة القدم في عام 2001 أي بعد مشاركة بلجيكا في تنظيم يورو 2000، عمل سابلون جاهدًا على أن يتم تخصيص مبلغ مالي من عائدات الاستضافة من أجل تطوير نظم تدريب الشباب وهو ما قد حدث بالفعل.

ميشيل سابلون أثناء تنظيم بلجيكا يورو 2000
ميشيل سابلون أثناء تنظيم بلجيكا يورو 2000

بالإضافة إلى ذلك، فقد تم إنشاء مجمع كروي شامل وجعل الدورات التدريبية التمهيدية مجانية. مما ساهم في ارتفاع عدد المدربين الجدد وانتشرت ثقافة التدريب في البلاد بشكل ملحوظ. لكن التغيير الأهم الذي قام به سابلون والذي استطاع فرضه على الكرة البلجيكية بأسرها هو عملية التحول من طريقة لعب 4-4-2 أو 5-3-2 إلى 4-3-3. هذا التحول ليس مجرد تحول بسيط في طريقة اللعب الأنسب التي تضمن الفوز بل هي رؤية فلسفية خاصة بكرة القدم تعتمد على الكرة الجميلة الممتعة، كرة قدم لا تُعنى كثيرًا بالنتائج بقدر ما تهتم بالكرة في حد ذاتها، على الأقل هكذا كان يراها سابلون. حيث إن أنت احترمت الكرة وقدمت النسخة الأفضل، فإنها بالتأكيد ستقوم بإنصافك.

وبالفعل قام سابلون بإلغاء نتائج مباريات الفئات العمرية الصغرى. وأصدر أوامره للأندية بالتركيز على تطوير الأداء. وفي نفس السياق استقطب جامعة لوفيان من أجل عمل دراسة وبحث عن كرة القدم بين الشباب في بلجيكا. قامت الجامعة بتصوير قرابة الألف وخمسائة مباراة في بين فئات عمرية مختلفة. وكان مما أكدته الدراسة هي أن المدربين لا يهتمون بالأداء بقدر اهتمامهم بالنتيجة وهو ما أكد وجهة نظر سابلون في قراره بإلغاء النتائج. لم يخف أيضًا مهندس النهضة تأثره الواضح بالفلسفة الفرنسية والهولندية الكروية. حيث كانت حينها فرنسا بطلة لكأس العالم عام 1998 ويورو 2000. كانت القوة البدنية الفرنسية والتفاني والقتالية في الأداء أكثر ما أعجبه في فرنسا. أما هولندا بالنسبة له فكانت هي المرجعية الكروية الأساسية حيث أنها رمز للكرة الجميلة التي تلعب من أجل المتعة. لكن النسخة الهولندية الأفضل كما يراها سابلون كانت النسخة الحاضرة في كتالونية حيث فريق برشلونة. كما رفض سابلون فكرة «الفوز بأي طريقة ممكنة»، وكان يميل دائمًا إلى الكرة الشاملة التي تصنع الفارق في الملعب وفي أذهان الجميع.

أثمرت مجهودات سابلون في النهاية في برنامج «G-A-G» أو Global-Analytique-Global وهو دمج بين الكفاءة الفرنسية والقوة البدنية الهولندية.


صعود وهبوط ثم نتيجة جيدة

بالطبع لم تكن كل الأمور تسير على ما يرام، بل إن الرجل تعرض إلى حملات شرسة من الجماهير ووسائل الإعلام والشارع الرياضي بأكمله عندما فشلت بلجيكا في التأهل لنهائيات كأس العالم 2002 و2006. لكن الرجل أصر على موقفه، وبرر ما يحدث حينذاك بأنها ضريبة التحول المتأخر. وأن كل شيء سيصبح في طريقه الصحيح قريبًا. ولكن يجب الاستمرار في هذا المسار حتى تؤتي ثماره أكلها. وبالفعل استمر سابلون رغم يأس اتحاد الكرة البلجيكي من مشروعه.

ولم يكن سابلون هو المغامر الوحيد في هذه اللعبة. بل كان معه أيضًا المدرب في جميع الفئات العمرية للمنتخب البلجيكي «بوب بروايز». كانا كتفًا بكتف ويدًا بيد طوال المشوار. وكان بروايز هو الذراع المنفذ لخطط ميشيل في منتخبات الشباب البلجيكية. ويصف هذه التجربة قائلاً:

إنه تحول هائل وصعب لكننا آمنا بــ 4-3-3 ورأيناها في تلك اللحظة كأقوى وأفضل بيئة تعليمية من أجل لاعبينا.

جزء آخر من المنظومة البلجيكية في التركيز على الشباب يقع في الحالة الاقتصادية. فالدوري البلجيكي متوسط المستوى، حيث 32 فريقًا يمثلون 11 مليون مواطن. وعائدات البث تبلغ 14.9 مليون يورو يتم توزيعها على الأندية، بينما في إنجلترا تصل عائدات البث إلى 1.2 مليار يورو وفي نفس الوقت فإن الأندية البلجيكية مطالبة بمنافسة الأندية الإنجليزية في البطولات الأوروبية. فلا يصبح أمامها سوى اللجوء إلى الاستعانة بالشباب والتركيز على تنميتهم حتى يستطيعون بيعهم في المستقبل بأسعار كبيرة تساعد في استمرارية النادي. حيث أن الدخول في منافسة مادية على لاعبين من الدوريات الأوروبية الأربع الكبرى هو درب من الخيال. وبهذه الطريقة استطاع نادي جينك، بعد صفقتي بيع «كورتوا» و«دي بروين»، بناء دور إضافي في المجمع التدريبي بفضل تلك الأموال.

يمكننا أن نرى هنا ما قام به نادي جينك، الذي استنسخ فكرة أكاديمية نادي أياكس الهواندي للشباب. وهي الأكاديمية العريقة والمشهورة بلاعبيها الشباب الذين يخرجون منها ليصبحوا نجومًا فيما بعد. لذا فقد تم استنساخها من أجل تطوير مستوى النادي بشكل كبير ومحاولة زيادة العوائد المادية. وقد تكللت هذه المجهودات بالنجاح في عام 2011 عندما فاز النادي بالدوري البلجيكي الممتاز. بالإضافة الى إخراجه عددًا من المواهب الناجحة، ومن أهمهم مهاجم ليفربول الحالي «كريستيان بنتيكي» وصانع ألعاب مانشستر سيتي «كيفن دي بروين» وحارس المنتخب البلجيكي ونادي تشيلسي «كورتوا».

عامل آخر هام في نهضة بلجيكا الكروية،يتمثل في المهاجرين. عندما تنظر إلى المنتخب البلجيكي المتواجد على أرضية الميدان مهما كانت اختيارات المدرب، ستكتشف بسهولة بالغة تعدد الأعراق والجنسيات. هذا التنوع نتيجة لموجات الهجرة التي بدأت في نهاية 1960 والتي ما زالت مستمرة حتى الآن. حيث وصلت نسبة المهاجرين داخل المجتمع البلجيكي إلى 20 % من تعداد السكان. فالمنتخب الآن ما هو إلّا مرآة للمجتمع البلجيكي، ومؤسسة الكرة تحاول أن توفر أقصى معدلات العدالة في إعطاء الفرصة للكروية للجميع. فترى المنتخب لاعبين أصولهم تعود إلى المغرب والكونغو وإندونيسيا وألبانيا.

وبالنظر الآن إلى قائمة المنتخب البلجيكي الآن، سنرى بوضوح أن خطة سابلون قد نجحت في إخرج جيل من اللاعبين قادر على تحقيق إنجاز تاريخي للدولة الصغيرة. فبحسبة بسيطة سنجد أنفسنا قادرين على وضع تشكيل بلجيكية قيمتها السوقية تصل إلى ما مقداره 330 مليون يورو. إضافة إلى تهافت الأندية على المواهب البلجيكية الصاعدة.

القيمة السوقية لمنتخب بلجيكا – يورو 2016


اللمسة الأخيرة

القيمة السوقية لمنتخب بلجيكا - يورو 2016
القيمة السوقية لمنتخب بلجيكا – يورو 2016

ما قام به سابلون وبلجيكا معًا هو أمر أسطوري بالفعل،وهو درس للجميع أيضًا يقول أن الكرة لا تعترف سوى بالعمل والكفاح والإبداع والرؤية وأن التاريخ يتغير، فأسياد الغد هم صغار الأمس، ومن سره زمن ساءته أزمان – داخل المستطيل -. إذن ما الذي ينقص منتخب بلجيكا من أجل بلوغ منصات التتويج؟

هذا هو السؤال الملح خاصة بعد البداية الهزيلة أمام المنتخب الإيطالي. والحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال تقع في جانب اتحاد الكرة هناك واختياره للمدرب الذي يقود المنتخب، المدرب هو الذي يضفي بصمته الخاصة وفكره وشخصيته على الفريق. وهو من يقود الفريق وليس العكس. وهو ما فشل فيه «مارك فيلموتس» المدرب منذ مايو 2012. الذي لم يستطع أن يثبت دوره كمدرب قادر على إعطاء شخصية للفريق. أو حتى أن يعطي إشارات أنه قادر على ذلك. فعضو مجلس الشيوخ البلجيكي والمدرب في نفس الوقت بدا عاجزًا اليوم عن فعل أي شيء أمام المنتخب الإيطالي. الذي يستطيع أقل المتابعين اطلاعًا أن يعرف بسهولة أنه يعاني وأن الجيل الإيطالي الحالي فقير كرويًا وضعيف وليس به نجوم من الصف الأول. ومع ذلك انهزم أمامه بهدفين نظيفين وظهر المنتخب البلجيكي بحُلة رثة وأداء باهت.

وهنا يأتي السؤال الأخير الذي تجيب عنه الأيام القادمة: إلى أين تسطيع بلجيكا أن تصل في يورو 2016 تحت قيادة فيلموتس؟