في أسبوع واحد تقريبًا تحدث أشياء كثيرة يستأهل كل منها مقالاً كاملاً، لكنك لو كتبت مقالاً عن النقطة (أ) فلسوف تصير النقطة (ج) ذكرى بعيدة جدًا وسخيفة عندما يأتي دورها بعد أسبوعين. لهذا قررت أن أكتب مقالاً ثلاثيًا:


المقال الأول يتعلق بكلام المطربة شيرين عن مياه النيل والبلهارسيا، وهو كلام بدا لوسائل الإعلام مهينًا جدًا وخاليًا من الوطنية. الحقيقة أن هذا الكلام قيل منذ عشرة أشهر وفي الإمارات، فما الذي ذكر الجميع به فجأة؟

الحقيقة أن معظم ما ينشر في وسائل الإعلام من أخبار يندرج بشدة تحت بند الرنجة الحمراء. لقد ألقوا للناس رنجة حمراء يتكلمون عنها فينسون الكلام عن أشياء أخطر، مثل مصير مياه النيل وفشل مفاوضات أثيوبيا. هناك مطربة تكلمت عن النيل بسوء وهناك حكومة أضاعت النيل نفسه، لكن أسلوب الرنجة الحمراء يجعل الحمقى ينسون كل شيء عن أثيوبيا. ينسون أننا وقّعنا – دون دراسة – على اتفاقية تسلبنا كل حقوقنا الدولية في الاعتراض أمام ممولي السد، بينما التدخل العسكري عمل مستحيل.

ينسون أننا صرفنا المليارات على مشاريع غامضة مرتجلة، بينما كان ينبغي أن نلتفت إلى تحلية مياه البحر أو تنقية المجاري أو عمل مشروعات استثمارية في أثيوبيا تجعل لنا نفوذًا في ذلك البلد ووسيلة ضغط.

عندما يعم الجفاف بعد أعوام لن يتكلم أحد عن شيرين.


المقال الثاني يتكلم عن مايوه إسراء عبد الفتاح: الضرب القذر المعتاد تحت الحزام عندما تنفد حججك. ونحن نذكر صور مايوه ابنة البرادعي التي قلبت الدنيا. وقتها كانت الفتاة مع أسرتها على الشاطئ وكانت هذه صورًا خاصة غير معدة للنشر، لكن وسائل الإعلام نشرتها باعتبارها فضيحة. لقد انكشف البرادعي واتضح كل شيء. وهنا رهان على التعصب المرضي والجنس الجائع في النفوس. لسبب ما لا يفهمه أحد شعر الناس بأن هذه صور مشينة وأن البرادعي قد سقط. اليوم يتحرك طوفان الكراهية في النفوس المريضة التي لم تنسَ أن ثورة يناير/كانون الثاني 2011 كادت تسلبها حقها الأبدي في المال الحرام والنفوذ. إنهم لا يطيقون سيرة يناير ولا سيرة أي وغد اشترك فيه.

اليوم تخرج صور خاصة لإسراء عبد الفتاح لتعطي إيحاءً بأنها تحيا كالملوك وأنها تعيش حياة ماجنة باخوسية، مع استغلال الجوع الجنسي لدى جمهور المتحرشين الذي يترجم برغبة لا نهائية في العنف والتشهير. قالوا إن إسراء كانت تنادي بالعدالة الاجتماعية ثم لبست مايوهًا ولم تنزل البحر بالجلباب!… يا سيدي هي حرة… تنزل بالجلباب أو النقاب أو عارية فهذا لا يدل على شيء ولا يجعلها منافقة. النفاق هو أن تهلل من أجل الدستور مثلاً، ثم تكتشف فيما بعد أنه يقيد الحاكم ويجب تعديله. ثم أين حريتها وخصوصيتها؟.

خرجت الكتائب الإلكترونية المسعورة لتفترس إسراء طبقًا لتعليمات سيادة اللواء اليوم. وأقنع الناس أنفسهم أنهم وجدوا شيئًا فاضحًا مشينًا. تذكرت تسريبات المذيع المخبر إياه لمكالمات بين البرادعي وأخيه أو أسماء محفوظ. كلام عادي جدًا لكنهم أقنعوا نفوسهم بأنها اعترافات خطيرة. كتبت وقتها: «الناس ترحب بهذا وتكتشف أن حركة 6 ابريل عملاء وقد فضحهم هذا الصحفي الشجاع، دون أن يدقق شخص واحد في محتويات الشرائط… معظم هذه الشرائط حوارات عادية فعلاً، لكن الناس تفترض أن أي تسجيل يتم دون علم الشخص هو فضيحة!.. وماذا لو سجلت مكالمات هذا المذيع؟ ماذا يمكن أن تجد في مكالماته من أشياء مروعة؟».

مساكين هم أعضاء هذه الحركة. كانوا يعاملون كالسرطان أيام مبارك، فلما قاموا بثورة اقتربت من النجاح بدأت حملة عنيفة مرعبة لتشويههم وشيطنتهم. وكان رجل الشارع على استعداد لممارسة هواية صنع الأصنام ثم هدمها، وتدمير من حاولوا أن يخلصوه، وهي عادتنا منذ أيام الفراعنة. لذا صار الشارع على استعداد لتصديق هذا كله. ومن جديد صار الهجوم عليهم هواية محببة للجميع.

لنقل إن هؤلاء الفتية عملاء وشياطين جاءت من سقر، لكن القانون يظل قانونًا. ليس من حق أحد انتهاك خصوصيتهم على الفضائيات. الغريب أن الناس رحبت بهذا وأدانتهم قبل أن تعرف أي شيء. وكتب أحدهم: «لا حقوق لمن لا يقدم الواجبات… أي واجبات؟».


المقال الثالث هو عن تعليق كتبه أحد القراء على مقال لي عن المدرسين: «آسف يا دكتور تصورت حتى البارحة أننى المدرس واسع العلم المستقر ماديًا ذو الكبرياء. المدرس الذي لا يفخر بحرق الكتب الثقافية، ولا يقول رئيسه إنه لص، لكن – ويا للعجب – البارحة فقط دخل واحد من شر الناس وأحمقهم وأفحشهم، من دواب الخلق وليس مجرد كذاب زفة أو مخبر للأمن الوطني بدرجة صحفي درجة عشرمية والله على ما أقول شهيد، يحمل فى يده مظروفًا ضخمًا ممتلئًا باستمارات علشان نبنيها، وقال بالنص «اللي مش عاوز يوقع يديني اسمه علشان أبلغ فيه الأمن الوطني، ووقعنا يا دكتور! والعجيب إني من لحظة ما أمسكت الورقة لتوقيعها وحصلت وخزة مؤلمة في عيني ما زالت مستمرة حتى الآن…وهناك قهرة بداخلي ودمعتين مش عارفين ينزلوا…سيبك من ده يا دكتور والله بأتكلم جادًا…ممكن تنصحني أعالج عيني إزاي لإن الألم ما زال مستمرًا».

أقول للصديق القارئ أن يفتح أي قناة تلفزيونية لتكتحل عيناه بالإنجازات فيكتمل شفاؤه بإذن الله. سمعت قصصًا مماثلة كثيرة، مع عبارة: «كله يمضي بسرعة عشان الضابط مستني في مكتب المدير». وبالطبع في موقف كهذا يخشى كل إنسان البهدلة أو مخاطر غامضة فيوقع؛ لأن الاحتجاج على هذا السلوك لابد أن يكون جماعيًا .. ولا نطالب أحدًا بأن يكون جيفارا وحده. لكننا نعرف يقينًا أنهم سيجمعون خمسين مليون توقيع بهذه الطريقة، والسؤال هو ما قيمة هذه الحملة المكلفة؟ هل هي الطريق نحو إلغاء الانتخابات مثلاً، أم هي مجرد تبديد للمال كما هي العادة وإظهار لولاء المنافقين؟. هل يوجد منطق؟.

أسئلة كثيرة في مصر .. لكن لا تنكر أن هذا بلد مُسلّ يقضي على الملل. فلنحيه ثلاث مرات.