تصدر هاشتاج «علماء مصر غاضبون» قائمة الأكثر تفاعلًا في مصر على تويتر منذ أيام، كاشفًا عن الظروف التي يعيشها العاملون في مجال البحث العلمي في مصر، من طلاب دراسات عليا وأساتذة جامعات. بداية، هذه بعض النماذج:

https://twitter.com/dr_haythamzaki/status/1165059756949721088
https://twitter.com/AymanMuhammad16/status/1165136985020932097

لم تقتصر المشاركة في هذه الحملة على الأفراد وأساتذة الجامعات داخل مصر فحسب، بل شارك الدكتور «عصام حجي» عبر تويتر ، ودعا زملاءه في الخارج بضرورة المشاركة.

وعلى فيسبوك، وبجانب الهاشتاج الرسمي للحملة، كان للحملة مجموعة مخصصة، احتوت على العديد من القصص التي ربما لا يعرف عنها الكثيرون، حيث ينظر دائمًا إلى طالب الدراسات العليا، أو أستاذ الجامعة بأنه يعيش حياة مرفهة.

دشّن هذه الحملة الإلكترونية مجموعة كبيرة من أساتذة الجامعات المصرية، مطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية، من خلال تطوير منظومتي البحث العلمي والتعليم، وتحسين الأوضاع المالية بتعديل الكادر الخاص بهم الصادر عام 1972، والذي ينص على صرف رواتب لا تتجاوز 6 جنيهات. كما طالبوا برفع المعاشات بحيث لا تقل عن حد أدنى 80% من إجمالي آخر مبلغ حصل عليه عضو هيئة التدريس عند خروجه لسن المعاش، موضحين أنها قد تؤدي إلى تشريد أُسر المتوفين من أساتذة الجامعات – على حد وصفهم.

وأفصح الدكتور «عبد العظيم الجمال»، أستاذ المناعة والميكروبيولوجي في جامعة قناة السويس، بنود المشكلة التي تواجه أعضاء هيئة التدريس في مقال نشرته صحيفة البيان في 23 من أغسطس/آب الجاري، من ضمنها أن راتب المعاش لأستاذ الجامعة إذا توفي يبلغ 1200 جنيه مصري (72.4 دولار أمريكي)، وللأستاذ المساعد 700 جنيه (42.2 دولار أمريكي)، والمدرس 500 جنيه (30 دولار)، والمعيد 250 جنيه (15 دولار). كما يتضمن الكادر الخاص غياب الرعاية الصحية لأعضاء هيئة التدريس وأسرهم.

ضمت الحملة عبر الهاشتاج المخصص عشرات القصص لطلاب دراسات عليا وأساتذة جامعات، يروون فيها حكايتهم في مجال البحث العلمي والتدريس، منذ التخرج وحتى سن التقاعد تقريبًا. يكتب د. «محمود رمضان» تجربته قائلًا:

لما يجيلك عقد تدريس فى النجف بالعراق بـ ٥٠٠٠ دولار شهريًا وأستاذ زائر بحضر موت باليمن بـ ٣٠٠٠ دولار شهريًا ومصراتة بليبيا ٤٠٠٠ دولار شهريًا. برغم الحروب والمجاعات والأزمات اللي في هذه البلاد يبقى في حاجة غلط.

كما علّقت «شيماء عبد الرازق» بالقول:

لما نستلف ونداين عشان نصرف ع بحوثنا العلمية… يبقى لازم نأخد موقف.
#علماء_مصر_غاضبون

لماذا كل هذا الغضب؟

إجابة هذا السؤال تحتاج لإلقاء نظرة سريعة على أوضاع الجامعات والبحث العلمي في مصر. وفقاً لما صرّح به الدكتور «محمود صقر»، رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، في مقابلة تلفزيونية حديثة، فإن البحث العلمي في مصر يعاني أزمة تمويل، إذ أن نسبة 99% من التمويل هو تمويل حكومي، يقدّر من إجمالي الدخل القومي بنسبة 0.72%، أقل من 1 صحيح، في حين حدد الدستور ألا يقل الإنفاق على البحث العلمي عن 1%.

كان هذا الرقم -0.72%- بلغ في السابق 0.4%، أي أنه تضاعف بعض الشيء خلال السنوات الأخيرة. هذه النسبة المئوية من التمويل تقدر بنحو 22 مليار جنيه، تتوزع على كافة المؤسسات المصرية التي تعمل في مجال البحث العلمي، بما فيها المؤسسات والمعاهد البحثية التابعة للوزارات. هذا المقدار من التمويل هو مقدار ضئيل، خاصة أنه لا يوجد أي تمويل للبحث العلمي من أي قطاع خاص، إلا من بعض المبادرات.

وفي مجال الأبحاث العلمية المنشورة، احتلت مصر المرتبة 38 من بين 230 دولة وفقاً لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا المصرية. وفي تقرير نشرته دورية «نيتشر» لعام 2018، وفقًا لشركة خدمات النشر الرائدة «Clarivate Analytics»، فقد لوحظت زيادة في معدل نشر الأبحاث العلمية في مصر بمعدل 21% مقارنة بباكستان التي بلغ معدل الزيادة فيها 15.9%؛ أما على الصعيد العالمي، فارتفع ناتج البحث العلمي بحوالي 5%، إلى ما يقدر بنحو 1620731 بحثًا، وهي أعلى نسبة على الإطلاق.

أما فيما يخص الجامعات، ففي أحدث تقرير له، نشر تصنيف QS الإنجليزي الخاص بتصنيف الجامعات، قائمة عالمية احتلت فيها الجامعة الأمريكية في القاهرة المرتبة 395، تلتها جامعة القاهرة في المرتبة 521.

وفي نطاق التصنيف في المنطقة العربية، حلت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المركز الأول، تلتها الجامعة الأمريكية في بيروت، بينما احتلت جامعة القاهرة المرتبة 11، ثم جامعة الأردن للعلوم والتكنولوجيا المرتبة رقم 13.

وعلى صعيد تصنيف الجامعات داخل مصر، صنف مؤشر نيتشر الجامعات والمؤسسات البحثية ضمن قائمة أفضل 10 مؤسسات علمية محلية في إحصائية تتبّعتهم من إبريل/نيسان 2018 إلى مارس/ آذار هذا العام. احتلت جامعة عين شمس المركز الأول، تلتها جامعة المنصورة، ثم جامعة القاهرة، ثم جامعة طنطا، ثم أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، ثم جامعة السويس في المركز السادس، ثم المعهد القومي لبحوث الفلك والجيوفيزياء، ثم مدينة زويل في المركز الثامن، ثم في المركز التاسع كانت الهيئة الوطنية للاستشعار عن بعد وعلوم الفضاء، وأخيرًا في المركز العاشر جامعة حلوان.

ووفقًا لمؤشر نيتشر، لم توجد مصر على قوائم تصنيف نيتشر العالمية، وصنّفت السعودية في المركز الثاني من حيث إنتاج البحث العلمي في قارة آسيا، كما تعد واحدة من أهم الدول التي تلعب دورًا أساسيًا في مجال البحث العلمي في الشرق الأوسط. إضافة إلى ذلك، فإن جامعة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية تصنف ضمن قائمة أفضل 500 مؤسسة بحثية في العالم حيث أتت في المركز 125، وفي قائمة أفضل 500 مؤسسة أكاديمية عالمية أتت في المركز 111، كما تحتل المركز 84 في قائمة أفضل 100 مؤسسة بحثية في علوم الكيمياء، والمركز 91 في قائمة أفضل 100 مؤسسة بحثية في علوم الفيزياء. 

أسباب ذلك يرجع في المقام الأول وفقًا للدورية، إلى أن السعودية استطاعت جذب الخبرات العالمية من كافة أنحاء العالم إلى معاهدها، كما يتعاون ويشارك الباحثون السعوديون بشدة مع الباحثين الدوليين. 

وبسؤال الدكتور «مجدي سعيد»، رئيس تحرير مجلة نيتشر الطبعة العربية سابقًا، عن متطلبات تطوير البحث العلمي في مصر، صرّح بأن أولى المشكلات هي الميزانية المنخفضة التي تخصصها الحكومة لتمويل البحث العلمي. لذا لابد أن يكون للقطاع الخاص شراكة حقيقية مع الحكومة لتمويل البحث العلمي، وشراكة بينهما وبين قطاع البحث العلمي نفسه حتى يكون البحث العلمي ذو قيمة. هذا بدوره يتطلب أن تكون هناك فائدة حقيقة ملموسة على أرض الواقع للأبحاث العلمية؛ على سبيل المثال تطوير المشروعات الصناعية والزراعية، وأيضًا العلوم الاجتماعية والنفسية بناءً على أبحاث علمية. كما أكد على ضرورة وجود استراتيجية تربط بين كافة المؤسسات التي تعمل في البحث العلمي، بحيث تكمل بعضها لإنجاز الأبحاث والمشاريع.

وفيما يخص الباحث المصري، أكد د. سعيد على أن الباحث يجب أن يضع الهدف من بحثه كأولوية. فمثلًا هل الهدف من بحثه مجرد ترقيّات، أم مشاكل يبحث لها عن حلول في إطار البحث العلمي؟ إذا كانت الأبحاث تسير بهذه الاستراتيجية، فقد تحقق فوائد ملموسة تستطيع جذب انتباه الدولة، والشركات ورجال الأعمال أيضًا.

تطرق د. سعيد إلى بعض المشكلات على الجانب الآخر داخل المؤسسات البحثية، والتي قد تساهم في عرقلة أي مساعٍ للتطوير، أبرزها الفساد، الذي يؤدي بدوره إلى وجود نقص في الموارد والمواد اللازمة لإتمام الأبحاث. كذلك وجود ترهل أو جو غير مناسب يعمل فيه الباحثون، مثل أن يتحمل الطالب تكاليف العمل وحده من وقت ومجهود، وحتى أجهزة غير مناسبة.

أما عن المقترحات، فتحدث د. سعيد على أن تكون وجود شراكة حقيقية بين كافة الأطراف، والحكومة، والقضاء على الفساد في المؤسسات، ووجود وقفيات الجامعات كما هو الحال في جامعة هارفارد على سبيل المثال. حيث يكون لديها مشروع اقتصادي تقوم بصرف أمواله على الأبحاث العلمية.

ما تزال المطالبات بأهداف الحملة مستمرة، على الوسم في تويتر، وتنوعت المشاركات بين آراء شخصية وقصص ودعم للحملة، كما يمكنك متابعة آخر التطورات من خلاله، ومن خلال مجموعة فيسبوك التي بلغ عدد أعضائها حتى الآن أكثر من 34 ألف شخص.

هل لك تجربة شخصية حول ممارسة البحث العلمي في مصر؟ احكِ لنا عنها في التعليقات.