يعتبر اللعب عملًا ديناميكيًا يتغلغل في ثنايا الحياة، ويتفاعل مع مكونات السلوك الحضاري ومنظومة العلاقات الاجتماعية. فاللعب ليس مضادًا للجد، ولا يُختزل في مجرد وقت فراغ يُقضى كما يرى البعض. وقد ذهب يوهان كوتسينغا في كتابه ديناميكية اللعب إلى أن اللعب عامل مهم في تدافع الحضارات، ووثيق الصلة بالثقافة والفن.[1]

وفي المجتمع المصري كان وقت الترفيه وسيلة لإكساب الأطفال الخبرات اللازمة لظروف حياتهم، وغرس القيم التربوية والثقافية من خلال الألعاب الشعبية التي نبعت من ظروف البيئة المحيطة، معتمدة على التواصل المباشر بين الأطفال وجداتهن، ومع نساء المنزل ورجاله.

ونجد أن الألعاب التي انتشرت في ريف الدلتا اختلفت عن القاهرة أو الصعيد، فعلى سبيل المثال انتشرت السيجة في الدلتا وكثر التحطيب في الصعيد. وكان اللعب ممتزجًا بمسار الحياة اليومية وجزءًا من سياقها، واعتمد بالأساس على إعادة تدوير المهملات واستخدامها كأدوات للألعاب.

وفي الصعيد، ونظرًا لتأخر وصول التعليم المنتظم إليه، استمرت الألعاب الشعبية لفترة أطول، وكانت هنالك ألعاب خاصة للفتيان والفتيات، فقد كانت ألعاب الأولاد تدريبات على قوة التحمل ودقة التصويب والتخطيط ومرونة الجسد ورشاقته لأن البيئة في الصعيد يكثر بها الخلافات بين القبائل، وحرصت ألعاب الفتيات على غرس البعد الجمالي فيهن، فلم تخلُ لعبة للفتيات من الغناء وفنون الأداء المختلفة.[2]

وزخرت القاهرة بأداء مسرحي لفنون الشارع الشعبية من الحكواتي والسامر والأراجوز وغيرها، وكان متاحًا لجميع الطبقات حتى السلاطين أن يشاركوا في مشاهدتها. ولكن اندثرت هذه الألعاب مع تغير أنماط الحياة ودخول تكنولوجيا الترفيه، وأصبح المصري يشعر بالاغتراب أمام الألعاب الشعبية كالحكشة واللجم وسنو والنحلة والدبور وعنكب وصلح… إلخ.[3]


علاقات الطبقات المختلفة بالشارع

كان للبيت المصري امتدادات فيما حوله، فالأولاد يلعبون في الشارع وأعلى السلم وعلى السطح، والنساء يمارسن تربية الدواجن في الشرفات والحدائق وعلى الأسطح، ويراقبن الشارع بما فيه من أنشطة روتينية وأنشطة للتسلية كالبيانولا، والقرداتي، والحاوي.

فقد كانت الجيرة مختلطة، فالأبواب لا تغلق، ويتم التشارك في الأعمال المنزلية اليومية، والمشاركة في شرب القهوة والاستماع لتلاوة القرآن. فقد كانت الجيرة جزءًا من حياة الأسرة الاجتماعية والاقتصادية، فاتسم الترفيه بلون من المشاركة الجماعية.

كان هذا النمط السائد لمعيشة أغلب الطبقات الوسطى، ولكنه ما زال مستمرًا في أوساط الطبقات الدنيا التي تكتظ منازلها بالناس وتضيق مساحتها عن استيعاب أفرادها، فأصبحت النظرة للشارع باعتباره امتدادًا للبيت أمرًا لا مناص منه، فتجد النساء يجلسن أمام المنازل، والرجال يذهبون للمقاهي، والأطفال يلعبون في الشارع. فهذا النمط الضيق من الحياة يفسر انتشار التلفاز بين أفراد هذه الطبقات كوسيلة للترفيه قد تشبع بها التطلعات غير القابلة للتحقق.

أما الطبقات العليا فهي دائمًا شديدة النفور من فكرة الشارع، فتحتمي منه بالسور وتبني البوابات للتحكم في النفاذ إليها. كما أنها تستطيع أن تخصص أماكن ترفيه داخل منازلها لترويح الأطفال، ولديها القدرة الشرائية للآلات الموسيقية والكتب والمجلات وأجهزة الترفيه المختلفة [4]. وتهتم الطبقات العليا بالنوادي الخاصة التي تصبح العضوية بها رأس مال رمزيا قد يعلو غرض الترفيه ذاته.


ثورة يوليو وتحولات أنماط الترفيه

بعد قيام ثورة يوليو 1952 حدثت تغيرات اقتصادية واجتماعية عميقة أدت إلى كثير من التحولات في حياة الأسرة انعكست على أنماط الترفيه. فقد أدت القوانين الاشتراكية إلى زيادة تطلعات الطبقة الوسطى، فتغيرت نظرتها للوقت الحر وكيفية الاستفادة منه. فتزايد إقبال المرأة على العمل خارج المنزل، وارتفعت نسبة تعليم الأبناء، فأصبح الوقت المقضى في المنزل ضئيلا. وتقلص هذا الوقت مع تردي مستوى التعليم، وتحول المنازل لفضاء للدروس الخصوصية.

وقد مكن الوضع الاجتماعي الجديد للأسرة من امتلاك أجهزة كهربائية، فاستُبدل بالنمط التشاركي في أداء الأعمال اليومية التقنية. واستُبدلت بأنشطة الترفيه الجماعية تكنولوجيا الترفيه المختلفة والألعاب الإلكترونية، فدخل السوق إلى مساحة الألعاب، وأصبح للترفيه بعد تجاري. وبانحسار الترويح الأسري الجماعي قل دور الأسرة تدريجيًا في الضبط الاجتماعي، وتوجيه الأفراد وغرس القيم والعادات، بعد أن كان الترويح سبيلًا للمشاركة بين أفراد الأسرة.

ساهمت سياسات دولة يوليو في تحويل الترفيه من كونه حرًا إلى التقنين والضبط والتوجيه والتنظيم بإنشاء مراكز الشباب وانتشار الأندية. فأصبح هناك موظفون وجهة مسئولة عن الترويح خارج حدود الأسرة. فقد أصدرت الحكومة عددًا من القرارات فتحت بها الباب لكثير من الأسر للاشتراك في الأندية، مما ساعد على بزوغ وعي عام لدى الشعب بأهمية انطلاق الأسرة بأكملها خارج نطاق البيت. وبدأ الترفيه يتخذ الطابع الفئوي، لأنه حينما اهتمت الدولة بتقنين النشاط الرياضي حددته لفئات معينة من الشباب والطلائع، ولم تهتم بالرياضة كوحدة.


الفرق بين النادي والشارع في مخيلة الأطفال

لم يقضِ انتشار النوادي ومراكز الشباب على ظاهرة اللعب في الشوارع، ولكن ثمة وعيا باختلاف اللعب فيهما في أذهان الأطفال. فحينما سئل أحد الأطفال الذي يبلغ من العمر 10 سنوات ويلعب في الشارع في إحدى المدن عن الفرق بين النادي والشارع في رأيه، وأيهما الأقرب إلى نفسه. أجاب بأن الشارع هو الأقرب إليه؛ لأنه يشعر فيه أنه حر، فالشارع ليس به قوانين، بينما في النادي هناك أفراد الأمن والمدربون، وثمة قواعد لا ينبغي له أن يخترقها، وله زيه الخاص، وقد يطرد وزميله إذا تشاجرا معا داخل النادي.

وحينما سئل عما إذا كان يلمس فرقًا بين اللعب في الشارع في المدينة التي يقطن بها والقرية التي ينتسب إليها، قال إنه في القرية ليس بحاجة للاستئذان قبل النزول للعب، لأن ساحات اللعب مختلطة بالبيت، ولكن المشاجرات بين الأطفال في القرية أعنف.

وفي إحدى قرى محافظة القليوبية وفي أثناء تبادل حديث مع مجموعة من الأطفال يلعبون الكرة في الشارع، تبين من خلاله أنهم يرون أن وجود النادي يخصص وقتًا للعب، ويعتبره نشاطًا منفصلاً، وليس مندمجًا مع مسار الحياة اليومي كاللعب في الشارع. ويتكون مركز شباب قريتهم من ساحة واسعة محاطة بسور، وبها ملعب من الرمال، وملعب من النجيلة الصناعي الذي يتم تأجيره بالساعة، فيتشارك الأطفال قبل كل مباراة في جمع المبلغ المطلوب.

اقترب فيلم «الحريف» للمخرج محمد خان من عالم اللعب في الشارع من خلال شخصية فارس. ينتمي فارس إلى طبقة الكادحين، ويحترف لعب كرة القدم منذ صغره، ندرك من خلال الفيلم أن ثمة قوانين غير مكتوبة للعب في الشارع، رغم أنها لا تتسم بالضبط والتقنين كقوانين النادي، إلا أنها حاضرة ويصعب الانفكاك منها، كدور سمسار المباريات «رزق» الذي دأب على استغلال فارس والمتاجرة باسمه.

وكذلك سياسات التشجيع، وقواعد تنظيم اللعب، وتجميع الأموال لإصلاح العارضة المنكسرة، أو لتأجير ملعب أو لشراء الكورة، وغيرها من التوافقات بين الأطفال في الشارع، أو في المراكز المهمشة التي تغيب الدولة عن مراقبتها وتنظيم العمل بها، فيلجأ الأفراد أنفسهم إلى تنظيمها. ولكن وإن صار اللعب في الشارع ليس بمتعة مجانية خالصة أو حرة تمامًا إلا أن زمن اللعب لم ينته كما كان يردد فارس في الحريف.


الطبقات العليا والجدار الطبقي الممتد لأسوار النوادي

تمكّنت الطبقات الشعبية في الخمسينيات من القرن العشرين من النفاذ إلى الفضاء الذي كان حصريا للبرجوازية دفع الطبقات العليا والشرائح العليا من الطبقة الوسطى لاستحضار كل قواها مرة أخرى فيما بعد لتضمن تمايزها ولبقاء حيزها الخاص، ولاستمرار النوادي كمساحة خاصة مسورة حفاظًا عليها كإرث يمتد لأبنائها، فالتعامل مع عضوية النادي أصبح يشبه امتلاك عقار.

يعتبر البعض ثقافة النوادي في القاهرة استمرارًا لبقايا الإرث الاستعماري الثقافي والاجتماعي. فتذكر بعض الدراسات أن بعض الألعاب الرياضية تعكس ديناميكية العلاقة بين الإمبراطورية البريطانية ومستعمراتها، حيث انتقل النموذج المثالي للرجل الإنجليزي المسيحي ذي البنية الرياضية من خلال رجال الجيش والصحفيين وغيرهما من الفئات لدول المستعمرات.[6]

ويعد نادي الجزيرة أقدم نادي تأسس في القاهرة، حيث أنشئ عام 1882 ليكون فضاء رحبًا للإنجليز لممارسة الرياضات المختلفة، وكان اللورد كرومر أبرز أعضائه [7]، وترأس نادي هيلوبولس بمصر الجديدة عدد من الإنجليز.

أطلق عبدالناصر على نادي الجزيرة «نادي الذوات» وتعمد جعل العضوية فيه غير مقيدة، ليسمح بنفاذ ضباط الجيش إليه، واقتطع جزءًا من المساحة المخصصة للجولف لبناء أول مركز للشباب، أُطلق عليه مركز شباب الجزيرة الذي افتتح رسميًا في 23 يوليو 1958، ثم استردت هذه الأراضي وقيدت العضوية فيما بعد.

وفي 1990، جعل النفاذ إلى النادي لا يقتصر على الدخل فقط، وإنما على الحصول على المؤهل العالي كشريطة للقبول. بلغت تكلفة العضوية بنادي الجزيرة أعلى تكلفة بين النوادي المصرية حيث تصل إلى 650 ألف جنيه.

اشتراط المؤهل العالي للحصول على العضوية مؤشر على تغير طرأ على ثقافة شرائح الطبقة الوسطى العليا والطبقة العليا منذ التسعينيات، فقد تهاونت هذه الطبقات في السابق في شروط الانضمام إليها مع توافد ثروات العمالة القادمة من دول الخليج خلال السبعينيات، ليصبح الدخل المادي هو المنفذ الرئيسي لها. إلا أن اعتبار هذه النخب العولمية أن لها الحق المشروع في الانتماء للعالم الأول يفسده غياب التجانس الثقافي والاجتماعي مع من يفتقرون إليه وإن امتلكوا الأموال والعقارات.

تفسر هذه الرغبة في العزلة والانفصال عن طبقات المجتمع الأخرى التكتل الدفاعي من أعضاء النوادي البرجوازية ضد اللائحة الاسترشادية التي وضعتها اللجنة الأولمبية ووزارة الشباب والرياضة طبقاً لقانون الرياضة 71 لسنة 2017، التي بموجبها قد يتاح لفئات أخرى الولوج لعضوية النادي دون موافقة الأعضاء الحاليين. وقد تجلى ذلك في عمليات الحشد والتعبئة للتصويت ضد اللائحة في أندية كالصيد والجزيرة على سبيل المثال. فالنادي مساحة لا تقبل المساس من قِبل هذه الفئات.

ومن الجدير بالملاحظة أن الأندية البرجوازية كانت أشد رفضًا للائحة الاسترشادية من غيرها من الأندية الرياضية التي ينضم إلى عضويتها الشرائح المتوسطة من الطبقات الوسطى كنادي الشمس، ونفترض أن السبب في ذلك يرجع إلى علاقة هذه الشرائح من الطبقة الوسطى بالدولة، فالبعض يرجع وجود هذه الطبقة بشكلها الحالي إلى الدولة نفسها، مما يجعلها أكثر تماهيًا معها، لأن الدولة جزء من تكوين لاوعي هذه الطبقات، كما أنها أكثر اعتمادية واحتكاكًا بمؤسسات الدولة مقارنة بالطبقة العليا.[8] .

ومما سبق ثمة مفارقة مهمة يمكن النظر فيها وهي ادعاء البعض أن الحداثة التي أنتجتها الدولة الناصرية قامت بانتزاع صور التحديث بعيدًا عن الصورة المثيرة للسخط المرتبطة بالغرب وبمفاهيمه العولمية عديمة الجذور، وأنه قام بابتكار الحداثة كحقل نشاط طبقة وسطى كبيرة تتميز بالتقديمية والأصالة.[9] وهذا الطرح يختلف ألبته مع النخب العسكرية الحاكمة في مصر الآن، التي لا تملك مشروعًا اقتصاديًا يهدف لإزالة العزلة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وإنما تصب سياساتها نحو تكريس هذا الفصل.

هذا الفصل الذي يتلاقى مع رغبة الطبقة العليا في الابتعاد عن فضاء القاهرة الصاخب المزدحم المليء بالمنبوذين والمحرومين، وترسخت هذه الثقافة بالتدريج مع منتجعات الساحل الشمالي ثم ازدادت فصلا معمقا جذريا مع الأحياء المسورة في القاهرة الجديدة، فمن شروط المدينة العولمية الفصل الاجتماعي والمكاني الصارم.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا النزوح نحو النمط المعيشي الغربي للطبقة العليا ظل ممتزجًا بمستوى عال من الضبط الاجتماعي المحافظ، يبرز ذلك في الأندية الاجتماعية لأنها ما زالت تمثل فضاء سلطة الأسرة، وهذا يلقى اعتبارًا في لوائح هذه النوادي التي تعطى وزنًا لعلاقات النسب وقرابة الدرجة الأولى في خفض تكلفة العضوية على سبيل المثال.


الكوفي شوب وتحول نمط الترفيه ليصبح أكثر فردانية

هوية النوادي تجسد الفضاء الأسري حتى لو تحولت إلى أماكن تجمع لبعض الشباب، ففي النادي يوجد دائمًا صديق للأسرة يراقبك. تشير آنوك دي كونينغ في كتابها «أحلام عولمية» إلى تغير جغرافيا الترفيه لشباب المهنيين من الطبقات الوسطى في القاهرة من النادي إلى الكوفي شوب. لتصبح أماكن الترفيه أكثر فردانية؛ فالكوفي شوب يكفي لدخوله امتلاك المقدرة المادية، بينما يظل النادي مرهونا دخوله بامتلاك رأسمال عائلي.[10]

وتصبح إجادة اللغة الإنجليزية معيارًا للمفاضلة بين رواد الكوفي شوب، ذلك لأنه يستدعي النمط الغربي في اللغة المتداولة فيه، وفي الأطعمة المقدمة، وتصميماته. فقد ظهر الكوفي شوب بنمطه الغربي بافتتاح كوفي روستري بالمهندسين في منتصف التسعينيات، حيث تصاعدت خلال التسعينيات سياسات النيوليبرالية، وما تحمله من وعد ضمني بانتقال العالم الأول إلى الواقع المحلي.

وتعزز فضاءات الكوفي شوب الشعور والرغبة في الاستقلال، كما خلق الكوفي شوب محمية للاجتماعات المشتركة بين الجنسين بعيدًا عن رقابة العائلة في مشهد اجتماعي أوسع، دون أن يثير التحفظ المُثار عادة حول التفاعل العلني بين الجنسين، فإن محال الكوفي شوب تعيد صياغة مؤشرات التآلف والاطمئنان، كما تعيد إنتاج مؤشرات التنافر والتباعد. فقد قام الكوفي شوب بإعادة إنتاج الانغلاق الاجتماعي والفضائي للنادي بطرق تناسب المهنيين من هذه الشرائح.[11]

ويمكن أن نلحظ انتشار محال كوفي شوب خاصة بالفتيات فقط في الآونة الاخيرة لتصبح مكانًا أكثر خصوصية وبديلًا عن لقاءات البيت. ونلحظ كذلك أن شباب المهنيين من الطبقات الوسطى وخاصة الذكور يجمعون ما بين الكوفي شوب والمقهى الشعبي كأماكن للترفيه، خاصة مع ارتفاع الأسعار وسياسات التعويم الاقتصادي، كما أن انتشار المقاهي الشعبية في أحياء الطبقات الوسطى يجعلهم غير دخلاء عليها.


المقهى والكوفي شوب: كيف تقسم اللغة الفضاء المكاني

إن النفاذ لعالم المقاهي والكوفي شوب نفاذ لعالمين متقابلين، رغم أنهما على مستوى الفكرة المجردة سواء؛ أماكن للالتقاء وتناول القهوة، ولكن يتجلى التمايز الطبقي بينهما في المعمار واللغة المتداولة فيهما. يعد الكوفي شوب امتدادًا لغرفة المعيشة في البيت، فتحتفظ بأكثر قدر من الخصوصية والحميمية، ولابد أن تنفصل عن الشارع، فإذا توسعت امتدت رأسيا إلى أعلى، بينما تعد المقاهي امتدادًا للساحات المفتوحة في المنازل، فلا يتطلب معمار المقهى سوى غرفة واحدة تفتح كل منافذها لتلتحم بالشارع التحامًا وتصبح جزءًا منه، وحينما تتوسع تمتد أفقيًا. وفي الوقت الذي تتنافس فيه محال الكوفي شوب المختلفة في الديكورات الداخلية والخارجية، تتشابه المقاهي في سمتها العام، فلا يوجد بها ديكورات ولا ثمة مرايا ولا أثاث مميز.[12]

المقهى والكوفي شوب فضاءات تصنعها اللغة. فمجرد أن تنطق كوفي شوب أو كافيه دخلت عالمًا مختلفًا تمامًا عما إذا قلت «قهوة». فبكلمة واحدة تنفذ لفضاء متكامل له لغته المميزة. ففي المقاهي قد تسمع عبارات مثل «معاك فريسكا وواحدة حزيني ومعسلة» أو شاي بنور، شاي ميزة، شاي بوستة… إلخ. فتتحول اللغة إلى شفرات متداولة لن تفهمها إن لم تكن من روادها. كما أن هذه اللغة لا تتداول خارجها، ولا تنفك عن المقهى وكأنها ممتزجة به وركن رئيسي من فضائه. ولا يمكن تصور الكوفي شوب منعزلًا عن اللغة الإنجليزية المتداولة فيه، فيعيد تداول اللغة الانجليزية في الكوفي شوب إنتاج الشعور بالانتماء للطبقات العليا، والانتساب إلى النخبة المعولمة.

المقاهي مرآة للمجتمع، ونموذج مصغر لما تضج به دنيانا وانعكاس لكل تحولاتها السياسية والاجتماعية والثقافية، فقد كان العصر الذهبي للمقاهي ودورها السياسي والثقافي خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وعادت مقاهي وسط البلد لتصبح فضاء ثوريا مع أحداث 25 يناير، أما الكوفي شوب فما زال نافذة ضيقة للتحولات في الشرائح العليا من الطبقة الوسطى والطبقات العليا.

ونخلص مما سبق إلى أن الترفيه ليس مجرد استغلال أوقات الفراغ واستثمار الوقت الحر فيما يرغب المرء، وإنما علاقات متشابكة يختلط فيها المعمار بالثقافة والتاريخ الاجتماعي بالوضع الاقتصادي والطبقي، تتجلى فيه العلاقة المركبة بين المستعمر والمستعمر وجدلية العلاقة بين المحلي والعولمي، نعرف من خلاله كيف يشكل البعد اللغوي الفضاء المكاني، وكيف تتحكم الدولة والسوق والتقنية في إعادة توزيع الوقت الحر للأفراد. كما تعد أساليب الترفيه نافذة مهمة نرى من خلالها التحولات التي تمر بها الأسرة، ومدى اختلاف التعامل مع الشارع، سواء على المستوى الطبقي أو مستوى الحضر والريف.


[1] يوهان كوتسينغا، ديناميكية اللعب في الحضارات والثقافات الإنسانية، ترجمة صديق محمد جوهر، (أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، نوفمبر 2011)، ص12.[3] المسح الاجتماعي الشامل للمجتمع المصري الأول من 1952- 1980، مجلد الأسرة، (القاهرة، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ) ص491.[4] المسح الاجتماعي الشامل، مرجع سابق، ص496.[5] المرجع السابق، ص 501.

[6] Geoffrey James Levett, Playing the Man: Sport and Imperialism 1900-1907, Department of History, Classics and Archaeology, Birkbeck College, University of London, February 2014, p.3.

[9] آنوك دي كونينغ، مرجع سابق، ص 212.[10] آنوك دي كونن، أحلام عولمية في القاهرة الكوزموبوليتانية، ترجمة أسامة الغزولي، (القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2011) ص185-235.[11] آنوك دي كونينغ، مرجع سابق، ص223.[12] جمال الغيطاني، ملامح القاهرة في ألف سنة، القاهرة – دار نهضة مصر للطباعة والنشر، 2007.