محتوى مترجم
المصدر
jacobin
التاريخ
2015/12/29
الكاتب
جو ألن

كانت العنصرية الصريحة وكراهية الأجانب اللتان ميّزتا حملة الانتخابات الرئاسية لـ دونالد ترامب، وربما قدمتا الكثير من جاذبيتها أيضًا، تنذران بالخطر. يرى كثيرون أنَّ خطابات ترامب هي علامة لشيءٍ أكثر عُمقًا وإثارة للخوف؛ نمو الحركة الفاشية في الولايات المتحدة.

عَرضَ حاكم ولاية أوهايو، جون كاسيتش، أحد المنافسين لـ ترامب للفوز بترشيح الحزب الجمهوري، مقطع فيديو مناهضًا لترامب يعيد صياغة تحذير اللاهوتي البروتستانتي ديتريش بونهوفر حول النازيين.

يعتقد كثيرٌ من المعلّقين الآخرين أنَّ العنف الذي وجّهه أنصار ترامب لمنتقديه خلال مسيرات الحملة الانتخابية، إلى جانب دعوة ترامب لمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، هي أشياء تؤكّد نازيّة ترامب. وفي آخر مناظرةٍ رئاسيةٍ ديموقراطية، أدان مارتن أومالي محافظ ولاية ماريلاند السابق والمرشح الرئاسي، ترامب ووصفه بأنّه «فاشيّ ديماغوجِيّ».

ومع ذلك، في كثيرٍ من هذه المناسبات، تم تقليل حدّة الوسم بالفاشية إلى مصطلح امتهانٍ غامض، ولم يتم التعامل معه كجسرٍ لتحليلٍ سياسيّ حقيقيّ للقوى السياسية الكامنة التي يمكن أن تُنتج حركةً فاشيةً في الولايات المتحدة.

لم تشهد الولايات المتحدة تحركات حشدٍ فاشية منذ أواخر ثلاثينات القرن الماضي، عندما أثارت الانتصارات الفاشية المتزايدة في أوروبا حماس ومشاعر أتباعها في أمريكا، وأهمهم الأب تشارلز كافلين وجبهته المسيحية. هذا التاريخ لديه ما يقدّمه لنا اليوم.


أبانا كافلين: نازي في أمريكا

في أواخر عام 1938، تحوّلت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية إلى ميزان قوًى بين القوى العظمى في العالم، في حين حارب الجنرال الفاشي فرانكو القوات الجمهورية في إسبانيا، كما أثّرت القوة المتزايدة للفاشية بشكلٍ كبيرٍ على السكّان المدنيين، وخاصة في ألمانيا. ويقول المؤرخ وارن غروفر:

في تلك السنة [1938م]، أظهرت ألمانيا للعالم أنّها ستتحرك بحصانةٍ تامّةٍ في أوروبا وتنتهك أبسط حقوق اليهود: فقدت منظمات المجتمع اليهودية وضعها الرسمي والاعتراف بها (في مارس)، وأصبح تسجيل جميع ممتلكات اليهود إلزاميًا (في إبريل)، وأُلقي القبض على 1500 من اليهود الألمان وسُجِنوا في معسكرات الاعتقال (في يونيو)، ولم يَعُد الأطباء اليهود يعالجون المرضى المسيحيين (في يونيو)، كما أمر النازيون بتدمير المعبد اليهودي الكبير بمدينة ميونيخ (في يوليو)، وطُلِب من جميع الرجال اليهود إضافة {إسرائيل} إلى أسمائهم، ومن جميع النساء اليهوديات أن يضفن اسم {سارة} (في أغسطس)، إلى جانب منع اليهود من مزاولة مهنة المحاماة (في سبتمبر)، وتميّزت جوازات السفر الألمانية لليهود بالحرف {J} ليهوذا (في أكتوبر)؛ وأخيرًا أحداث مجزرة {ليلة البلّور} (في نوفمبر).

في الولايات المتحدة، أدان الشعب والصحافة أحداث «ليلة البلّور»، ونُشر استطلاعٌ للرأي حينها أشار إلى أنَّ ما يقرب من 94 % من الأمريكيين لا يوافقون على معاملة ألمانيا لليهود.

ولكن، على الرغم من عدم شعبية النازية في الولايات المتحدة، ظهر صوتٌ يدافع عن أعمالها ضد اليهود، كان هذا الصوت هو الأب تشارلز كافلين؛ وهو قسٌّ كاثوليكيّ يعيش في رويال أوك، بولاية ميتشيغان. كان كافلين شخصيةً إذاعيةً شهيرة، له جمهورٌ بالملايين، يتركّز معظمهم في شمال شرق الولايات المتحدة، في مدينة نيويورك على وجه الخصوص.

وفي بثّ مرتقبٍ وقع بعد أحد عشر يومًا من «ليلة البلّور»، بدأ كافلين البثّ بطرح ثلاثة أسئلة: «لماذا هناك اضطهاد في ألمانيا اليوم؟»، «كيف يمكننا القضاء عليه؟»، و«لماذا النازية معادية لليهود؟».

قدّم كافلين إجابةً بسيطة؛ وهي أنَّ النازية كانت “آلية دفاعٍ ضدّ الشيوعية”، وأنَّ «الجيل الصاعد من الألمان ينظرون إلى الشيوعية كمنتجٍ غير روسيّ، ولكن كمنتجٍ لمجموعةٍ من اليهود الذين كانوا يهيمنون على مصير روسيا».

أثناء البرنامج الإذاعي، قلّل كافلين من (الغرامة) النازية المفروضة على الجالية اليهودية في ألمانيا والتي تُقدّر بنحو 400 مليون دولار، وادّعى أنَّ «بين هذه السنوات نفسها، استولى لينين وتروتسكي على ممتلكاتٍ مسيحيّة قيمتها 40 مليار دولار وليس 400 مليون دولار، من خلال اليهود الملحدين والوثنيين»، واتهم بنك الاستثمار كوهن لوب وشركائهما بمدينة نيويورك بالمساعدة في تمويل الثورة الروسية والمؤامرات الشيوعية الأخرى.

أدت دعاية كافلين النازية غير القابلة للاعتذار إلى رد فعلٍ سريع؛ إذ طالبت محطة راديو نيويورك WMCA التي تمثل غالبية جمهوره، بالاطّلاع على النص الذي سيقدمه كافلين قبل أيّ بث يقوم به في المستقبل، وألغت برنامجه بعد أن رفض ذلك. وفي وقتٍ لاحق اعترف كافلين أنّه استخدم (مصادر نازية) في برنامجه الإذاعي.

وبعد البث، أفاد مراسل صحيفة نيويورك تايمز في برلين أنَّ كافلين قد أصبح (البطل الجديد لألمانيا النازية)، ولكنَّ كافلين لم يكن بطلًا في برلين فحسب؛ بل في الولايات المتحدة أيضًا حيث استجاب الآلاف من أنصاره بحماسٍ شديدٍ لدعواته بمحاربة «الشيوعيين الملحدين».

بدأ كافلين تقديم برنامجه الإذاعي من كنيسةٍ بولاية ميشيغان، تُعرف باسم (المزار القومي لكنيسة الوردة الصغيرة). في عام 1926، عندما أذاع الراديو روايةً، وكانت تجربةً مثيرةً للملايين من المستمعين، ومع صوته الجَهور ولكنته الأيرلندية التي يستخدمها من أجل التأثير المسرحي، كان ميلاد كافلين في مجالٍ جديد.

أدى انهيار بورصة وول ستريت عام 1929 والكساد الاقتصادي الذي أعقب ذلك، إلى سلب أجزاءٍ كبيرةٍ من أعمال كافلين لقوتها وخسارته لجمهوره من الطبقة المتوسطة والطبقة الدنيا. وفي أعقاب الأزمة تغيّرت برامجه الإذاعية من الوعظ الديني إلى التعليق السياسي الذي بدأ بهجماتٍ عنيفةٍ ضد الشيوعية. ووفقًا للمؤرخ الأمريكي آلان برينكلي:

استمر كافلين في مقته للشيوعية والاشتراكية، و«النظريات الاجتماعية والاقتصادية المُضلّلة»، ولكنَّ برامجه الإذاعية أكّدت على مخاوف أخرى: خوف كافلين من أنَّ الممارسات الأنانية لـ«الرأسمالية الجشعة» من شأنها أن تدفع الأمريكان إلى تبني هذه المذاهب الخبيثة.

وفي حين هاجم كافلين (عصابات البنوك) وألقى عليهم اللوم في فترة الكساد الكبير، ازداد جمهوره على نحوٍ ضخم. وبحلول عام 1933، وصلت شبكة المحطات الإذاعية التي تبث برنامجه الإذاعي إلى ما يقرب من أربعين مليون مستمع.

وفي نوفمبر من عام 1934، أعلن كافلين أنه سينظم أتباعه في منظمةٍ سياسيةٍ جديدة، أطلق عليها اسم (الاتحاد الوطني للعدالة الاجتماعية)، ونفى كون هذه المنظمة طرفًا ثالثًا على الرغم من أنها تحمل بصمات كل حزبٍ سياسيّ تقليديّ بأمريكا، وأنه تمّ تنظيمها وفق الدوائر الانتخابية للكونغرس. انتظر كافلين القضية المناسبة لإظهار قوة تنظيمه الجديد، وكان له ما أراد في يناير عام 1935 عندما اقترح روزفلت بأن تصبح الولايات المتحدة الأمريكية تابعةً لمحكمة العدل الدولية.

لم يقترح أي رئيسٍ أمريكي منذ وودرو ويلسون – خوفًا من إثارة ردة فعلٍ انعزالية – بأن تقدّم الولايات المتحدة نفسها للمساءلة أمام أي مؤسسةٍ دولية، وهو قرارٌ له دلالاتٌ كثيرة؛ ففي البداية بدا أنَّ فوز روزفلت بالأغلبية في مجلس الشيوخ هو أمر ضروري للتصديق على معاهدة الاندماج بين الولايات المتحدة ومحكمة العدل الدولية.

حشد كافلين قواته إلى جانب معارضي محكمة العدل الدولية، من بينهم ويليام راندولف هيرست، صاحب أكبر شبكة صحف في الولايات المتحدة، واجتاحوا واشنطن بمئات البرقيات على مدار أسبوعٍ حاسم، ونجحوا بالفعل في إلغاء المعاهدة، وأعلن كافلين أنه ينوي ذبح التنين الأعظم، وقال: «هدفنا التالي هو التخلص من المصرفيين الدوليين».

كانت عبارة «المصرفيين الدوليين» كنايةً عن اليهود، وكانت تُستخدم على نطاقٍ واسعٍ في تلك السنوات من قِبل العديد من الشخصيات العامة ومن بينهم الاقتصادي الأمريكي البارز هنري فورد، الذي موّل نشر دعايةٍ معاديةٍ للساميّة من خلال صحيفته ديربورن إندبندنت.

قفز كافلين من معاداة السامية إلى الفاشية الصريحة بعد انهيار طموحاته السياسية في انتخابات عام 1936. وأدمج الاتحاد الوطني للعدالة الاجتماعية مع حركة (شاركوا الثروات) التي أسسها الراحل هيوي لونغ، بقيادة رجل الدين المعادي للسامية جيرالد سميث، والناشط السياسي المخضرم فرانسيس تاونسند، من أجل تحدّ من طرفٍ ثالث ضد روزفلت.

رشح حزب الاتحاد عضو الكونغرس عن ولاية شمال داكوتا، وليام ليمكه، لمنصب الرئيس. ومع ذلك، تحوّل روزفلت بشكلٍ كبيرٍ إلى اليسار في عام 1935، وفي مواجهة فشل سياسات (الصفقة الجديدة) والتصاعد الكبير في نضال العمّال، وقّع الرئيس على تشريعٍ تاريخيّ يضم قانون الضمان الاجتماعي والقانون الوطني لعلاقات العمل، وأدت شعبية تلك القوانين إلى تقويض أي تحدٍ انتخابيّ بالولايات المتحدة.

ومع تعثر حملة ليمكه، ازداد غضب كافلين. وقال لجمهورٍ من خمسة وعشرين ألف من مؤيديه في بروفيدانس، بولاية رود آيلاند: «عندما ينجح ديكتاتورٌ مغرورٌ في الولايات المتحدة في تشكيل حكومة الحزب الواحد، إذن فلا فائدة من الاقتراع». كما أعلن كافلين: «سأتحلى بالشجاعة لأقف وأدافع عن استخدام الرصاص» ووعد «بالمزيد من ثقوب الرصاص في البيت الأبيض أكبر مما يمكن أن نحصيه بآلة الجمع».

حصل ليمكه على أقل من تسعمائة ألف صوت في جميع أنحاء البلاد وتعرض لهزيمةٍ ساحقة، في حين حصل روزفلت على أغلبيةٍ ساحقة وحقق واحدة من أكبر الانتصارات في الانتخابات الرئاسية في تاريخ الولايات المتحدة. ومع انتهاء الانتخابات، أعلن كافلين أنه سيعتزل تقديم البرامج الإذاعية، وفي يأسٍ تامّ، قال لمراسلٍ صحفيّ يثق به «الديموقراطية هنا محكومٌ عليها بالفشل، هذه هي الانتخابات الأخيرة لنا؛ إما الفاشية، أو الشيوعية، نحن في مفترق طرق».

«ما الطريق الذي سوف نسلكه، إذن، يا أب كافلين؟»، سأل المراسل.

«سوف أسلكُ طريق الفاشية»، هكذا أجاب القِسّ.


الجبهة المسيحية

وفقًا لسيرة دونالد وارن: «لم يستطع كافلين التعافي من الهزيمة حتى عام 1938»، وبالرغم من انخفاض عدد جمهوره ولكنه لا يزال بالملايين؛ عاد كافلين لتقديم برنامجه الإذاعي بسبب المشاكل التي واجهها روزفلت في الداخل والانتصارات الفاشية في الخارج، وفي هذه الفترة تمّ القضاء على الانتعاش الاقتصادي قصير الأجل في ولاية الرئيس الأولى من خلال كسادٍ اقتصاديّ دراماتيكيّ.

أدى الركود الاقتصادي في عهد روزفلت إلى بطالةٍ شاملة، كما توقفت مسيرة مؤتمر المنظمات الصناعية في ظل إغلاق المصانع وأحواض بناء السفن وتسريح العمّال. لقد قدّمت جهود روزفلت الفاشلة لملء المحكمة العليا بحلفائه من الديمقراطيين السابقين والجمهوريين، غطاءً لإفساد وإلغاء (الصفقة الجديدة)، وفي الوقت نفسه، تقدّمت الفاشية في أوروبا.

بدءًا من عام 1936، زاد كافلين من تواجده الإذاعي مع صحيفة العدالة الاجتماعية، التي كانت تُباع في شوارع المدن الكبرى وخاصة في وسط غرب وشمال شرق البلاد. ويلاحظ وارن أنّه «على مدار 1937 وحتى أوائل عام 1938، أصبحت الرقابة المالية اليهودية موضوعًا دائمًا بصحيفة العدالة الاجتماعية. طبع كافلين نسخته الخاصة من بروتوكولات حكماء صهيون، والتي كانت الموضوع المحوري بالجريدة المعادية للسامية في ذلك الوقت».

حاول كافلين أيضًا التحالف مع موسوليني، وعرضَ على الديكتاتور الإيطالي مساحةً خاصةً بجريدة العدالة الاجتماعية للدفاع عن السياسات العنصرية لحكومته؛ (لكنّه لم يحصل على أي رد). وبالإضافة إلى انبهارهم بموسوليني، ركّز كافلين وجريدة العدالة الاجتماعية على الحرب الأهلية الإسبانية والحسّ العسكري للجنرال فرانسيسكو فرانكو، لقد صوّروا فرانكو كبطلٍ يدافع عن (الحضارة المسيحية) من الشيوعيين الغزاة.

نشرت الجريدة قصصًا رهيبةً وكاذبة عن قتل المسيحيين على يد قوات الجمهوريين، واستدرجت اليهود الأمريكان لدعم القضية المناهضة للفاشية. وقبل ستة أشهر من أحداث «ليلة البلّور»، أخبر كافلين جمهور برنامجه الإذاعي:

إذا شكّل كل قارئٍ لجريدة العدالة الاجتماعية فصيلًا صغيرًا من 25 شخصًا أو أكثر، مخصصًا لمعارضة الشيوعية في جميع أشكالها؛ فإنَّ جبهةً مسيحيةً مكوّنةً من 25 مليون أمريكيّ ستكون داخل الحدث وذات تأثير قوي.

ادّعى كافلين أنه استوحى دعوته لتأسيس (جبهة مسيحية) بدعمٍ من الحزب الشيوعيّ لإقامة جبهةٍ شعبيةٍ ضد الفاشية، ولكنَّ تلك الدعوة أثارت (جبهةً أمامية) لنشوب حرب، كما أنَّ استخدامه لكلمة «فصيل» ترك مجالًا للتفسيرات المختلفة. «اطمئنوا»، هكذا هدّد أعداءه اليساريين في خطابٍ إذاعيّ في وقتٍ لاحق، وقال: «سنقاتلكم بطريقة فرانكو إذا لزم الأمر، اطمئنوا سنقاتلكم وسننتصر».

وبعد أحداث «ليلة البلّور» ورد فعل الجمهور على تعليق كافلين حول النازية، ألغت محطة راديو نيويورك برنامجه الإذاعي. وردًا على ذلك، وفقًا لـ دونالد فلام، صاحب محطة مانهاتن، «حاصر آلاف الأشخاص إستديوهاتنا، وندّدوا بالمحطة ووصفوها بأنها ليست أمريكية، وردّدوا شعار: (لا تشتروا من اليهود، يسقط اليهود». وجاء في مذكرة المجلس اليهودي الأمريكي: «إنَّ التعليقات التي صاح بها المحتجّون أكثر وضوحًا من عناوين اللافتات»:

أرسلوا اللاجئين إلى روسيا حيث يمكن تقديرهم!

هذا بلد مسيحيّ، أخرجوا مَن ليس مسيحيًّا.

انتظروا حتى يصل هتلر هنا.

يسقط مروّجوا الحرب من اليهود.

يحيا هتلر!

وعقد أنصار الجبهة المسيحية العزم على معاقبة محطة راديو نيويورك، ومن ثمّ تظاهروا خارج المحطة بعد عطلة نهاية الأسبوع. وفي سيرةٍ ذاتية كُتِبت بعد عقدين من الزمن، ذكر وكسلر:

بلغت هستيريا الجبهة المسيحية ذروتها في منتصف صيف عام 1939، كان هناك خوفٌ حقيقيّ من أنَّ تتجذّر هذه الحركة الفاشية في نيويورك، أو أن تظهر حركاتٌ أخرى مماثلة لها في مناطق أخرى بدافع من الخطب الأسبوعية التي يلقيها كافلين.

قدّر وكسلر أنَّ الجبهة المسيحية عقدت ثلاثين مسيرةً أسبوعيًّا في كل أحياء المدينة، وجذبت حشودًا كبيرة بلغ عددها ألفي مؤيّد، كما واجه أصحاب المتاجر اليهودية في بروكلين وبرونكس اعتصامات الجبهة المسيحية بشكلٍ دائم.

بحسب فين، ندّد كورتس بالثورة الروسية ووصفها بأنها كانت مؤامرةً من اليهود الذين ذبحوا (ثلاثين مليون مسيحي)، وأعلنوا خطر الموت المباشر الذي شكّله تروتسكي في المكسيك، وقال إنَّ تروتسكي كان يبني جيشًا سريًّا على استعدادٍ للانضمام للقوات الأمريكية وإطلاق ثورةٍ شيوعيةٍ في حين كان الجيش عالقًا في أوروبا.

أصدرت الجبهة المسيحية أيضًا (قائمةً مسيحية) أدرجت فيها أسماء أصحاب المتاجر والمحلات المفضلة، ومبيعات جريدة العدالة الاجتماعية من قِبل أعضاء الجبهة، وقدّمت بذلك ذريعةً سهلة لإثارة المعارك أو تضييق الخناق على أي شخص (يُشتبه في أنه يهودي).

قدّمت إدارة شرطة نيويورك والسلطة القضائية بالمدينة خلفيةً داعمة، وتساهلت مع أنصار الجبهة المسيحية في حين تعاملت بقسوةٍ مع المناهضين للفاشية. هاجم مجموعةٌ من الرعاع مظاهرةً لنقابة عمّال النقل بقيادة مايك كويل، المسؤول النقابي الشيوعي الأيرلندي الأبرز في نيويورك.

وفي أغسطس عام 1939، وصلت الحالة الهستيرية التي أثارها العنف الفاشي في نيويورك ذروتها مع ظهور حركة (الحاشدون المسيحيون)، وهي جماعةٌ منشقة عن الجبهة المسيحية وأكثر عنفًا منها، خرجت إلى الشوارع. وأفاد الصحفي دايل كرامر أنَّ شرطة نيويورك سجلت أنَّ هذه الحركة عقدت خمسين اجتماعًا أسبوعيًا في هذا الشهر فقط، وجذبت أكثر من عشرين ألفًا.

وحتى لا تتفوق هذه الحركة عليها، دعت الجبهة المسيحية، في 19 أغسطس، إلى (مظاهرة مسيحية)، مسيرة من ميدان كولومبس إلى ميدان الاتحاد، الذي يُعرف بأنه المقر الوطني للحزب الشيوعي والعديد من النقابات البارزة في المدينة. «أنا مقتنع بأن ما يُسمى استعراضًا للقوة سيكون ذريعةً لأحداث شغبٍ داميةٍ أخرى”، وذلك حسبما ذكر جون روي كارلسون، الذي ذاع صيته بعد نشر كتاب «Under Cover: My Four Years in the Nazi Underworld of America» أو «تحت الغطاء: أربع سنوات قضيتها في عالم الجريمة النازية الأمريكية».

فصل كافلين نفسه عن المظاهرة بعد ضغوطٍ سياسيةٍ مكثفة من قيادات الكنيسة الكاثوليكية ومكتب عمدة لاغوارديا.

وعلى الرغم من العنف المثير في الشوارع والتنظيم المذهل من الجبهة المسيحية، انقسم المراقبون على دلالات الحركة المتنامية. حذّر جيمس وكسلر حينها من أنَّ «صورة الإرهاب المستمر التي تغطي المدينة ستكون صورة خاطئة»، وأنَّ «حركة كافلين لا تزال مسألة هامشية، وأيًا كان حجم التعاطف الشامل التي أثارته فهو تعاطف سلبي، محصور إلى حد كبير في الكنيسة الكاثوليكية».

ونظرًا للعديد من الأسباب، بما في ذلك توقيع ميثاق هتلر ستالين والتهديد المتزايد للحرب على نطاق أوروبا، هدأ الخطر الفاشي بعد صيفٍ مروّع من عام 1939. ولكنَّ هذه الفترة تقدّم لنا صورةً حيّة عن كيف ظهرت حركةٌ فاشيةٌ قوية ومنظمة في الولايات المتحدة.


الماضي والحاضر

ويلاحظ جين فين، وهو مؤرخٌ من الجبهة المسيحية، أنَّ حشد المسيرات النموذجيّ في الشارع بدأ مع بيانٍ جاء فيه: «من أجل المسيح والبلد، أبدأ هذه المسيرة باسم الجبهة المسيحية، قائد الجبهة المسيحية هو يسوع المسيح». وكان زعيم الجبهة المسيحية دانيال كورتس يعقد اجتماعاتٍ عامةً بشكلٍ دائم، يخاطب فيها الحشود مع مزيج بارانويدي من معاداة الشيوعية، ومعاداة السامية، وكراهية الأجانب.

هناك الكثير من الأشياء التي ميّزت الولايات المتحدة في عصر كافلين عمّا هي عليه اليوم مع دونالد ترامب، لقد أصبحت أمريكا، جوهريًا، أكثر تنوعًا الآن مما كانت عليه قبل خمسة وسبعين عامًا، ولا تزال الذكرى المؤلمة لمحرقة الهولوكوست تقدم فرصةً لهوامش المجتمع الأمريكي بسبب التبني الصريح للفاشية.

ومع ذلك، فإنَّ ثلاثة عقودٍ من عدم المساواة والتقشف أفقرت قطاعاتٍ واسعة من الطبقة العاملة الأمريكية، إلى جانب تراجع هيبة الولايات المتحدة السياسية، والمغامرات العسكرية الدموية، والغضب السائد بسبب فساد الحياة السياسية، وجعلت عددًا متزايدًا من الأمريكان أكثر تقبلًا لكراهية الأجانب والدعوات العنصرية التي تعبّر عن العجز الذي يشعرون به في مواجهة المصاعب.

استغل ترامب هذا الغضب والشعور بالعجز ببراعةٍ تامة. ولكن هل ترامب رجل فاشي تتكشف سياسته الحقيقية شيئًا فشيئًا؟ ربما، لكن من المؤكد أنَّ خطاباته التحريضية أثارت مقارناتٍ مع الديماغوجيين سيئي السمعة من الماضي الأمريكي، ومنهم كافلين. ولكنَّ الأمر الأكثر إلحاحًا من التساؤل بشأن التسمية الأيديولوجية التي تنطبق على ترامب، هو القوة السياسية الأكبر التي يٌبشّر بها.

يشعر العديد من الليبراليين والإستراتيجيين بالحزب الديمقراطي بسعادةٍ غامرة بالضوء الذي ألقت به شعبية ترامب على طموحات الجمهوريين بالرئاسة، وركّزت تكهنات وسائل الإعلام بشكلٍ كبير على معتقداته الشخصية.

يجب على اليسار تجنب هذه السياسة الكسولة والتركيز على الظروف الاقتصادية والسياسية التي خلقت دائرةً انتخابيةً واسعة النطاق ومتزايدة تدعم بحماسٍ شديدٍ آراء ترامب العنصرية، وتحيزاته الجنسية، ونظرته المعادية للأجانب، والظهور المحتمل لحركة يمينية متطرفة قوية مستقلة. مؤخرًا، قال الناشط اليميني المتطرف إيفان أوسونس لصحيفة نيويوركر: «لقد استيقظنا من سباتنا».

يبيّن لنا الماضي أنَّ الولايات المتحدة ليست محصنةً ضد الفاشية؛ ولذا، يجب علينا أن نأخذ الصعود الحالي لليمين المتطرف على محمل الجد وأن نستخدم كل الوسائل المتاحة للقضاء عليه.