رغم انبهار لجنة التحكيم بأدائها وعذوبة صوتها، إلا أن الفتاة «منال ابتسام» الفرنسية من أصل سوري، لم تتمكن من الاستمرار في برنامج المواهب الغنائية «ذا فويس» بنسخته الفرنسية. السبب كان واضحًا.. ارتداؤها الحجاب واتهامها بالإرهاب عبر النبش في عالمها الأزرق ونشر بعض التغريدات التي كتبتها قبل سنوات وتُظهر «دعمها للإرهاب» على حد زعمهم، منها على سبيل المثال لا الحصر تغريدة كتبتها بتاريخ 1 أغسطس/آب 2016 في أعقاب عملية ذبح القس جاك آميل أثناء اعتداء إرهابي ببلدة سانت تيان دي روفراي، اتهمت فيها الحكومة بالإرهاب قائلة: «الإرهابي الحقيقي هو حكومتنا».

وأدى ظهور الفتاة بالحجاب على القناة الفرنسية الأولى TF1، وهي قناة عمومية إلى استفزاز بعض النخب الفرنسية التي اتهمتها بالتطرف والترويج للحجاب، إذ يرى البعض أن ظهورها وبقاءها في برنامج ذا فويس تهديدًا واضحًا على علمانية الدولة.

المعارضون لمنال لم يروا في حجابها معتقدًا دينيًا كفله لها قانون 1905، بل رأوا الهوية السياسية التي يخشونها، وافترضوا أنها تُروج للتطرف والإرهاب. وفي ظل الضغوطات التي تعرضت لها الفتاة ذات الـ 22 ربيعًا بعد اجتيازها مرحلة الاختبار الأول، قررت الانسحاب، مُخلفة وراءها أسئلة كبيرة حول المرأة المسلمة في فرنسا ومدى قبولها في المجتمع العلماني الفرنسي.

https://www.youtube.com/watch?v=38npWpEbXnc

لماذا تكره فرنسا الحجاب؟

بالعودة إلى أتون التاريخ الفرنسي، نجد أنه يضع المسيحية معيارًا للممارسة الدينية، ويُشير إلى ضرورة اتفاق الناس الذين يعيشون معًا على قيم أساسية تكون فيها الغلبة للمصالح الجماعية بعيدًا عن المصالح الفردية، وهو ما عبر عنه الكاتب «جون بوين» في كتابه «لماذا تكره فرنسا الحجاب: الإسلام والدولة والمجال العام».

حيث أشار إلى تبني المؤسسات والسياسات الفرنسية لفكرة المصالح الجماعية، عبر تعليم القادمين الجدد إلى فرنسا طرقًا معينة من التصرف والتفكير تؤهلهم ليكونوا مواطنين فرنسيين، وفي ذات الوقت تتماهى مع النموذج السياسي الفرنسي القائم في جوهره على الدمج و«اللائكية»، والتي تُفضي إلى تقويض حدود المعتقدات والممارسات الدينية في فضاء محدود وبنايات مُخصصة لها بما لا يُشكل انتهاكًا للمجال العام، الذي يكون محايدًا حيال الدين، فيُمكَّن الفرد من الدخول إليه كمواطن فقط متجردًا من سماته الفردية جميعها.

لكن بوين في كتابه يرى أن ذلك التقويض قد يغض الطرف عنه لأصحاب الديانة المسيحية، فقد يتم تجاهل وجود الصلبان والكنائس باعتبارها جزءًا من التاريخ الفرنسي بعكس الهلال والمسجد، الذي يحمل برأيهم تهديدًا محتملًا للأفكار الجمهورية عن الصالح العام.

ويفسر قانون 1905 تاريخ العلمانية الفرنسية؛ إذ منح وقتها مكانة خاصة للأديان رغم عدم اعترافه بأي ديانة، بما يُشير إلى كفالة الجمهورية حرية المعتقد للجميع، لكنه في وقتٍ لاحق أصابها بندوب أظهرت عدم حياد الدولة حيال المجال الديني خاصة قضية الحجاب، الذي أُقر بحظره في المدارس الفرنسية عام 1989، ومن ثَمَّ اعتبر تهديدًا للأفكار الجمهورية خاصة في ظل ازدياد أعداد النساء اللاتي يرتدينه في المدارس، ما دعا الحكومة إلى إصدار قانون آخر أشد صرامة في عام 2004 يقضي بحظر ارتداء الرموز الدينية بما فيها الحجاب داخل المدارس والمعاهد الحكومية، وفي وقت لاحق تم إصدار قانون 1192 في عام 2010 ليحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة.

وفي تفسير سامي براهم الباحث في الحضارة الإسلامية، لتعامل الفرنسيين مع المسلمات المحجبات بمزيد من الحنق، يقول إنه «نتيجة لأزمة الهوية التي تعيشها فرنسا في أعقاب ما تم التعاقد عليه في قانون 1905»، وتساءل حول حقيقة الفصل بين الدولة والدين التي جاءت في القانون آنف الذكر.

وفي السياق ذاته يوضح أن قضية الحجاب ورفضه في الفضاء العام الفرنسي يتعلق بموقف نسوي تجاهه، خاصة وأن الحركات النسوية سواء الغربية وحتى العربية، تملك نظرة دونية تجاه الحجاب، باعتباره إهانة واحتقارًا للمرأة واختزالًا لها في البعد الجسدي، وقلما يُسمح في الغرب للمحجبات بالتعبير عن أنفسهن وتقديم نظرة مخالفة.

ويرى «براهم» أن الديانات والثقافات المتعددة التي تحويها فرنسا تُشير إلى أن ما يتعرض له المسلمون عمومًا في فرنسا بمثابة أزمة هوية أكثر من كونه أزمة تطرف رغم وجود العنصرية ضد المسلمين، بسبب كثافة الجالية المسلمة وتعلقها بالعديد من القضايا على الساحة العربية وأهمها قضية فلسطين.


معاناة مستمرة بسبب الحجاب

تلك القوانين لم تمنع إدماج المرأة المحجبة في المجتمع الفرنسي لكنها أبقتها في دائرة المعاناة والألم، فهي لم تستطع التمتع بأبجديات العيش وفقًا لمفاهيم حرية الاعتقاد التي كفلتها الجمهورية للجميع، واصطدمت بالمجال الديني العام.

ففي الشوارع تُرمق بنظرة دونية، إذ يعتبرها أغلب الفرنسيين امرأة جاهلة، لا تُجيد عمل أي شيء سوى العيش على مساعدات الدولة، ويعتقدون أنها مُجبرة من قبل الزوج أو الأب على ارتداء الحجاب.

بحسب شهادات مسلمات محجبات في فرنسا حدثتهم «إضاءات» عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ فقد واجهن مصاعب جمّة في التفاعل والقبول المجتمعي لهن، خاصة بعد الأحداث الدامية في عام 2015. إحداهن ذكرت أن مسلمي فرنسا دفعوا ثمنًا غاليًا بعد إقرار حالة الطوارئ التي أعقبت الاعتداءات الإرهابية، من اعتقالات وإقامات جبرية وتهديدات وعنف في الشوارع والمرافق العامة، خاصة تجاه النساء اللاتي ترتدين الحجاب، وقالت:

على المستوى الشخصي تعرضت لعنف لفظي وجسدي من مجموعة شباب فرنسيين كادوا أن يخلعوا حجابي أثناء مروري بجانبهم في الشارع، وراحوا يشتمون حجابي وإسلامي ووصفوني بالإرهابية.

وبيّنت أن تلك التصرفات العنصرية كانت مُؤيَدة من الحكومة ومسئوليها، الذين كانوا يصفون النساء المحجبات بـ «العبيد السود» وأنهن يفضلن «الاستعباد».

ويبدو أن ذلك لم يكن ضربًا من خيال السيدة، بل واقعًا وتصريحات تناقلتها وسائل الإعلام خلال العام 2016 لوزيرة حقوق المرأة الفرنسية السابقة «لورانس روزينيو»، تؤكد فيها أن النساء المحجبات يفضلن العبودية وأنهن متشددات في الدفاع عن الإسلام السياسي، كما اتهمت دور الأزياء التي تُقدم ملابس مخصصة للنساء المحجبات بالترويج للتصالح مع ما سمته «قمع لأجساد النساء»؛ أي الحجاب.

وفي سياق متصل لأوجه المعاناة التي يلقاها مسلمو فرنسا تُشير «مليكة»، وهي مسلمة من أصول مغاربية تجاوز عمرها الـ 35 عامًا، أن السلطات الفرنسية، وبعد الاعتداءات الإرهابية، أقدمت على إغلاق المساجد في الضواحي، ولم تسمح ببناء مساجد أخرى، وكان الاحتجاج والتظاهر بشكل سلمي ضد تلك التصرفات سببًا كافيًا للحكومة لإعمال الاعتقال وتكثيف الاعتداء بالضرب على المتظاهرين الذين أخلوا بالنظام العام وخرجوا من بوتقة المجموعة الوطنية.

وفي حادثة أخرى تؤكد أنها في إحدى زياراتها لطبيب الأسنان دار بينهما حديث حول الحجاب، وأخبرها بمعارضته الشديدة له، وأن الأولى بها خلعه احترامًا للدولة التي منحتها الحياة في أرجائها، ولما جادلته باقتناعها وإيمانها بالحجاب، أبلغ عنها الشرطة الفرنسية امتثالًا لتصريحات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في مواجهة الإرهاب –كما قالت.

وقد سجّل المرصد الوطني لمكافحة الخوف من الإسلام زيادة قدرها 281% في هذا النوع من الهجمات في الربع الأول من عام 2015، مقارنة بالأشهر الثلاثة نفسها من عام 2014.

وتعيش في فرنسا أكبر نسبة من المسلمين في غرب أوروبا، حيث يشكل المسلمون 9% من إجمالي السكان البالغ عددهم نحو 65 مليون نسمة، وينحدر غالبية المسلمين الفرنسيين من أصول مغاربية.


محاربة في سوق العمل

على صعيد العمل في الدوائر والمؤسسات الحكومية، لا يُمكن لامرأة محجبة الاندماج والعمل وفقًا للقوانين الحديثة التي تمنع إظهار الرموز الدينية. تقول هبة أبو سيدو، فلسطينية مغتربة في فرنسا منذ أكثر من 17 عامًا، إن المرأة المحجبة تعاني عذابًا حقيقيًا أثناء المقابلة الوظيفية، وتُشير إلى تجربتها الشخصية، فكثير من المؤسسات ترفض أن تستوعب بين موظفيها سيدة محجبة، رغم أن القانون يحظر على الشركات التمييز عند التوظيف حسب الدين أو الجنس أو أي اعتبار آخر غير الكفاءات، وتُضيف:

الممارسة على الأرض مخالفة للقوانين، والكثير من النساء المتعلمات والحاصلات على شهادات علمية رفيعة يُحرمن من العمل فقط من أجل مظهرهن وارتدائهن الحجاب.

وترفض السيدة أبو سيدو نزع الحجاب من أجل الحصول على فرصة عمل؛ لأن ذلك يتنافى مع دينها ومعتقداتها الإسلامية.ويبدو أن الحكومة الفرنسية تستخدم العلمانية سلاحًا لإقصاء النساء المحجبات من سوق العمل، ولحرمانهن من الظهور كقوة فاعلة في المجتمع الفرنسي- وفق تقديرها.

ومن ناحيتها تُشير السيدة «خديجة» 34 عامًا، وهي مغربية فرنسية وحاصلة على شهادة الهندسة، إلى أنها اضطرت بعد ارتدائها الحجاب إلى الاستقالة من وظيفتها بسبب رفض مدير الشركة التي تعمل بها لحجابها، تقول:

كان حجابي مفاجئًا لمديري في العمل، وسرعان ما أخبرني بعدم إمكانية استمراري بالحجاب طالبًا مني نزعه.

رفضت خديجة الانصياع لأمر مديرها بنزع الحجاب، وكانت النتيجة أن سُرحت من العمل، وحتى الآن لم تحظَ بفرصة عمل أخرى بسبب ارتدائها الحجاب، وفي كل مقابلة توظيف كانت تُسأل هل ستنزعين حجابك إذا بدأت العمل؟

تقول بعد محاولات رفض كثيرة استطاعت الحصول على عمل من البيت في مجال الرسم الهندسي وتحليل البيانات، لكن عائده المادي أقل بكثير من سابقه، لكنها غير مكترثة لذلك فيكفيها أن تكون متصالحة مع ذاتها ومنسجمة شكلًا ومضمونًا مع تعاليم دينها الوسطي.