محتوى مترجم
المصدر
Foreign Policy
التاريخ
2015/09/22
الكاتب
مصطفى حامد

يوم الحادي عشر من سبتمبر، في خضم الرياح العاتية والظروف العاصفة تحطمت رافعة بناء باللونين الأحمر والأبيض -واحدة من أطول الروافع في العالم- في الحرم المكي، أقدس أماكن العبادة في الإسلام. قضى، على الأقل، 107 أشخاص نحبهم في ذلك الحادث الذي تسبب في إصابة أكثر من مائتين آخرين.

كان معظم المصابين من الحجاج الذين تجمعوا في المسجد الحرام ذلك المساء لأداء صلاة المغرب، وأظهرت فيديوهات السوشيال ميديا فوضى المشهد: انهيار مفاجئ، أعقبه هرع المصلين بحثا عن سلامتهم. تظهر صورُ ما بعد الحادثةِ الرخامَ وقد تناثر عليه الدم والسجّاد ملطخا من أثر الحطام.

إن تطويق الرافعات للحرم المكي والكعبة المشرفة -أثر الإسلام المحوري- جزء من حملة السعودية الوحشية في البناء والتطوير في المدينة المقدسة. تضخم عدد الحجيج المتدفقين إلى مكة في مواسم الحج على مدى العقدين الماضيين من 1.2 مليون في العام 1997 إلى 2.9 مليون حاج في العام 2011، حيث جلبت السعودية المعدات الثقيلة لتشيد الفنادق الفخمة الجديدة، والطرق والتوسعات الكبرى في مجمع الحرم المكي.

تطويق الرافعات للحرم المكي والكعبة المشرفة -أثر الإسلام المحوري- جزء من حملة السعودية الوحشية في البناء والتطوير في المدينة المقدسة

لكن بما أن حج هذه السنة لا يزال جاريا هذا الأسبوع، تثير الحادثة الأخيرة تساؤلات جديدة حول مدى استعدادية مكة المكرمة لتدفق الحجيج، كما هو الحال بالنسبة لمدى مراعاة السلطات السعودية سلامة المخططات الكبرى، الحادة- ماديا وثقافيا والآن؛ إنسانيا. لا تزال 100 رافعة أخرى تقريبا تحيط بالحرم المكي كجزء من توسعات المشروع، وفقا لمصادر محلية.

حيث تقف الرافعات دون إزالة في ظل الكارثة الأخيرة وإمكانية تواجد 2.5 مليون حاج على الأقدام محتشدين حول الكعبة المشرفة.

يقول المدير التنفيذي لمؤسسة أبحاث التراث الإسلامي وأحد أشد منتقدي خطط البناء السعودية عرفان العلاوي: «لا تزال الرافعات هناك في منطقة يتواجد فيها الناس، ماذا سيحدث إن ساء الطقس مرة أخرى؟».

كانت الأماكن المقدسة شاهدة على مأساة طائشة من قبل. ففيسنوات مضت، أدت تدافعات إلى موت مئات من الحجاج، وقد حفزت بعض تلك الحوادث مشروع توسعة مكة الحالي. إلا أنه أيا كانت نواياهم فإن تلك التطويرات التي تقدر تكلفتها بـ 26 مليار دولار أمريكي والتي لا تشمل 35 مليارا قيمة للعقارات ككل، قد ولدت جدلا وحتى غضبا عارما في كثير من بقاع العالم الإسلامي.مشروع توسعة الحرم الذي هدف إلى استيعاب 1.6 مليون مصلٍّ إضافي في الحرم المكي أحد جوانب هذا التحديث، فيما يعد مجمع «أبراج البيت» الفندقي الفارِه، بما يحويه من مراكز تسوق، ومهبط طائرات، ووحدات سكنية فاخرة وأضخم برج ساعة في العالم جانبا آخر.

ويعتبر هدف مكة التالي في التوسعة، المبنى المركزي في المجمع: فندق فيرمونت، برج ساعة مكة الملكي، وثالث أطول مبنى في العالم، بحجم ستة أبراج من برج ساعة «بيغ بين» في لندن، وبتكلفة 15 مليار دولار أمريكي، وبسعة 10.000 غرفة فندقية كبرى، ليعدّ بذلك، الأكبر في العالم حينما يفتتح سنة 2017.

إلا أنه برغم هذه الجهود التي تقدر بمليارات الدولارات، لا تزال الخدمات الأساسية في مكة قاصرة بشكل فج. حيث لا يوجد في مشفى أجياد للطوارئ والمجاور للحرم المكي إلا 52 سريرا. بينما لا يوجد في مشفى النور الذي يعد أكبر بقليل وعلى بعد أربعة أميال بنك مخصص للدم.

ووفقا للدكتور العلاوي مدير الجمعية الإسلامية لأبحاث التراث قد اضطرت إطفائية مكة لطلب المساعدة من مدينة الطائف خلال حريق حصل مؤخرا في موقع البناء، لأن صمّاماتها لم تستطع السيطرة على الحريق.مع 2.5 مليون مصلٍّ يحلون بالمدينة المقدسة، فإن تلك المرافق عاجزة بشكل يبعث على الصدمة.

إن التكلفة الإضافية لحملة البناء في مكة، إلى جانب مليارات الدولارات هو ما يشير مراقبون إلى أنه اعتداء على الطابع الجمالي والثقافي للمدينة. فالتطويرات إما دمرت أو بعثرت الأطنان من الأماكن التاريخية والدينية في أرجاء المدينة المقدسة وأثارت غضب نقاد حول العالم الإسلامي.

فـقلعة أجياد الحجرية مترامية الأطراف، والتي شيدت في العهد العثماني وكانت ذات يوم مطلة على الحرم المكي من جروف جبل بلبل الصخرية جنوبي الحرم، والتي كانت حصنا طيلة 200 سنة ضد الغزاة وقطاع الطرق، سويت بالأرض عند بدء البناء هي والجبل سنة 2002 ضمن ما أسماه وزير الثقافة التركي آنذاك: «مذبحة ثقافية»؛ ليقف برج الساعة اليوم في مكانهما.

أما في داخل الحرم نفسه، فقد سويت أعمدة تعود للعصر العباسي من بين مواقع أخرى تعتبر على ذات القدر من الأهمية بالأرض، بحجة أنها تقف في طريق البناء. كما أخبر مدير مركز أبحاث الحج سامي عنقاوي صحيفة الجارديان عام 2012: «إنهم يحولون الحرم المقدس إلى آلة، مدينةً بلا هوية، وبلا تراث ولا ثقافة ولا بيئة طبيعية».

ترفض الوهابية بل تزدري رغبات كثير من المسلمين حول العالم بإحياء التاريخ والحفاظ على طابع المدينة المقدسة دون أن يرف لها جفن

أماكن تاريخية أخرى تعود إلى زمن النبي محمد عليه السلام قد جرت إزالتها أو بني فوقها على مدى العقود القريبة. حيث يجثم على منزل أقرب أصدقاء رسول الله وأول خلفاء الإسلام فندق هيلتون ومطعم برجر كينغ. بينما أصبح بيت زوجة النبي خديجة مجمعا لـ 14.000 مرحاض عمومي.

يقول نقاد إن هكذا خطوات ما هي إلا تحقيق للأيدولوجية السلفية المتشددة المتمثلة بالوهابية، والتي تؤيدها الملكية السعودية حيث تعتبر المنشآت الثقافية منفذا للخطايا عبر ربط الألوهية بأي شيء غير الله.

إن الحل الذي تقرره السلفية الوهابية لهذه المنشآت في كثير من الأحيان هو الطمس. يقول العلاوي: «كان يمكن تنفيذ مخططات البناء بسهولة حول المعالم التاريخية» واصفا تدمير الأماكن التقليدية والمعالم التاريخية بـ «الكلفة المتعمدة».

يمكن أن نجد هذه النزعة التدميرية في جذور المملكة العربية السعودية، فقد سوى السعوديون الأضرحة القائمة منذ زمن طويل للنبي محمد وآل بيته وأصحابه فور تسلمهم السلطة على كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة سنة 1920، لتنخفض وتيرة استهدافهم الآثار والقبور مذ ذاك الحين.

ترددت وتيرة أصداء هذا الطمس للأيقونات الدينية في إزالة حكومة طالبان تماثيل بوذا في إقليم باميان الأفغاني، وربما بخبث أكبر تدمير مدينة تدمر الأثرية والآثار الآشورية على يد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.إلا أنه على النقيض من تلك التدميرات، فإن الخطوات السعودية لم تستهدف الأديان المسماة بـ «الوثنية» أو «الأجنبية». لقد استهدفوا التاريخ الإسلامي ومنشآت إسلامية.

كأيدولوجية، ترفض الوهابية بل تزدري رغبات كثير من المسلمين حول العالم بإحياء التاريخ والحفاظ على طابع المدينة المقدسة دون أن يرف لها جفن. فالقمة المتعجرفة لبرج مكة -وجه ساعة عملاق متوجا بكلمة «الله»- تلائم كثيرا تلك الفلسفة التي تبث وعيها بشيئين فقط؛ هما الله والحاضر.

فالرافعات التي لاحت في أفق الحرم المكي لسنوات باسم تحسين سلامة وراحة حجاج المدينة المقدسة، قد تربعت على عرش الخسائر المالية والثقافية بالخسارة البشرية الناجمة عنها.

تستمر السعودية بالبناء والهدم في آن، بينما يتجمع الحجاج لآداء فريضة الحج، فقط بعد أيام من قيام طواقم التنظيف في الحرم المكي بمسح الدماء عن الأرضية الرخامية، تاركة تاريخ مكة وتراثها غير مطمئنين، والحجاجَ يتساءلون عما سيحمله حجّ العام القادم لهم.

في ظل الأجنحة الفاخرة لبرج بطول 1,972 قدما، تقبع الحجارة المتراصة المتشحة بالسواد للكعبة، أقدس أبنية الإسلام، كحجر صغير في صحراء صخرية شاسعة.