محتوى مترجم
المصدر
LITERARY HUB
التاريخ
2016/11/28
الكاتب
Emily Temple

بعد عمر ناهز التسعين، توفي الزعيم الثوري الكوبي سيئ السمعة ومديد العمر فيدل كاسترو يوم جمعة إثر مرض طويل، تاركًا خلفه إرثًا معقدًا. يرى البعض فيه بطل تحرير بينما يراه البعض الآخر ديكتاتورًا لا يرحم. لكن أيًا ما كان، يبدو أنه كان قارئًا متعطشًا. وصف جابرييل جارسيا ماركيز علاقتهما بـ«الصداقة الفكرية» ذات مرة.

ارتبطت أخبار كاسترو بعدد من أعلام الأدب على مر السنين، بدرجات متفاوتة من الأهمية، ناهيك عن الصحة. وفيما يلي تاريخ موجز لعلاقات كاسترو ببعض أشهر كتاب عصرنا، سواء الجيدة منها أو السيئة أو المختلقة.

همنجواي: الصداقة المختلقة

من الشائع أن فيدل كاسترو وإرنست همنجواي كانا صديقين. فقط ألقِ نظرة على كل تلك الصور الدافئة لهما، أليس كذلك؟ حسنًا، الحقيقة هي أن جميع هذه الصور الدافئة قد التقطت في يوم واحد، لأنه اليوم الوحيد الذي التقيا فيه، كما أنهما لم يتبادلا الكثير من العبارات حتى.

مثلما أوضح جاكوبو تيمرمان في مجلة ذا نيويوركر:

لم يعتبر الثوار همنجواي شريكًا في الأفكار أو الأهداف قط؛ لم يكن يهتم كثيرًا بكوبا … على الرغم من عدم ذكر ذلك صراحة أبدًا، فالسائح يصله ذلك الانطباع بأن همنجواي كان داعمًا لفيدل كاسترو، بأن الكاتب جزء من الثورة. أما الحقيقة فهي … أن النظام لم ينجح قط في إقامة صلة قوية بين همنغواي وكاسترو.

ماذا عن كل تلك الصور؟ لقد التقطت جميعًا في يوم واحد من مايو 1960، عندما أقيمت مسابقة صيد على شرف همنغواي. يقول تيمرمان:

ثمة صور عديدة لهذا اللقاء، لكن لا شيء يستحق الذكر من بين الكلمات المتبادلة أمام الشهود. إذ كانت مجرد شكليات في واقع الأمر.

في الواقع، لعل أغلبها كانت محاولة من همنجواي لإقناع كاسترو بعدم مصادرة أرضه.

لذا عند زيارتك كوبا، تذكر أن كل ما يخص همنجواي وكاسترو هو مجرد طعم سياحي (أو قل: المال). دون أن يمنعك ذلك من الاستمتاع بمشروب الموخيتو اللذيذ.

نيرودا: خيانة الشيوعية

والآن إلى علاقة صداقة كان يمكن لها أن تنشأ، أو لعله كان يجب لها أن تنشأ، لكنها لم تكن. كان بابلو نيرودا الشيوعي (حتى أنه كان عضوًا لفترة وجيزة في مجلس الشيوخ عن الحزب الشيوعي الشيلي) من كبار المعجبين بفيدل كاسترو، كما كان عاشقًا متيمًا بكوبا بشكل عام. وفي عام 1959، زار نيرودا البلاد والتقى كاسترو صاحب السلطة الجديدة في كاراكاس. يقول نيرودا في مذكراته:

تحدث فيدل أربع ساعات متواصلة في ساحة إل سيلينسيو الضخمة، بقلب كاراكاس. كنت واحد من 200.000 شخص استمعوا إلى هذا الخطاب الطويل دون نطق كلمة. بالنسبة إلي، وبالنسبة إلى عديدين آخرين، كانت خطابات فيدل وحيًا. حين سمعته يخاطب الحشد، أدركت أن عصرًا جديدًا قد سطعت شمسه في أمريكا اللاتينية. لقد أحببت نضارة لغته. حتى أفضل قادة العمال والسياسيين يعزفون نفس النغمات المكررة، التي قد يكون محتواها صحيحًا، على الرغم من أن الكلمات قد بليت من كثرة التكرار. تجاهل فيدل مثل هذه الأنغام. كانت لغته وعظية لكنها طبيعية. لقد بدا أنه نفسه يتعلم بينما يواصل الحديث والتعليم.

في وقت لاحق، وصف نيرودا لقاءً سريًا عقده مع كاسترو قائلًا:

كان أطول قامة مني، وقد توجه إلى بخطوات سريعة.
«أهلا بابلو!» قالها واحتضنني مستوعبًا إياي.
فاجأتني نبرة صوته الطفولية الشبيهة بآلات النفخ الخشبية، كما كان في مظهره ما يتطابق مع تلك النبرة.
لم يترك فيدل انطباعًا بكونه رجلًا ناضجًا، بل صبيًا متضخمًا ارتفعت ساقاه فجأة قبل أن يفقد وجهه الطفولي ولحيته غير المكتملة بعد.
أنهى العناق بهدوء، وبدأ الحركة، إذ قام بنصف دورة متجهًا بحزم نحو زاوية الغرفة. لاحظت ساعتها فقط المصور الصحفي الذي تسلل إلى المكان وهو مصوب الكاميرا جهتنا من الزاوية. تعامل معه فيدل بسرعة. رأيته يمسك بعنق الرجل ويرجه. سقطت الكاميرا على الأرض. ذهبت إلى فيدل وأمسكت ذراعه، مذعورًا من مشهد المصور الضئيل الذي يكافح بلا جدوى. لكن فيدل دفعه نحو الباب فاختفى. ثم عاد لي مبتسمًا، والتقط الكاميرا من على الأرض ملقيًا بها على السرير.

في عام 1960 نشر نيرودا ديوانه «أنشودة البطولة»، وهي مجموعة تضم قصيدة «فيدل كاسترو»، التي تبدو -بالنسبة إلي على الأقل- رسالة دعم قوية للزعيم.

لكن جاء عام 1966، بعد زيارة نيرودا للولايات المتحدة (ودولة بيرو المناهضة لكاسترو)، أدارت كوبا ظهرها له. إذ نشرت مجموعة من المثقفين الكوبيين في يوليو من ذلك العام، بناءً على أوامر كاسترو حسبما قيل، بيانًا عامًا لاذعًا يدين نيرودا لخيانة مبادئهم الشيوعية بعد ارتباطه بالعدو. وفقًا لكاتب السيرة آدم فاينشتاين، شعر نيرودا أن سبب كتابة الرسالة كان «عدم تقبل كاسترو لتحذير وحيد وجهه على استحياء [في قصيدته «فيدل كاسترو»] إلى الزعيم الكوبي، إذ طلب منه تجنب التحول إلى صنم يعبد، لكن بعبارة أقل حدة بكثير.» شعر نيرودا بالإهانة والغضب، وبأن كاسترو يكرهه شخصيًا، فلم يعد إلى كوبا، على الرغم من تسلمه دعوة بعد ذلك بسنتين فقط.

ماركيز: الصداقة في زمن الثورة

أما هذان فكانا في الواقع أصدقاء، بل أصدقاء مقربين.

قال جابرييل جارسيا ماركيز لصحفي عام 1977:

فيدل أحلى رجل أعرفه.

وأعلنها كاسترو مرة:

إن جارسيا ماركيز لهو أقوى رجل في أمريكا اللاتينية.

التقى ماركيز وكاسترو لأول مرة عام 1959، لكنهما تصادقا بعد نشر مائة عام من العزلة، التي أعجب بها كاسترو.

صار الاثنان مقربين إلى درجة أن كاسترو كان يقرأ جميع مخطوطات ماركيز قبل نشرها. وفقًا لكتاب عن صداقتهما، علل ماركيز في حواره مع «بلاي بوي» الأمر بالتالي:

إنه قارئ ممتاز، ولديه قدرة مدهشة حقًا على التركيز، كما أنه حذر جدًا. سرعان ما يجد التناقضات في عديد من الكتب التي يقرأها، وهو يتنقل من صفحة إلى أخرى. … يشعر المرء بأنه يحب عالم الأدب حقًا، ويجد الراحة فيه، ويستمتع بكتابة خطاباته بعناية شديدة، والتي زادت وتيرتها جدًا. ذات مرة، بشيء من الحزن السوداوي، قال لي: «أود لو أغدو كاتبًا في حياتي التالية».

لا شك أن ماركيز قد طاله الضرر على مر السنين بسبب صداقته مع كاسترو. يعتقد البعض أن صداقتهما كانت النقطة السوداء الوحيدة ضمن حياة فكرية رائعة. على الرغم من تأكيد البعض الآخر على أنه «شذب بعض حوافر كاسترو الأكثر حدية» عندما تطلب الأمر ذلك.