تسلل ضوء النهار ضعيفًا واهنًا داخل الغرفة المعتمة على هيئة خط رفيع، لا يكشف لنا سوى قطاع طولي من صورة معلقة فوق جدار. رجل في الثلاثينيات ذو شعر أصفر متهدل على كتفيه وملامح حادة للغاية، إنه ليس المسيح رغم العيون الحزينة التي تليق بالمسيح بالفعل. لكنه وعلى العكس تمامًا وجه مألوف للحظات من السعادة في حياة الكثيرين، إنه وجه المهاجم الأرجنتيني «جابرييل عمر باتيستوتا».

تمتد من العدم يد لتزيح الستائر الثقيلة وتسمح للضوء أن يغمر الغرفة أخيرًا. لقد تخلى باتيستوتا عن شعره الطويل بعد ان تبدل لونه من الذهب الخالص إلى الفضي اللامع، لكن ما تبدل في وجه باتيستوتا لم يكن بفعل الزمن فقط. لقد اجتاح الألم وجه الرجل الذي عُرف عنه الحماس طيلة حياته.

لم تكن يد باتيستوتا هي من سمحت للشمس أن تكشف لنا عن وجهه المتألم. فهو لا يستطيع أن يتحرك ولو سنتيمتر واحد من فوق سريره، حركة واحدة كفيلة لكي تزيد آلامه بشكل لا يطيقه أحد. إن كاحليه اللذين طالما ركلا الكرة بقوة لم يعهدها أحد أصبحا كاحلين من الجحيم. لقد تضرع لطبيبه الخاص أن يبتر له قدميه ويريحه من هذا العذاب الذي لا يحتمله. لكن لا أحد يجرؤ أن يصبح المسئول عن بتر أقدام باتيستوتا الذهبية.

يعرف باتيستوتا جيدًا أنه يشبه حصان سباق قوي أصبحت ساقه من زجاج. هل يعرف طبيبه الخاص لماذا يقتلون الحصان إذا كسرت ساقه؟ لأن تلك الساق لن تلتئم أبدًا.

إنه القتل الرحيم الذي يؤمن به أصحاب الخيول رغم حرقة الوداع. محاولة حزينة لتجنب آلام مزمنة غير قابلة للشفاء. لكن لا أحد يؤمن أن باتيجول يستحق القتل الرحيم، يؤمن الجميع أن باتيجول سيتغلب على الألم كما فعل دومًا. لكن يبدو أن الألم استفاد من تلك التجارب السابقة وأصبح أكثر قوة من أن يتحمله باتيستوتا.

يحرك يده ببطء شديد محتملًا نوبات الألم التي تجعله يصرخ مثل طفل إلى أن يصل إلى علبة تحتوي على أقراص قليلة من المسكن. لقد تناول العديد من تلك الأقراص بالفعل في الساعات القليلة الماضية.

يسمع تحذيرًا بصوت خافت أنه قد يفقد وعيه أو يموت إثر تلك الجرعة الكثيفة من المخدر، لكنه يعرف أنه لن يموت على تلك الشاكلة. إنها لعبة الغميضة التي يلعبها مع الألم منذ وقت طويل. يختبئ من الألم قدر ما يستطيع لكن الألم يجده في النهاية. لقد أصبح ضيفه الدائم خلال الأيام الماضية لكنه على وشك الاختباء منه الآن ولو لساعات قليلة بجرعة كثيفة من المخدر.

استطاع باتي أن يغمض عينيه أخيرًا لتغرق الغرفة في الظلام مرة أخرى لكن صوتًا يعلو تدريجًا يقتحم المشهد. صوتًا مألوفًا لجابرييل، إنه صوت آلة تشذيب العشب، هذا الصوت الذي دومًا ما يتبعه وجه «جورجي جريفا».

باتيستوتا الأرجنتين: ماذا لو كان الألم أوفى أصدقائك

بدأت القصة في «روزاريو»، المدينة التي ستنجب للعالم ميسي فيما بعد. التقطت أعين جورجي جريفا المسئول عن فئة الشباب داخل نادي «نيولز أولد بويز» حينئذ اللاعب الشاب باتيستوتا. لم تكن أعين جريفا تخطئ الموهبة أبدًا، وعلى الرغم أن باتيستوتا كان سمينًا بعض الشيء آنذاك ولم يلتفت إليه أحد إلا أن جريفا رأى فيه شيئًا تفتقده الكرة الأرجنتينية، إنها العدوانية اللازمة لصنع مهاجم جلاد في بلد يعج بمن يتقنون مهارات المراوغة وانتزاع آهات الجماهير، أو بمعنى أدق القدرة على تحمل الألم من أجل صناعة ماكينة أهداف لا مراوغ ذو موهبة فطرية.

اختبر جريفا ذلك في باتيستوتا عندما وجد الأخير يشذب العشب الخاص بالملعب وينظف النوافذ ويلتقط القمامة من المدرجات للحصول ما يكفي من المال الذي يضمن له الاستمرار في لعب كرة القدم.

كون باتيستوتا مهاجمًا ذا طابع مختلف جعله عرضة للتشكيك أحيانًا. ما رآه العبقري «بيلسا» في نيولز أولد بويز لم يره أبدًا «باساريلا» عقب انتقال باتيستوتا إلى «ريفر بلات» حيث فضل عدم الاستعانة به إلا قليلا طوال موسم بأكمله. قرر باتيستوتا أن يتدرب أكثر، أن يتحمل ألم الكثير من التدريبات المضاعفة للحصول على الفرصة لكنه لم يحصل عليها إلا بالخروج نحو العملاق الآخر «بوكا جونيورز».

كون باتيستوتا ثنائيًا رائعًا مع «دييجو لاتوري» والذي كان يلقب بمارادونا الجديد. كان «مارادونا» الحقيقي قد صنع التاريخ الذي لن ينسى رفقة «نابولي» في إيطاليا، لهذا ربما قرر فريق «فيورنتينا» أن ينتدب باتيستوتا ثم لاتوري. لم يستطع لاتوري أن يتحمل ثقل تشبيهه بمارادونا فضاع هباءً منثورًا. أما باتيستوتا فلم تكفل له قدماه تحمل ألم التدريبات في أوروبا فقط بل جعلته يتحمل ألم مدينة بأكملها.

لكن قبل ذلك استطاع باتيستوتا أن يجلب للأرجنتين لقب كوبا أمريكا عام 1991 بعد أن فقد الجميع الثقة في الفريق بانتهاء جيل مارادونا الذهبي. الأهم أنه قدم للأرجنتين والعالم أجمع النموذج الجديد للمهاجم الأرجنتيني.

باتيستوتا فيورنتينا: أن تتحمل ألم مدينة بأكملها

أفاق باتيستوتا أخيرًا من شدة الألم. لقد أعادت إليه الذكريات وقتًا كان الألم صديقه يلجأ إليه لكي يصبح أفضل وأقوى. لم يكن يعرف أن الزمن يخبئ له تبادل أدوار أحمق مع هذا الألم. قرص جديد من المسكن وبدأت الغرفة تختفي ملامحها مرة أخرى. كان تغرق في لون باتيجول المحبب، اللون الأرجواني.

لا يوجد ديربي في فلورنسا، فقط فريق واحد يهيمن على المدينة وهو فريق فيورنتينا صاحب القميص الأرجواني. ولهذا السبب، فألمع نجوم فيورنتينا يصبح ملك فلورنسا المتوج دون منازع. وقبل قدوم باتيستوتا بعام واحد كان ملك فلورنسا المتوج هو صاحب ذيل الفرس الإلهي الأسطورة «روبيرتو باجيو».

قبل عام واحد فقط كانت جماهير فلورنسا تنطلق في الشوارع مفتعلة ما يشبه الثورة بعد أن تيقنت أن روبيرتو باجيو سيترك ملعب «أرتيميو فرانتشي» متجهًا نحو اليوفنتوس الذي جعله أغلى لاعب في العالم. لم يكن يعرف باتيستوتا أن تلك الجماهير كانت تعلق آمالها به لكي يصبح ملك فلورنسا الجديد، لكنه عرف ذلك بمجرد أن خطت قدماه ملعب فرانتشي ذا الصبغة الأرجوانية.

اقرأ أيضًا: روبيرتو باجيو: أكثر من ركبة جزاء مهدرة

انفجر باتيستوتا تمامًا رفقة فيورنتينا. نحن الآن ببساطة رفقة مهاجم لا يقبل التفاوض أبدًا، ما إن تتهيأ له الكرة يرسلها بقوة ملفتة نحو الشباك. لا يهم إن كان ذلك من مسافة ثلاثين ياردة كاملة أو من زاوية جانبية تمامًا. كان يجيد الرأسيات ويتحرك بمثالية في الهجمات، لكن أقدام باتيستوتا تحديدًا كانت لا تقارن أبدًا، كانت قوية بشكل لا يصدق.

كان مشهد باتيستوتا يحرز هدفًا عقب تصويبة صاروخية ثم يركض محتفلًا عن طريق إطلاق النار بيديه على شكل رشاش موجه نحو المتفرجين هو علامة مميزة لفريق فيورنتينا.

لم تمنع أهداف باتيجول المميزة موسمًا تلو الآخر من وضوح تردي حالة فريق فيورنتينا، وهو ما أدى إلى هبوط الفريق للدرجة الثانية خلال موسم باتيستوتا الثالث مع الفريق.

شعر مشجعو «الفيولا» بالذعر خاصة بعد أن تقدم القوى العظمى الأوروبية لنيل ود المهاجم المثالي. إنها قصة باجيو تتكرر مرة أخرى، لقد ألقت المدينة بتاريخها الحزين بأكمله فوق كتفي باتيستوتا راجية ألا يرحل عنها في هذا الموسم الاستثنائي.  

لم يستطع باتيستوتا أن يخيب آمال جماهير فريقه رغم أنه كان المطلب الأول لفرق بحجم ريال مدريد ومانشستر يونايتد، إلا أنه بقي ولعب رفقة فيورنتينا في الدرجة الثانية. ساعدت أهدافه الـ 16 فيورنتينا على العودة مرة أخرى لدوري الدرجة الأولى ثم حقق لقب هداف الدوري خلال الموسم التالي بـ26 هدفًا.

استطاع باتي أن يحرز أكثر من 200 هدف خلال تسع سنوات قضاها بين جدران فريق فيورنتينا، لكنه كان يعاني ألمًا مختلفًا مرة أخرى، ألم تحقيق الذات. إنه لم يفز بشيء رفقة الفيولا، بل والأدهى أنه يعلم تمامًا أنه لن يفوز أيضًا. سينساه التاريخ حتمًا ولن يتذكره أحد. لقد تخطى عامه الثلاثين دون لقب سوى كأس إيطاليا وكأس السوبر. إنه يريد الاسكوديتو وهو يعلم أنه قادر على تحقيقه. خطب وده فريق «روما»، فقرر الرحيل.

باتيستوتا روما: منصة الصواريخ لا زالت تعمل بعد الثلاثين

ها قد قرر أحدهم أخيرًا أن يأتي بطبيب لفحص الكاحل الصناعي الذي أصبح جزءًا من جسد باتيستوتا للأبد. يقول الطبيب إن جابرييل سيستطيع السير مجددًا أخيرًا. يشعر الجميع من حوله بالحزن على ما آل إليه وضع الرجل، لكنه يدرك أن بعض الانتصارات تتحقق رغم الكثير من الحزن، لكن تحقيقها ضرورة أيضًا.

كان انتقال باتيستوتا لروما بمثابة تحدٍّ حقيقي للأرجنتيني. هل لا زالت منصة الصواريخ تعمل بعد الثلاثين، أم أن تسعة أعوام ومائتي هدف قد أجهدوا الرجل بلا رجعة؟ كون باتيستوتا ثنائيًا رفقة الشاب حينئذ فرانشيسكو توتي ضمنا لروما تحقيق اللقب الغائب منذ ثمانية عشر عامًا بأكملهم.

باتي باتي باتي باتي باتي باتي باتيجول .. هكذا صرخ المذيع الإيطالي محتفلًا بهدف باتيستوتا في شباك فيورنتينا، إلا أن الكاميرا أظهرت باتيستوتا رافضًا الاحتفال. حقق باتيستوتا لقب الدوري الإيطالي رفقة روما ليثبت فقط أنه قادر على فعلها إذا أراد، لكنه لم ينسَ أبدًا سنوات حبه لفيورنتينا.

لم أكن أرغب في معاقبة فيورنتينا. في بعض الأحيان، علينا القيام بأشياء لا نريدها. أعتقد أن بعض المباريات يجب ألا تلعب ابدًا
باتيستوتا

سترد جماهير فيورنتينا الديْن لباتي، حيث ستنتشر أهم لقطات له فوق حوائط فلورنسا احتفالًا بعامه الخمسين ثم وضع اسمه في قاعة مشاهير النادي.

أدرك باتيستوتا موسمًا تلو الآخر أن كرة القدم هي مرادف الألم. لم تكن قصة باتيستوتا سوى تحديات متتالية وآلام متجددة وأعصاب محترقة. لم يكن يحب كرة القدم بقدر خوفه من آلامها المتكررة. كان يعلم أن الألم الذي اختبأ منه كثيرًا سيجده لكنه لم يكن يعرف أنه سيفشل في الاختباء منه بعيدًا عن الكرة.

بمجرد أن قرر باتيستوتا اعتزال كرة القدم عثر عليه الألم مباشرة. شعر بألم شديد لدرجة أنه لم يتمكن من المشي. لقد بلل السرير على الرغم من أن الحمام كان على بعد ثلاثة أمتار فقط. كان يعرف أنه ما إذا قرر الوقوف فإن كاحليه سيقتلانه.

ذهبت لرؤية الطبيب وطلبت منه قطع ساقي. نظر إلي وقال لي إنني مجنون. لم أستطع تحمل الألم. لا أستطيع أن أصف بالكلمات مدى سوء الألم.
باتيستوتا

اختار الأطباء وضع مسامير في إحدى ساقيه بسبب نقص الغضاريف والأوتار. أدى ذلك إلى تخفيف الألم بشكل كبير لأنه منع احتكاك العظام بعضها ببعض، ولم يعد باتيستوتا يعاني بنفس الدرجة.

عمليات متتالية انتهت بكاحل صناعي وأمل قريب في السير بشكل طبيعي. كانت التدريبات الشاقة والمسؤولية الحتمية والأمل الجماهيري وإثبات الذات ما هي إلا حلقات في سلسلة إصابة باتيستوتا. نوبات استطاع جابرييل خلالها أن يختبئ من الألم الباحث عنه لكن دون أن يتخلص منه، بالعكس كان يراكمه حتى تجرعه كاملًا مرة واحدة.

لكن يبدو أن باتيستوتا قريبًا سيتخلص من هذا الألم ويتخلص من لعبة الغميضة البغيضة تلك للأبد، حتى ولو بكاحلين صناعيين ومسيرة من الصواريخ التي لا يتمنى لأحد أن يجيد إطلاقها ثانية لأنه وحده يعرف الثمن. يبدو أن الحصان الجامح لن تكون نهايته القتل، فهو يستحق أكثر من ذلك.