إن الاختلاف بين الرؤى والأفكار والخطط والاستراتيجيات، هو اختلاف محمود وطبعي، لكن عندما يحول هذا الاختلاف بين التوحد أو التعاون أو التضامن بين الفصائل التي ترفع راية واحدة؛ يكون اختلافًا مذمومًا، ويهدم أكثر مما يبني.

والأشد منه هو الخلاف الذي يؤدي إلى التناحر والصراع الذي يصل أحيانًا إلى معارك مسلحة، تُنقص من القوة العامة لأصحاب الراية، وتصب في صالح العدو حتمًا. ويبدو أنه قد قُدّر للأمة الإسلامية أن يكون التناحر الداخلي والتنافس المستمر هو آفة هذه الأمة؟

حتى أن من تيقظ من أبنائها، وأدرك الخطر المُحدق بها من أعدائها، واختار الجهاد المسلح ضدهم؛ ظهرت في صفوفه هذه الآفة، ولفتته عن هدفه الرئيس ضد العدو الخارجي، ووجّه أسلحته للمسلمين، مجاهديهم وعامتهم!

نحاول في هذا التقرير استطلاع ما آلت إليه الحالة الجهادية حتى الآن، وتركيزنا هنا على تحليل أسباب التشظي الظاهر للعيان في أي قطر من أقطار البلاد الإسلامية. وللوصول إلى تحليل منضبط، يجب أن نعرض في البداية صورة مختصرة للمسرح الجهادي في الآونة الأخيرة.

سيكون العرض في صورة قُطرية، أي أننا سنتحدث عن الجماعات الجهادية في بعض أقطار المسلمين، محاولين استطلاع صور التشظي بالأساس، واستخراج مظاهرها بهدف فهم أسبابها.


المسرح الجهادي

الجماعات الجهادية في مصر وغزة

يمكننا القول بلا تردد، أن مصر تعتبر هي مهد الحركات الإسلامية الجامعة في القرن الـ20، التي تبلور عنها، وكان أحد نتائجها الحركة الجهادية المعاصرة بأجيالها الثلاثة.

الجيل الأول، الذي يُدعى بجيل التنظيمات المركزية الكبرى؛ كالجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد الذي انتهت تجربتهما بإعلان مبادرة وقف العنف في يوليو/ تموز عام 1997، ووثيقة ترشيد العمل الجهادي في 1999، فتحولت الجماعة الإسلامية إلى السلمية بشكلٍ كامل بعد عدة مراجعات، حتى أعلنت حزبها السياسي «البناء والتنمية» بعد ثورة يناير/ كانون الثاني عام 2011.

الجيل الثاني، حيث أصدر بعض قادة تنظيم الجهاد العديد من المراجعات، والبعض الآخر رفض هذا المنحى، وكوّن مجموعات جهادية أخرى، أو انضم إلى مجموعات أكبر مثل «أيمن الظواهري» الذي شارك في تكوين قاعدة الجهاد في أفغانستان. فكانت هي المثال الأبرز للجيل الثاني؛ «جيل الجهاد العالمي».

ثم كان الجيل الثالث، المُسمى بجيل العنف العشوائي، الذي ظهر في منتصف العقد الماضي مثل جماعة «التوحيد والجهاد» التي أسسها «خالد مساعد» في سيناء، والتي نفذت عمليات شرم الشيخ ودهب عام 2006.

فالجيل المتواجد حاليًا في مصر، هو الجيل الثالث، والمتمثل في نوعين من الجماعات:

جماعات جهادية عالية التنظيم تتمركز في سيناء مثل «مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس» و «أنصار بيت المقدس»، وجماعات أخرى أقل تنظيمًا منتشرة على مستوى الجمهورية، تتراوح قدراتها بين تنظيمات الضربة الواحدة وبين التنظيمات المتطورة بعض الشيء، مثل «السلفية الجهادية في سيناء» و«أجناد مصر».

وتقريبًا كل الجماعات المتواجدة في مصر، قد حوّلت أسلحتها تجاه النظام المصري منذ عزل الرئيس «محمد مرسي» في العام 2013، ما عدا مجلس شورى المجاهدين الذي لم يبدِ أي رد فعل، سوى تعليقه بأن يجب تصحيح مسار الحركة الإسلامية، ونقدها بشكل موسع.

وكان التنسيق والتعاون بين الجماعات عالية التنظيم، وبين التنظيمات الصغيرة نشطًا جدًا. ظهر ذلك في عمليات عدة مثل؛ تفجير مديرية أمن القاهرة في يناير/ كانون الثاني عام 2014، وخطف العامل الكرواتي في أغسطس/ آب عام 2015، وغيرها من العمليات التي تدل على وجود حالة من الترابط بين الجماعات، وأن هناك علاقات وخطوط مفتوحة بينهم.

لكن لم يستمر الأمر طويلًا، فقد بدأ التشظي يظهر عندما أعلنت جماعة «أنصار بيت المقدس» في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2014 بيعتها لـ«أبي بكر البغدادي»، وانضمامها لتنظيم «الدولة الإسلامية»، وتغيير اسمها إلى «ولاية سيناء».

أدى ذلك لحدوث الانقطاع بين الجماعات التي لا زالت تدين بالولاء لتنظيم القاعدة. كما أدى أيضًا لحدوث انشقاقات داخلية في الجماعة نفسها، مثلما حدث مع الضابط «هشام عشماوي» الذي رفض هذا الأمر، وقام بإعلان جماعة جديدة تحت اسم «المرابطين».

والجدير بالذكر أن «عشماوي» كان من المدبرين والمنفذين للعديد من العمليات ضد الجيش والشرطة في مصر. أبرزها عملية كمين الفرافرة الذي أسفر عن مقتل 21 جنديًا على الأقل في يوليو/ تموز عام 2014، والتي لم يعلن «أنصار بيت المقدس» مسئوليته عنها، والذي يبرره البعض بوجود الخلافات حول انضمام التنظيم تحت لواء الدولة الإسلامية.

أما غزة فنجد فيها جماعات متعددة، تضع نصب أعينها هدف مشترك، وهو الإصابة قدر الإمكان من العدو الصهيوني. فنجد الإخوان في حماس والجهاد الإسلامي، ونجد الجماعات الجهادية السلفية مثل «جيش الإسلام، جيش الأمة، مجلس شورى المجاهدين، جند أنصار الله، أنصار التوحيد والجهاد».

والمجموعات التابعة لمنظمة فتح مثل «كتائب شهداء الأقصى»، وكتائب المقاومة الشعبية (أنصار صلاح الدين)، وبعض المجموعات المسلحة الأخرى غير المحسوبة على الإسلاميين، ويمكن تصنيفهم تحت اسم «المقاومة» وليس جهادًا بالمعنى الاصطلاحي.

ولخصوصية الوضع في غزة، والجبهة المفتوحة دائمًا مع العدو الصهيوني، ساد الوئام بين هذه الجماعات وأحيانًا التنسيق التام؛ كما في حالة حماس والجهاد الإسلامي، أو التنسيق غير المباشر الذي يحدث وقت أي عدوان صهيوني على غزة.

وعلى عكس المتوقع في هذه البيئة المتماسة مع العدو بشكل يومي، ظهر فيها التناحر والتصارع بين أصحاب الراية. فبدأ الصراع بين حماس وجيش الإسلام، ووصل إلى الصراع المسلح في 2008. وفي 2009 أعلنت جماعة «جند أنصار الله» إقامة إمارة إسلامية في جنوب القطاع، مما دفع إلى مواجهات عنيفة بين سلطات حماس المسيطرة على القطاع، وبين الجماعة ومؤيديها.

انتهى الصراع بدك مسجد «ابن تيمية» في رفح الفلسطينية، ومقتل الشيخ «عبد اللطيف موسى» أمير الجماعة، ومساعده «أبو عبد الله السوري». استمر الاحتقان بين حماس والفصائل السلفية الجهادية ظاهرًا، والذي يخفت فقط وقت العدوان على غزة من قبل الصهاينة، وينشط مرة أخرى.

وكان آخر صور الاحتقان هذا هو التفجيرات الأخيرة في غزة لسيارات أعضاء المقاومة في القسّام وسرايا القدس، وما زالت التطورات مستمرة.


الجماعات الجهادية في بلاد المغرب العربي

كانت تُعد منطقة المغرب العربي، من أكثر المناطق التي يحدث فيها التنسيق والتعاون بين الجماعات الجهادية المختلفة. فنجد في الجزائر «تنظيم القاعدة في المغرب العربي» بقيادة «عبد المالك درودكال» بإماراته الثلاث: إمارة الوسط، وإمارة الصحراء، والإمارة الشرقية.

ونجد أيضًا تنظيم «المرابطون» بقيادة «مختار بلمختار» المنشق عن تنظيم القاعدة، وتنظيم أبناء الصحراء من أجل العدالة الإسلامية، وبقايا الجيش الإسلامي للإنقاذ من العشرية الجزائرية السوداء.

أما في تونس فنجد «تنظيم القاعدة في المغرب العربي» بقيادة «لقمان أبو صخر»، ونجد «أنصار الشريعة في تونس» المتمثل في كتيبة «عقبة بن نافع»، والتنظيم الثالث -الأقل تأثيرًا- هو حزب التحرير الإسلامي التونسي، والذي تقتصر عملياته على الداخل التونسي فقط، بخلاف التنظيمين الآخرين.

عدم وجود تنظيمات جهادية قوية ومؤثرة في المملكة المغربية هو شيء يدعو للتساؤل، وأول ما يتبادر للذهن أن السبب هو الاستقرار السياسي الحاصل بين حزب الإخوان المسلمين «العدالة والتنمية» وحكومة «عبد الإله بنكيران».

وتجلى التنسيق والتعاون بين هذه التيارات جميعها حتى أن بعض المحللين اعتبر الجهاد في بلاد المغرب، هو جهادًا إقليميًا يمتد فيه التدريب والقرار والتنفيذ بين الفصائل المختلفة، وليس محليًا كما في مصر مثلًا، إلا أن الأمر لم يستمر على هذه الوتيرة بعد ظهور «الدولة الإسلامية» وبدء انجذاب بعض الجماعات لها ودخولها تحت رايتها.

فنجد خسارة تنظيم القاعدة لإمارة الوسط لصالح الدولة الإسلامية، حيث أعلن «خالد أبو سليمان» أمير الوسط انشقاقه عن القاعدة ومبايعته لـ«أبي بكر البغدادي»، وتغيير اسم الإمارة إلى تنظيم «جند الخلافة في الجزائر» في سبتمبر/ أيلول عام 2014، وتبعته كتيبة «سكيكدة» وانشقت عن القاعدة، و أعلنت بيعتها للدولة، وفعلت ذلك أيضًا بيعة كتيبة «عقبة بن نافع» التابعة لتنظيم أنصار الشريعة في مايو/ آيار عام 2015.


الجماعات الجهادية في سوريا

يعد المثال الأبرز للتشظي والتناحر بين الجهاديين؛ هو ساحة الأزمة السورية التي ابتدأ فيها الصراع بعدو واحد هو «بشار الأسد» ونظامه البعثي، حتى تحولت الساحة في النهاية إلى أربعة أجنحة، كل جناح يرى في الآخر عدوًا له ويقاتله:-

جناح النظام البعثي وحلفاؤه، جناح المعارضة السورية وتنظيم القاعدة بفرعها جبهة النصرة، جناح الدولة الإسلامية في العراق والشام، جناح الأكراد في سوريا.

ونجد أن حالة التناحر وصلت إلى أشدها، حتى أصبح المجاهدين يقاتلون بعضهم بعضًا، وكلٌ يعتبر الآخر إما عميلًا أو متراخيًا جبانًا، فنجد معارك في مناطق «حلب، إدلب، الريف، الرقة، وجنوب دمشق». ونجد الدولة الإسلامية تقف في وجه الجيش الحر، وفي وجه جبهة النصرة، وفي وجه جيش المجاهدين والجبهة الإسلامية، والكثير من صور التناحر الأخرى التي تدل على فقدان الراية لرؤية موحدة، وهدف مشترك.

وبالطبع هذا مجرد استعراض سريع للحالة الجهادية في هذه الأقطار، وإلا إن تتبعنا التفاصيل سيظهر لنا أمور أكثر دلالة فيما نظن على التشظي والتناحر والتنافس المذموم! وبذلك يمكننا التمثيل لحالة التشظي الظاهرة بقوة بين الجماعات الجهادية بصور عدة، أبرزها الآتي:

1. كثرة الجماعات الجهادية في القطر الواحد، وعدم وجود قيادة مركزية للعمليات الجهادية.

2. المعارك بين المجاهدين بعضهم البعض، كما هو واضح في حالة سوريا، وبعض المناوشات في الأقطار الأخرى.

3. البيانات والردود المتبادلة في المنابر الإعلامية بين الجماعات وقادتها، وكثرة التفسيق والتبديع والإخراج من الملة، والوصم بالتراخي أو بالتطرف والعنف، وأحيانًا الوصم بالعمالة.


أسباب التشظي بين الجماعات الجهادية

الأسباب التي تؤدي بالجماعات الجهادية إلى التناحر والتنافس المذموم، عديدة لا تخلو من تعصب وغلو ومصالح ضيقة لبعض الجماعات، ومن أبرز هذه الأسباب:

الاختلاف الفكري بين التنظيمات

عادةً ما يكون مبدأ الخلاف دومًا هو خلاف فكري. فالخلاف بين الدولة والقاعدة كان فكريًا حول مدى إمكانية إعلان الخلافة في الوقت الراهن، والذي تراه القاعدة غير ممكن. ارتأت الدولة ضرورته حالًا، فانقسمت الآراء وتعمق الخلاف، واستطاع كل طرف أن يجذب نحوه بعض الجماعات التي رأت نفس رأيه.

والخلاف الذي نشأ بين أنصار بيت المقدس و«عشماوي»؛ هو خلاف فكري حول ضرورة نقض بيعة القاعدة والولاء للدولة، وكذا الأمر في الانشقاقات الحادثة في المغرب العربي.

العصبيات المذمومة

من أشد أسباب التشظي هو التعصب المذموم من المجاهدين في بعض الجماعات لرؤية وفكر تنظيمهم، واعتبار أن أي جماعة أخرى إما متخاذلة وإما عميلة، ولذلك يجب وضعهم على قائمة الأعداء كما الكفار الأصليين والحاكمين بغير شرع الله (طبقًا لرؤية الجماعات الجهادية).

الضغوط الأمنية

من الأسباب أيضًا التي أدت لضعف التواصل بين الجماعات الجهادية، وكثرة أعدادها واختلاف رؤاها؛ هو الضغوط الأمنية في كل قطر واختلافها عن بعضها. فالتضييق الأمني يزيد من صعوبة التواصل والتنسيق بين الجماعات. فكل جماعة يهديها اجتهادها إلى رأى أو وجهة خاصة بها، وتتعارض أحيانًا هذه الرؤى وتختفي الحكمة في الإدارة فيظهر التشظي والصدام.

هذا إجمالًا محاولة لفهم التشظي الحادث بين الجماعات الجهادية في المنطقة العربية، وبالطبع يمكننا الجزم بأن التشظي ينتقل من سيء إلى أسوأ، فالحالة الوحيدة التي ينقضي فيها التشظي والتناحر؛ هو سيطرة جماعة واحدة وقيادتها للتيار الجهادي، وهذا كما نرى صعب التحقق!