لم يكن غريبًا أن يهتم اليهود على مر التاريخ بترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغتهم الأكثر ارتباطًا بهم وهي (العبرية)، وذلك لعدة أسباب، لعل في مقدمتها الحرص اليهودي على الطعن في مقدسات الإسلام ومصادره الرئيسة، وفي مقدمتها القرآن الكريم.

لذلك ظهرت في العصر الحديث أربع ترجمات عبرية (كاملة ومطبوعة) لمعاني القرآن الكريم، كان آخرها ترجمة البروفيسور الإسرائيلي «أوري روبين»، الأستاذ الفخري بقسم الدراسات العربية والإسلامية بكلية الدراسات الإنسانية – جامعة تل أبيب، والتي صدرت الطبعة الأولى منها عن نفس الجامعة في مارس/آذار عام 2005، وصدرت طبعتها الثانية المزيدة والمنقحة عام 2016، وأصبحت – إلى وقتنا الحالي- الترجمة العبرية الأكثر انتشارًا واعتمادًا حول معاني القرآن الكريم داخل إسرائيل. نالت هذه الترجمة أهميتها لسببين:

الأول: أنها – كما يقول عنها صاحبها- جاءت تلبية للحاجة الماسة لترجمة عبرية جديدة للقرآن لتصحيح الترجمات السابقة لها والإضافة عليها.

الثاني: أنها صدرت في ظل متغيرات سياسية ودولية متعلقة بأوضاع المسلمين في العالم خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وبروز نظريات سياسية وفكرية تتحدث عن الصراع بين الحضارات والأديان وتصادمها.

كما تمثلت الأهمية الأكبر لهذه الترجمة – من وجهة نظر مؤلف الكتاب – في احتوائها على كثير من التعليقات والهوامش، تحتوي معظمها على نقد للآيات القرآنية، شملت جميع سور القرآن الكريم عدا سورتي «الضحى والعصر»، وتمحورت حول فرضيات رد الآيات القرآنية إلى مصادر (غير أصيلة) تنوعت بين اليهودية والنصرانية والوثنية.

يقدم الكتاب الماثل للعرض، الذي يحمل عنوان «ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة العبرية…أوري روبين أنموذجًا» والصادر عن منتدى العلاقات العربية والدولية بقطر، أغسطس/ آب 2018، رؤية نقدية علمية/موضوعية للفرضيات التي طرحها روبين في تعليقات ترجمته العبرية لمعاني القرآن الكريم وهوامشها؛ إذ اتبعت أسلوبًا ومنهجًا علميًا يقوم على استخدام منهج «المقارنة»، وطرح الآراء والأدلة العلمية والتاريخية التي يعود بعضها لآراء عدد من المستشرقين.

كما أن مؤلف الكتاب استعان بآراء المتخصصين وأصحاب الخبرة في مجال التفاسير الإسلامية وعلوم القرآن، لبلورة الآراء النقدية الموضوعية حول استخدام روبين لعدد من التفاسير القرآنية (السمرقندي، البيضاوي، ابن الجوزي، الجلالين)، التي أشار في مقدمة ترجمته إلى أنه استخدمها لتعينه على إخراج ترجمة عبرية قريبة للتصور الإسلامي عن القرآن الكريم.


روبين ومنهجه

يشتمل الكتاب على ثلاثة أقسام، يحمل الأول منها عنوان «روبين وتفنيد منهجه في نقد الآيات القرآنية»، والذي يهدف إلى تقديم تعريف كامل بالسيرة الذاتية العلمية لـروبين، بهدف الوقوف على مدى أهليته للقيام بترجمة عبرية لمعاني القرآن الكريم بشكل موضوعي، وتقديم أكبر قدر ممكن من المعلومات للقارئ عن روبين وأنشطته وخبراته العلمية المختلفة.

كما يسلط هذا القسم الضوء على العوامل العلمية التي أثرت في روبين وفكره وأيديولوجياته وعلى رأسها أستاذه «مائير يعقوب كيستر» الذي يسمى «أبو الاتجاهات الاستشراقية» حول الإسلام في المناهج التعليمية الإسرائيلية.

يقدم هذا القسم أيضًا رؤية نقدية شاملة للتفاسير التي اعتمد عليها روبين، وكذلك نقدًا موضوعيًا وعلميًا لاختياره لهذه التفاسير تحديدًا. ويفند الباب كذلك المناهج الاستشراقية المختلفة التي اعتمد عليها روبين في تعليقات الترجمة وهوامشها، ويقف على ما بها من سلبيات ومآخذ، مدعمًا ذلك بأمثلة من تعليقات روبين في هوامش الترجمة.


المصادر اليهودية

أما القسم الثاني، فيحمل عنوان: «فرضية روبين برد القرآن الكريم لمصادر يهودية ونقدها»، والذي يقسم فرضية روبين برده الآيات القرآنية لمصادر يهودية إلى ما يتعلق منها بالقصص والعقيدة والشريعة وكذلك لغة القرآن الكريم، سواء على مستوى اللفظ أو على مستوى التعبير القرآني.

لقد تم استخدام المنهج «المقارن» في هذا الباب لبيان أوجه الشبه بين نص الآيات القرآنية المطروح حولها الفرضية، وبين النص اليهودي الذي مثل المصدر الذي ردت إليه الآيات القرآنية، مستعرضًا عددًا كبيرًا من الآراء العلمية والتاريخية الداحضة للفرضية الاستشراقية القائلة بالتأثر أو الأخذ القرآني من مصادر دينية يهودية سواء من مصدر بشري أو من كتاب ديني يهودي. مدعمًا كل ذلك بآراء عدد من المستشرقين الذين يمكن وصفهم بـ«الموضوعيين».

كما يتبع هذا القسم منهج تأصيلي مقارن للرد على فرضيات روبين المتعلقة برده عددًا من الألفاظ القرآنية إلى اللغة العبرية، وهي اللغة التي ارتبطت بالتراث الديني اليهودي على مر العصور.


المصادر النصرانية والوثنية

أما القسم الثالث، فيحمل عنوان: «فرضية روبين برد القرآن الكريم لمصادر نصرانية ووثنية ونقدها»، وبالتالي فهو يتبع منهج الباب الثاني من حيث استخدام المنهج المقارن للوقوف على أوجه الشبه والاختلاف بين النص القرآني والنص النصراني أو الوثني المردودة له الآية القرآنية.

كما استخدم هذا القسم المنهج نفسه المستخدم في الباب الثاني لمناقشة نقد الفرضية المتعلقة برد بعض الألفاظ والتعبيرات اللغوية القرآنية للغتين الحبشية والسريانية اللتين ارتبطتا بالتراث الديني النصراني، أو إلى اللغات الآرامية والفارسية واليونانية التي ارتبطت بالتراث الديني الوثني.

يستعرض هذا القسم أيضا عددًا من الأدلة التاريخية والعلمية الناقدة للفرضيات الاستشراقية التي تقول بأخذ أو تأثر القرآن الكريم بمصدر نصراني أو وثني ديني؛ إذ يناقش وينقد إمكانية الأخذ أو الاقتباس القرآني من مصدر نصراني أو وثني بشري أو التأثر أو الاقتباس القرآني سواء من الأناجيل أو من الشعر الجاهلي.

حاول مؤلف الكتاب من خلال هذين القسمين توضيح أزمة «الفهم» لدى المستشرق روبين التي تنسحب على كثير من المستشرقين الدارسين للقرآن الكريم، والذين يقومون بعملية فكرية تهدف لإثبات وجود علاقات قرابة بين الإسلام من ناحية، واليهودية والنصرانية من ناحية أخرى كديانات تنتمي إلى مجموعة دينية واحدة.

بالتالي فإن المستشرق يقوم بتغيير عملية التفكير ذاتها من خلال إجراءات عقلية يخضع فيها النص إلى معايير فكرية خارجية يفرضها عليه فرضًا، ليثبت وجهة نظره أو أيديولوجيته دون محاولة فهم الإسلام من داخله أو كما يفهمه أتباعه. تم تدعيم الدراسة بعدد من الجداول الإحصائية لفرضيات روبين المختلفة حول الآيات القرآنية، في ترجمته للقرآن الكريم إلى العبرية، بحيث قدمت هذه الجداول حصرًا إحصائيًا لكل فرضيات روبين سواء المتعلقة بالقصص أو الشرعية أو العقيدة أو ألفاظ القرآن الكريم.