محتوى مترجم
المصدر
Philosophy Now
التاريخ
2008/03/01
الكاتب
Richard Corrigan

يتكون هذا الكتاب القصير من محاضرتين: الأولى، «الإرادة الحرة بوصفها مشكلة في علم الأعصاب»، والثانية، «الأنطولوجيا الاجتماعية والسلطة السياسية». ويصحب هاتين المحاضرتين مقدمة شاملة بعنوان «الفلسفة والحقائق الأساسية». يعترف سيرل بأن كلا الموضوعين لا يبدو أن لديهما كثيرًا من القواسم المشتركة، لكنه ينظر إليهما كجوانب أساسية في بحثه.

كتاب سيرل يعتبر دليلاً على قدرته على التفكير الخلاق والمتحدي. السؤال الأساسي الذي تتم معالجته في الكتاب هو: كيف يمكن للبشر التوفيق بين عالم يتكون بشكل كامل من «جسيمات مادية غير واعية، بلا معنى، غير حرة، غير عقلانية، عمياء»، وبين مفاهيمنا اليومية عن أنفسنا بوصفنا «واعين، قصديين، عقلانيين، اجتماعيين، مؤسسيين، نؤدي أفعال الكلام، أخلاقيين وأفرادًا ممتلكين للإرادة الحرة»؟

يعبر بنا سيرل من خلال مقدمته إلى تاريخ الفلسفة، شارحًا بإيجاز كيف وصلنا إلى حالة الفهم الحالية. يفعل ذلك من خلال دراسة ثمانية أسئلة فلسفية تقليدية ودلالاتها، بما في ذلك طبيعة الوعي والإرادة الحرة والسياسة. يعتقد سيرل أن لدينا القدرة في هذه اللحظة من تطورنا الفلسفي على أن «نطور إفادات عامة جدًا عن العقل، واللغة، والعقلانية، والمجتمع، وما إلى ذلك». يعتقد سيرل أنه يمكننا القيام بمثل هذه المشاريع «واسعة النطاق» بسبب الانفتاح الجديد على دور الأدلة التجريبية واتحاد فلسفة العقل والبيولوجيا.

فكر البشر منذ وقت طويل بمكاننا «المتميز إدراكيًا» في العالم. لذلك، يحق لنا أن نسأل سيرل: لماذا يكون وضعنا الحالي يحمل خاصية وإمكانية لإيجاد حلول لهذه الأسئلة القديمة؟ يزعم سيرل أننا لم نكتسب القدرة إلا مؤخرًا للتعامل علميًا مع مشكلات مثل الإرادة الحرة، والوعي، واللغة، والعقلانية، وما إلى ذلك. الإجابات التي يمكننا تقديمها الآن هي تطور طبيعي من الحقائق الأساسية التي توصلنا إليها حول العالم. الحقائق الأساسية التي يشير إليها هي نتائج العلوم في مجالات البيولوجيا التطورية ونظرية الكم. تلك التي اتخذها سيرل لتوفير اللبنات الأساسية للمعرفة.


هل يمكن أن يحسم العلم سؤال الإرادة الحرة؟

يركّز الفصل الأول على مشكلة الإرادة الحرة والمشاكل المرتبطة بالذات والعقلانية والوعي. مبتغى سيرل هو بيان الكيفية التي يتحقق بها الحل العلمي لهذه المشاكل. يقتنع سيرل بأن دور الفيلسوف في هذه المهمة يكمن في صياغة المشكلة بطريقة دقيقة بما فيه الكفاية، لتفسح الدور لمناهج التحقيق التجريبية. وهو يعتقد أنه قادر على القيام بذلك عن طريق تحويل السؤال من شكله الميتافيزيقي التقليدي إلى سؤال أكثر دقة حول وظيفة الدماغ البشري. يتناول سيرل السؤال بهذه الطريقة: كيف يمكننا التعامل مع مشكلة الإرادة الحرة كمشكلة بيولوجية عصبية؟

لا يتبنى سيرل «الموقف التوافقي» لمفهوم «الحرية» (التوافقية هي الاعتقاد بأن الحتمية الطبيعية لا تتعارض مع حرية الإرادة). يؤكد بدلًا من ذلك أنه «وفقًا للتعريفات التي استخدمها، الحتمية والإرادة الحرة ليستا متوافقتين». وهو يدعي أن مشكلة الإرادة الحرة أثبتت صعوبة خاصة في حلها لأنها تنطوي على ما يبدو أنه قناعتان متعارضتان. أولاً، نعتقد عمومًا أن الظواهر الطبيعية تحدث نتيجة للقوانين الطبيعية والحالات المادية القبلية. ومع ذلك، يبدو أن هناك نوعًا خاصًا من الأحداث التي نقبلها بشكل عام لا تتسق مع هذا التفسير المحدد.

عندما نقدم سرداً للأسباب التي تصرفنا بناءً عليها ، فإننا لا نعتقد أننا نقدم تقريرًا عن مجموعة كافية من العوامل المحددة؛ لا نعتقد أن الأسباب التي كانت وراء تصرفنا كانت تُحتّم سببيًا الإجراء المتخذ. نعتقد أنه لو اخترنا غير ذلك، لكان بإمكاننا فعل شيء آخر. يصف سيرل وعينا بمثل هذا القصور السببي بمصطلح «الفجوة»، وهو مصطلح ظهر أصلاً في كتابه (Rationality in Action (MIT Press, 2001). وبالتالي، نعتقد أن هناك إحساسًا كبيرًا بأن أعمالنا تحت سيطرتنا. يصف سيرل الوعي بهذا التحكم بـ«الوعي الإرادي»، وبالتالي، يخلص سيرل إلى أن مشكلة الإرادة الحرة تنبع من الوعي الإرادي؛ وعينا بالفجوة الظاهرة بين تحديد الأسباب والخيارات.

إننا نخبر هذه الفجوة عند الأخذ بالاعتبار ما يلي: 1. أسبابنا والقرار الذي نتخذه، 2. قرارنا وما يتبعه من إجراءات، 3. عملنا واستمراريته حتى يكتمل. يعتقد سيرل أنه إذا أردنا التصرف بحرية، فإن معرفتنا بالفجوة لا يمكن أن تكون وهمية: يجب أن تكون السبب في أن السببية ليس لها دور حتمي.

تصبح الفجوة واضحة أيضًا عندما ننظر إلى الطبيعة المتباينة للتفسيرات التي نقدمها للظواهر الطبيعية والتي نقدمها لأفعالنا. عندما نوضح حدثًا طبيعيًا، نذكر أن «أ تسبب ب». عندما نشرح فعل فرد ما، فإننا نقول إن «الذات س أنجزت الفعل أ، وبإنجاز أ، عملت على السبب ل» (صفحة 53). يمكننا أن ندرك على الفور أنه حتى نجعل تفسيرات العمل الحر قيّمة، يتعين علينا افتراض أن الذات غير مختزلة للقيام بالفعل. (المترجم: الذات غير مهمشة، فلا بد من وجود ذات تقصد وتفكر وتنجز الفعل).

يتابع سيرل متسائلاً: إذا ما كانت هناك مثل هذه الذات، وإذا ما كانت الفجوة حقيقية، فكيف يمكن معالجتها عند المستوى البيولوجي العصبي؟ ليجيب قائلاً: «إن الافتقار الى الشروط الكافية من الناحية السببية عند المستوى السيكولوجي يكافئه غياب الشروط الكافية من الناحية السببية عند المستوى البيولوجي العصبي»، وفي البشر يكون الدماغ هو الذي تكون فيه الذات الواعية قادرة على صنع وتنفيذ القرارات في الفجوة، بحيث لا يكون القرار ولا الفعل محدديْن مسبقًا بواسطة شروط كافية من الناحية السببية، ومع ذلك يتم تفسيرهما عقلانيًا من خلال الأسباب التي يقوم بها الفاعل.

على أي حال، يقبل سيرل بأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى:

يقترح سيرل لمعالجة هذه المسألة أن «الوعي يُظهر عدم التحديد الكمي»، كذلك «لا تعني العشوائية على المستوى الجزئي بحد ذاتها العشوائية على مستوى النظام». وبعبارة أخرى، إذا كان صحيحًا أن «يكون العقل قادرًا على اتخاذ القرارات الواعية وتنفيذها في الفجوة، حيث لا يتم تحديد القرار أو الإجراء بصورة مسبقة بشروط كافية مسببة، ومع ذلك يتم شرح كليهما بشكل عقلاني بالأسباب التي يتصرف الفاعل بها» يجب أن تكون الحالة هي أن القرارات غير محددة.

نظرًا لأن ميكانيكا الكم هي الشكل الوحيد من اللاحتمية المعروفة حتى الآن للعلم، لذلك يجب أن يظهر الوعي حالة عدم التحديد الكمي. ومع ذلك، فإن عدم التحديد الكمي لا يؤدي بالضرورة إلى العشوائية، لأن خصائص الكل قد تختلف عن تلك الخاصة بالأجزاء. أعتقد أن سيرل بحاجة إلى تقديم شرح أفضل لكيفية عمل هذه العملية. ومع ذلك، يعتقد سيرل مرة أخرى أن هذا التفسير الإضافي هو مسؤولية أخصائيي البيولوجيا العصبية.

بدلاً من ذلك، قد يكون الأمر عكس تجربتنا في الإرادة الحرة. ففي الواقع نحن ذوات محددة، وجميع الحالات السابقة في الدماغ والبيئة وقوانين الطبيعة كافية لتحديد جميع حالات الدماغ اللاحقة. الأمر متروك لعلم الأحياء العصبية لتقديم الإجابة هنا أيضًا (لأن هذا هو أقصى ما يمكن لسيرل أن يفسره بشكل كافٍ). يقبل سيرل بأنه لا توجد بيانات علمية كافية لإثبات أو دحض وجود الإرادة الحرة، وأن هذه الحقيقة مقلقة إلى حد ما: لا يستطيع سيرل في نهاية المطاف تحمل واقعة عدم وجود إرادة حرة. إنه يتطرق بإيجاز إلى بعض عواقب إثباته أن الإرادة الحرة هي في الواقع وهم، لكنه لا يتعامل مع هذه العواقب بأي طريقة حاسمة.

يمكن للمرء أن يشكك في افتراض سيرل أن مشكلة الإرادة الحرة يمكن اختزالها في النهاية في علم الأحياء العصبية. يبدو لي أن المشكلة أكثر تعقيدًا وتشابكًا مما يفترضه سيرل. حتى لو كان السؤال ما إذا كانت الحالات السابقة كافية لتحديد تصرفات الذات قد تمت الإجابة عليه بشكل قاطع، فإن الجوانب الفلسفية العميقة للمشكلة لم يتم التطرق إليها بعد. معظم الأدبيات المتعلقة بالإرادة الحرة مكرسة لما إذا كانت الحرية والمسؤولية الأخلاقية تتوافق مع الحتمية. إذا تبين أن جميع تصرفاتنا يتم تحديدها بشكل عرضي من خلال أحداث سابقة، فلا يزال يتعين علينا معالجة الأسئلة المعلقة حول ما إذا كان هذا ينتقص من معنى «الإرادة الحرة» وما إذا كانت ردود أفعالنا الأخلاقية مبررة.

لذلك حتى لو تم تنفيذ المشروع الذي اقترحه سيرل، فإن المشكلة الأساسية المتمثلة في الإرادة الحرة ستظل في شكلها المعتاد المزعج. ربما إذا ثبت العكس، وأثبت أن أفعالنا لم تحددها عرضيًا الحالات السابقة، فإن التوافقية ستفتقر إلى الجوهر. ومع ذلك، لست مقتنعًا بأن البيولوجيا العصبية ستوفر نوعًا من الإجابات التي قد تؤدي إلى مثل هذا الاقتناع، أو أن الفلاسفة سيتوقفون عن التفكير في طبيعة الإرادة الحرة بسبب ما يكتشفه العلم.


الوجود والسياسة

السؤال الشائك: كيف يمكن أن تكون الفجوة حقيقية من الناحية البيولوجية العصبية؟ لنفترض أننا لدينا تفسير لكيفية إنتاج الدماغ للتسبيب الذهني، وتفسير عن كيفية إنتاج الخبرات للقوة العقلانية، فكيف يمكننا أن نحصل على لا حتمية عقلانية في تفسيرنا لوظيفة الدماغ؟

يتناول الفصل الثاني، الأنطولوجيا الاجتماعية والسلطة السياسية، على الرغم من أن سيرل حريص على توضيح أن النظرية الموضحة هنا «مؤقتة للغاية، وهي قيد التطوير». يقدم هذا المقال مقدمة موجزة عن مفهوم سيرل لطبيعة المجتمع السياسي وهيكل قوته. هدفه هنا هو «استكشاف بعض العلاقات بين الأنطولوجيا العامة والواقع الاجتماعي والشكل المحدد للواقع الذي هو السلطة السياسية».

بينما هذه النظرية جذابة في حد ذاتها، إلا أنه من الصعب أن نقيّم نقديًا ما يقوله بسبب طبيعتها المؤقتة. سيكون من المثير للاهتمام أن نرى كيف يطور أفكاره ويصوغها في شكل نهائي.

مسألة الحرية والبيولوجيا العصبية مثيرة للاهتمام، مصاغة بشكل جيد ومستفزة للتفكير، وكتبت بطريقة في المتناول. من المؤسف أن سيرل لا يولي أي اهتمام للكتب المعاصرة الأخرى المكرسة لمسألة الإرادة الحرة. لا أشك في أن هذا الكتاب سيثير كثيرًا من النقاشات المثيرة.