محتوى مترجم
المصدر
Rivers of Babylon
التاريخ
2015/08/23
الكاتب
مكاد الجابري، ونورمان ريكليفس، وروبرت تولاست

يجف حوض نهري دجلة والفرات، الذي يغذي سوريا والعراق، بشكل سريع. وتكافح هذه المنطقة الشاسعة لدعم عشرة ملايين شخص على الأقل من النازحين نتيجة الصراع. وقد تسوء الأمور أكثر في وقت قريب؛ إن العراق يصل إلى نقطة الأزمة.

لفهم العواقب، انظر إلى ما هو أبعد من سوريا. على الرغم من أن الإجهاد المائي ليس السبب الوحيد بالتأكيد للصراع هناك، فإنه قد ساعد بلا شك على تأجيج الحرب الأهلية. بحلول عام 2011، أدى فساد المحاصيل بسبب الجفاف إلى دفع ما يصل إلى 1.5 مليون مزارع نازح إلى التخلي عن أراضيهم، وقد أصبح النازحون منبعًا من المجندين للجيش السوري الحر ومجموعات من قبيل الدولة الإسلامية (وتسمى أيضًا داعش) وتنظيم القاعدة.

وتشير شهادات جمعها صحفيون ونشطاء في مناطق النزاع إلى أن عدم قيام الحكومة بتقديم المساعدة خلال فترة الجفاف كان عاملًا محفزًا رئيسًا في التمرد ضد الحكومة. وعلاوة على ذلك، أظهرت دراسة ترجع إلى عام 2011 أن معاقل المتمردين اليوم في حلب ودير الزور والرقة، التي كانت من بين المناطق الأكثر تضررًا من فساد المحاصيل.

وبعبارة أخرى، لقد غيّر الجفاف المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في سوريا. ويمكن أن يكون العراق، الذي يعاني بالفعل من تنظيم الدولة الإسلامية والتوتر الطائفي، البلد التالي.


العطش في سوريا

قبل اندلاع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في سوريا في عام 2011، كان المراقبون على وعي بالآثار الخطيرة التي يمكن أن تنجم عن فساد المحاصيل. وفي عام 2006، توقعت برقية مسربة لوزارة الخارجية الأمريكية أن «أزمة المياه الناشئة في سوريا تحمل احتمالات التذبذب الاقتصادي الشديد بل والاضطرابات الاجتماعية والسياسية». ويعد هذا التسريب بمثابة التحذير الواضح.

الدور الذي تلعبه تركيا بشأن انعدام الأمن المائي في العراق وسوريا مقلق حيث أنها تُعد موطنا لمنابع نهري دجلة والفرات

على الرغم من خسارته 1.6 مليون طن من الحبوب بسبب تنظيم الدولة الإسلامية واستهلاكه 2.5 مليون طن أكثر مما يمكنه أن ينتج، يخطط العراق ليصبح مصدرًا للحبوب بحلول عام 2017. ويعكس هذا بشكل وثيق طموح سوريا في توقيت تسريب عام 2006؛ في تلك السنوات، أعربت دمشق عن أملها في زيادة كبيرة في الإنتاج الزراعي كجزء من خطة التنويع الاقتصادي.

وكانت سوريا قد ضاعفت بالفعل من الأراضي المروية في السنوات الـ 15 السابقة، وتوقعت الخطة الخمسية لعام 2006 حدوث زيادات أخرى في الأراضي. وفي التسريب، لاحظ مسؤولو السفارة أن خبراء الزراعة يعتقدون أن الطلب على المياه المتزايد في سوريا يفوق المياه المتوفرة.

ربما كان يمكن التحكم في التوسع الزراعي في سوريا إذا كان ثمة قابلية لتطبيق أساليب ري فعالة. ولدعم الخطة الخمسية، كانت سوريا قد خططت لزيادة الري بالتنقيط والطرق الأخرى الأكثر كفاءة، ولكن ثبت أن ذلك كان طموحًا جدًا. وقد أشار تسريب وزارة الخارجية إلى أن الخبراء الزراعيين قد حذروا من أن المزارعين سيجدون صعوبات في التكيف بسرعة مع التكنولوجيا الجديدة. وهو الأمر الذي ثبتت صحته. والأسوأ من ذلك أنه بمجرد أن تم تنفيذ الخطط، تعرضت سوريا للجفاف الشديد.

بحلول عام 2011، انخفضت غلة القمح بنسبة تزيد على الـ 50 في المئة. وماتت الكثير من المواشي في البلاد، مما أثر على مئات الآلاف من العاملين في هذا الميدان والمزارعين. وكان مخزون الطوارئ من القمح قد نفد، وبالنسبة للبعض، كان الخيار الوحيد المتبقي هو الانضمام إلى المتمردين، كما أورد الصحفي توم فريدمان.

إذا بدا كل ذلك مثيرًا للقلق، انتبه إلى أنه بحلول عام 2025 يمكن أن يكون حوض نهري دجلة والفرات تحت ضغط أكثر لثماني مرات مما كان عليه في عام 2011. وبحلول عام 2040، قد لا يصل هذان النهاران العظيمان إلى البحر.

سيكون الوضع مقلقًا كفاية لو كان ناتجًا ببساطة عن تغير مناخي لا رجعة فيه، وهو عامل رئيس. لكن ليست هذه هي كل القصة. فالسبب الرئيس الآخر هو الحصول أحادي الجانب على المياه من قِبل تركيا، التي تُعد موطنا لمنابع نهري دجلة والفرات، على حساب 60 مليون شخص في اتجاه مجرى النهر.

إن الدور الذي تلعبه تركيا بشأن انعدام الأمن المائي في العراق وسوريا مقلق، ولكن خلافًا لتغير المناخ، يُعد هذا الدور على الأقل مشكلة يمكن معالجتها في المدى القريب -ويجب أن يكون ذلك قبل أن يصبح وقوع الضرر على النسيج الزراعي والاجتماعي في العراق أمرًا لا رجعة فيه.


حرب المياه؟

بين عامي 1975 و1991، في ثلاث مناسبات، هددت كل من سوريا والعراق تركيا بالقيام بعمل عسكري (وعند نقطة واحدة هدد بعضهما البعض) نتيجة انخفاض تدفقات الأنهار بسبب السدود التركية. توقفت المفاوضات وبدأت العلاقات بين الدول في التقلب. ومنذ ذلك الحين، زاد تغير المناخ والنمو السكاني والضغط الشديد على المياه العذبة الإقليمية من تأثير بناء السدود على النهرين.

اليوم، على نهر الفرات، قلل سد أتاتورك من التدفقات الإجمالية إلى العراق بمقدار الثلث، وقد تقلل مشاريع السدود التي ستستكمل قريبًا، اليسو وسيزر، من تدفق نهر دجلة بنسبة 50 في المئة إضافية. وبعد تصاعد الانتقادات لمشروع اليسو، جمدت النمسا وألمانيا وسويسرا ضمانات القروض الخارجية لبناء السد، لكن تمضي أنقرة مع ذلك قدمًا.

تنفيذ خطة جي أي بي التركية التي تهدف لاستغلال أنهار تركيا في الري وتوليد الكهرباء يمكن أن يقلل من تدفق نهر الفرات إلى العراق بنسبة 80 في المئة

التنفيذ الكامل لخطة جي أي بي التركية الطموحة، التي تهدف إلى استغلال أنهار تركيا في الري وتوليد الكهرباء في جنوب شرق الأناضول، يمكن أن يقلل من تدفق نهر الفرات إلى العراق بنسبة 80 في المئة. الآن، نرى أن العراق يعتمد على نهري دجلة والفرات في أكثر من 90 في المئة من المياه العذبة الخاصة به، ويمكنك أن تتخيل التداعيات المحتملة للخطة جي أي بي على الإنتاج الزراعي في العراق.

في حين استطاعت كل من المملكة العربية السعودية وروسيا التوسط في التوترات التي اندلعت بين الدول الثلاث في سبعينيات القرن الماضي، فإن التحدي اليوم يتمثل في أنه لا توجد قوى دولية أو إقليمية يمكن أن تكون على استعداد لإجبار هذه الدول على العمل معًا.

وفقًا لمبادرة التضامن مع المجتمع المدني العراقي، لم تؤد نحو 40 مذكرة تفاهم بين العراق وتركيا حول تقاسم المياه في ذروة الجفاف في عام 2009 إلى أي تقدم ملموس تقريبًا.

على الرغم من أن الاتفاقيات القائمة بين سوريا وتركيا تنص على 500 متر مكعب في الثانية، فإن 46 في المئة منها يذهب إلى العراق، ويمكن أن تكون تدفقات الصيف أقل بكثير. ووفقًا لجاسم الأسدي، وهو هيدرولوجي مع في مشروع طبيعة العراق، في الوقت الذي يصل فيه الفرات إلى الناصرية في جنوب العراق، لا بُد من 90 متر مكعب في الثانية كحد أدنى للاستخدام المحلي والصناعي والزراعي.

في بعض الأحيان، يمكن أن يكون التدفق منخفضًا لنحو 18 مترًا مكعبًا في الثانية، لذلك ليس من المستغرب أن تنحسر المستنقعات بسرعة. قبل بناء السدود الكبرى في السبعينيات، كان متوسط تدفق المياه في نهر الفرات حوالي 720 مترا مكعبا في الثانية. ويصل الآن إلى حولي 260 مترا مكعبا في الثانية تدخل العراق.

في كربلاء، في العراق، يئس المزارعون وورد أنهم يفكرون في التخلي عن أراضيهم. وفي بغداد، تعتمد أفقر الأحياء على الصليب الأحمر في مياه الشرب. في بعض الأحيان، وقد كان على الصليب الأحمر أن يزودهم بأكثر من 150 ألف لتر يوميًا. جنوبًا، عند مستنقعات وسط العراق، أكبر الأراضي الرطبة في منطقة الشرق الأوسط، تختفي مرة أخرى بعد إعادة غمرها بعد الإطاحة بصدام حسين.

وفي الشيبايش، وهي بلدة في الأراضي الرطبة زارها أحد كتاب هذه المقالة مؤخرًا، يموت الجاموس والأسماك. حاليًا، تدعم الزراعة هناك 60 ألف شخص على الاقل. وسيواجه هؤلاء ومئات الآلاف صعوبات كبيرة بسبب استمرار موارد المياه في الانخفاض.

شمالًا، يعني عدم الاستقرار، الذي يرجع جزئيًا إلى انهيار الزراعة، أن قطاعات واسعة من الفرات وعدة سدود كبيرة هي الآن تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. ويعني انخفاض تدفق المياه من السدود ووسائل الري غير الفعالة أن الموارد المائية في مستويات كارثية. والصراع النشط بين حزب العمال الكردستاني وقوات الأمن التركية، الذي يمتد إلى سوريا وكردستان العراق، يضع مستجمعات مياه دجلة والفرات في مزيد من الخطر. وقد هدد حزب العمال الكردستاني بضرب السدود التركية.

إذا استمر هذا الوضع، قد يكون القرار السياسي المستدام مستحيلًا.


إقامة السدود على الأنهار

يعاني القطاع الزراعي في تركيا، كما في العراق وسوريا، من الجفاف المستمر. ففي موسم نمو 2013-2014، أنتجت البلاد 3350 ألف طن من نظائر القمح، التي هبطت إلى 2520 ألف في موسم نمو 2014-2015. والأمطار الأثقل من المتوقعة هذا العام ترجمت إلى زيادة متوقعة من 130 ألف طن في موسم نمو 2015-2016 إلى 2620 ألف طن هذا العام. وسيتم تصدير الكثير من ذلك، ليصل بحوالي واحد مليار دولار إلى 60 مليار لقطاع الزراعة.

السدود التركية التي تبلغ أكثر من 140 لديها سعة تخزين أكبر بكثير من المصب وعندما يتم الانتهاء منها سيتم ري 1.2 مليون هكتار إضافي داخل تركيا

مثل المزارعين في كل مكان، يصارع المنتجون الأتراك الجفاف والمرض والأوبئة وعدم كفاءة الري (وهو ما تسعى أنقرة لتغييره، خصوصًا مع مشروع جي أي بي)، ويمكن أن يختلف الحصاد بشكل كبير.

وكما في أماكن أخرى في المنطقة، تخلى بعض المزارعين عن أراضيهم. لكن كما تتحول أنحاء العراق إلى اللون الرمادي الرملي في صور الأقمار الصناعية؛ تصير المناطق التركية صديقة للبيئة. وفي الواقع، على عكس بقية دول المنطقة، لا تواجه تركيا حالة طوارئ على المستوى الوطني.

بالفعل، السدود التركية، التي يوجد منها أكثر من 140، لديها سعة تخزين أكبر بكثير من المصب. وعندما يتم الانتهاء من مشاريع السدود التركية الجديدة في السنوات القليلة المقبلة، سيتم ري ما يقدر بـ 1.2 مليون هكتار إضافي داخل تركيا – حيث يضاعف الأمر بمقدار ثماني مرات عن اليوم. وهذا يعني أن تركيا ستمضي قدمًا في خطط للصادرات الزراعية الثلاثية تقريبًا.

وفقًا لمؤشر الإجهاد المائي فيستر، ليست تركيا سوى دولة إجهاد مائي معتدل، صنفت بـ 0.779 من أصل واحد. والعراق عند 0،974، وسوريا عند 0،999، ومن ثم مجهدين للغاية. وفقًا لبيانات عام 2011، تركيا في المرتبة 46 عالميًا في توافر المياه العذبة – ليست مكانة كبيرة، ولكن أفضل من المركز الـ 76 للعراق والـ 126 لسوريا.

وبالمثل، ووفقًا لبيانات البنك الدولي، لدى تركيا ما يقرب من ثلاثة أضعاف نصيب الفرد من توافر المياه في العراق وعشرة أمثال نظيره في سوريا. كما يتم وضع تركيا على نحو أفضل في الاستثمار في أكبر كفاءة استخدام المياه، ولديها ناتج محلي إجمالي يصل تقريبًا إلى ثمانية أضعاف العراق.

نظرًا لوضعية المياه الأفضل نسبيًا في تركيا، قد يكون من المعقول أن تعتقد أنها ستتوقف عن بناء السدود على حساب جيرانها من دول المصب. بدلًا من ذلك، فعلت العكس، إذ تخطط لإنجاز 1700 سد جديد داخل حدودها.

عند الضغط عليهم، يجيب المسؤولون الأتراك بأن خطط الحكومة مبررة، نظرًا إلى أن تركيا أيضًا تعاني من الجفاف. ويشيرون سريعًا، علاوة على ذلك، إلى أن استخدام العراق وسوريا غير الكفء للمياه هو جزء من المشكلة. صحيح أن العراق يهدر الكثير من المياه. لكن هذا في الغالب نتيجة للبنية التحتية الهشة وعدم كفاءة الري – تركة عقود من الحرب والدكتاتورية.

وفي الوقت نفسه، البنية التحتية للنفط التي تضررت من تنظيم الدولة الإسلامية والتلوث الناتج عن تآكل محطات معالجة الصرف الصحي للمياه الموجود هناك، كما أضرت أعدادا كبيرة من الآبار الخاصة التي حفرت خلال العقد الأخير من الحرب بجهود الحفاظ على الطاقة.

باختصار، يحتاج العراق إلى مساعدة، لا إلى التوبيخ. مع ذلك، إذا كان يريد التوصل إلى اتفاق منصف مع تركيا، يجب عليه أن يبرهن على وجود التزام مستمر بالحلول المتكاملة والفعالة للمياه.


ما الذي يجب القيام به؟

هناك أمل في حل الصراع على المياه بين تركيا والعراق وسوريا. وتقدم المفاوضات السابقة بعض الدروس. كان كل من الأردن وإسرائيل في مفاوضات سرية (والآن معلنة) بشأن أنهار الأردن واليرموك منذ الخمسينيات. كانت هذه المحادثات ناجحة نسبيًا لثلاثة أسباب:

أولًا: إشراك الوسطاء الدوليين. في عام 1987 خطط الأردن وسوريا إلى سد نهر اليرموك، لكن احتجت إسرائيل على ذلك. وبما أنها كانت قد هاجمت بالفعل موقع بناء سد سوري في عام 1967، عرف جميع الأطراف أن الأمور قد تتصاعد بسرعة. دعت كل من الأردن وإسرائيل الولايات المتحدة للمساعدة، وريتشارد أرميتاج، الذي كان مساعدًا لوزير الدفاع، قام بالوساطة.

تم إنشاء الأساس لإجراء مزيد من المحادثات، وفي نهاية المطاف، وقّع الجانبان العديد من الاتفاقيات، وآخرها هو ترتيب مياه البحر الأحمر/البحر الميت، وهو تعهد لبناء قناة من شأنها أن توفر المياه الصالحة للشرب إلى الأردن وإسرائيل والأراضي الفلسطينية، واستقرار منسوب مياه البحر الميت، وتوليد الكهرباء.

الدرس بالنسبة إلى تركيا والعراق وسوريا واضح: تحتاج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى أن يكونوا مستعدين للتصعيد. على سبيل المثال، وضع الاتحاد الأوروبي جانبًا أكثر من مليار دولار سنويًا في شكل مساعدات «ما قبل الانضمام» لتركيا حتى عام 2020، والولايات المتحدة قد استخدمت لفترة طويلة التعاون الأمني مع تركيا لكسب النفوذ في السياسة الأوسع.

وفي الوقت نفسه، فإن حكومة العبادي في العراق قد أظهرت مرارًا وتكرارًا نفسها باعتبارها أكثر استجابة لتوسلات الولايات المتحدة حتى الآن مما كان عليه الوضع أثناء حكومة المالكي، وقدمت كل من تركيا والعراق نجاحات دبلوماسية بشأن أزمة تنظيم الدولة الإسلامية. هناك مجال لذلك، من أجل النفوذ البناء.

ثانيًا: الكفاءة. استثمرت كل من الحكومتين الأردنية والإسرائيلية في وشجعت على استخدام أكثر كفاءة للمياه، بما حد من التوترات بين البلدين عند الجفاف الشديد، كما حصل في عام 1999. وفي حالة نظام نهر الفرات ودجلة، جميع الدول الثلاث الكبرى على طول النهر تشارك في ممارسات زراعية غير فعالة للغاية وتبذل محاولات كافية لتحسين الأمور. وبالنظر إلى الصراع في سوريا، فمن غير الواقعي أن نتوقع أي تحسينات هناك، ولكن تمكنت تركيا من زيادة الري بالتنقيط ويجب على العراق أن يفعل الشيء نفسه.

إن أي خطة عراقية لزيادة الكفاءة تتطلب الاستثمار المتواصل في أحدث التقنيات، من الري بالتنقيط لرسم خرائط التضاريس عالية الدقة وحصاد المياه. أما تحلية مياه البحر، في حين تصل نظريًا على الإنترنت إلى 400 ألف من سكان البصرة في عام 2017، تعمل حاليًا على نطاق واسع فقط في البلدان التي لديها ناتج محلي إجمالي أضعاف حجم العراق (أستراليا وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة).

والاستثناء الوحيد هو الأردن، على الرغم من أن مشروع التحلية القادم هو مشروع إسرائيلي/أردني/دولي مشترك.

ثالثًا: إنشاء لجان المياه المشتركة، مع تمثيل من خبراء كل أمة معنية، أمر ضروري لحسم قضايا تقاسم المياه. في حالة الأردن وإسرائيل، اقتربت هذه اللجان من التسوية من خلال اللقاء على أرض الواقع في نهر اليرموك في جلسات معروفة باسم «محادثات مائدة النزهة»، والتي مهدت الطريق لمفاوضات رفيعة المستوى في واشنطن في أوائل التسعينيات. والمعاهدة النهائية للسلام عام 1994 بين البلدين تدعو صراحة للتعاون الدولي في الإشراف على تقاسم موارد المياه.

لدى العراق وسوريا بالفعل لجنة مشتركة. ولدى سوريا وتركيا واحدة أيضًا. لكنها غير مخولة بالقدر الكافي من قِبل الحكومات الوطنية، والحرب الأهلية السورية والاستيلاء على الموارد المائية الواسعة من قِبل تنظيم الدولة الإسلامية يؤدي إلى تعقيد مهمتهم. ومع ذلك، فإن لجان مشتركة للمياه هي منصة يمكن أن تكون فعالة للتعاون المحلي والوطني والدولي، والعمل مع المؤسسات الأكاديمية والبحثية ومجتمع الأعمال، والمنظمات غير الحكومية في عمليات إدارة المياه.

بسبب الوضع في سوريا، من الضروري أن تأخذ كل من تركيا والعراق زمام المبادرة في إحياء هيكل لجنة المياه المشتركة. وعلى الرغم من أن تركيا تتحكم في منابع نظام نهري دجلة والفرات، والعراق يتأرجح على حافة أزمة كبرى بسبب المياه، إلا أن العلاقات السياسية بين البلدين يمكن القول إنها أقل كربًا الآن مما كانت عليه خلال العقد الماضي، وتخلق أزمة المياه المتفاقمة بعض الدفعات لتنشيط الاجتماعات الثلاثية التي تعود إلى من الثمانينيات والتسعينيات. وتوجت هذه الاجتماعات بمعاهدة أضنة بين سوريا وتركيا في عام 1998، التي تضمن 500 متر مكعب من المياه في الثانية.

في جولة جديدة من المفاوضات، العراق – ربما بمساعدة أجنبية – يمكن أن يوافق على بيع بعض من طاقته الكهرومائية لتركيا، في مقابل المزيد من المياه من تركيا. في الماضي، تبادل العراق وتركيا الغاز لتوليد الكهرباء، لذلك تمتلك هكذا خطة بعض السوابق. ويتطلب مخطط تعاون في المياه والطاقة مستوى عال من الوساطة الخارجية والتنسيق الدولي.

يمكن للأمم المتحدة أن تلقي ببعض الضغوط على الطرفين. في العام الماضي، دخلت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية حيز التنفيذ، بتصديقها الموقع الخامس والثلاثين. ومما هو مخيب للآمال أن بعض الدول في معظم المناطق المجهدة مائيًا في العالم لم توقع عليها، بما في ذلك تركيا.

ومع ذلك، تركيا هي من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، التي تنص على أن الدول يجب ألا تقيد حق الطفل في الحصول على الغذاء والمياه (المادة 24). بل هي أيضًا من الدول الموقعة على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد منحت هذه المعاهدة حق الإنسان في المياه. وينبغي للمجتمع الدولي تذكير تركيا بتلك المسؤوليات، أثناء الضغط على العراق لاستخدام المياه بأكبر قدر من الكفاءة. على وجه الخصوص، على العراق أن يتخلص تدريجيًا من الري بالغمر. وهذا يتطلب التركيز الهائل والحملات والاستثمار في التكنولوجيا الجديدة.


سباق المياه

على المجتمع الدولي جلب تركيا والعراق للتعاون بشأن المياه التي ستطور الزراعة المستدامة قبل أن تنهار في العراق بسبب عدم الكفاءة والاكتناز التركي

بالنسبة إلى العراق، هذا سباق مع الزمن. تعتمد الجدوى الاقتصادية على المدى الطويل في البلاد على الحد من الواردات الزراعية وإحياء الصناعة، وكلا الأمرين في حاجة إلى المياه. كما أن العراق بحاجة للمياه لشعبه؛ وفقًا للبنك الدولي، يفتقر 15 في المئة من المواطنين إلى الوصول إلى مصدر محسن للمياه. وأكثر من أي شيء، إنه يحتاج إلى السلام – وهو شيء يقوضه الإجهاد المائي.

وفي العام الماضي، تشاجرت محافظة ذي قار مع البصرة المجاورة بشأن استخدام المياه. وفي الآونة الأخيرة، اتهمت الحكومة الإقليمية الكردية بعرقلة مياه نهر دجلة نتيجة لنزاع على الميزانية مع بغداد.

الآن هو الوقت المناسب أمام المجتمع الدولي لجلب تركيا والعراق معًا للمساعدة في بناء إطار للتعاون بشأن المياه التي ستمكن من تطوير الزراعة المستدامة قبل أن تنهار الموارد المائية في العراق تمامًا تحت وطأة الاكتناز التركي وعدم الكفاءة في العراق. وتجاهل أزمة المياه العراقية الوشيكة كتجاهل صدع كبير آخر في منطقة الشرق الأوسط والحكم على العراق وجيرانه بمزيد من الصراع لعقود.

*ترجمة فريق موقع راقب