عصر التنوير في أوروبا هو الذي فصل الغرب عن حضارات العالم كله، فمنذ القرن الثامن عشر أصبحت أوروبا في وادٍ وبقية العالم في وادٍ آخر.

هي واحدة من أبرز مقولات الكاتب والباحث السوري هاشم صالح التي طرح فيها رؤيته وتفسيره لظاهرة فشل التنوير العربي، في كتابه «الانسداد التاريخي.. لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟».


كيف خرجت أوروبا من الظلام إلى النور؟

يقول هاشم صالح إن الدافع الأول لظهور حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر بقيادة مارتن لوثر، يكمن في تردي المسيحية في العصور الوسطى وتحولها إلى قوالب جامدة فاقدة للروح، ووصول الإيمان المسيحي إلى درجة مفزعة من التكلس والتحجر، وتحويله إلى وسيلة للضحك على العامة وجمع الأموال الطائلة وتحقيق المآرب الشخصية باسم المسيح والإنجيل، والتوسع في الحروب المذهبية نتيجة عدم تقبل الآخر.

عندما ساءت الأمور بهذا الشكل، انفجرت ثورة لوثر، فكان انحطاط الواقع ومحاكم التفتيش وإرهاب العقول وراء الحفر في الأعماق، لذلك جاء التنوير الأوروبي كرد فعل على الجرائم التي ارتكبت باسم المسيحية وادعاء طرف أنه يمثل «الدين الحق»، ومن ثم أخضعت أوروبا التراث المسيحي في العصور الوسطى إلى الدراسة العلمية والمساءلة.

ودفعت المسيحية نفسها فيما بعد الثمن عندما ثار عليها مفكرو أوروبا وتبرأوا منها، وأصبح رجال الدين مدعاة للسخرية بعدما فقدوا مكانتهم بسبب تبريرهم للحروب والمذابح الطائفية.

وهكذا لم يستطع المسيحيون الأوروبيون الخروج من الانسداد التاريخي إلا بعد القبول بتطبيق المنهج التاريخي الحديث على نص الإنجيل والتوراة، فلم يفلت تراثهم من المحاسبة والغربلة التاريخية الصارمة. وكان من ضمن ثمار ذلك: التفريق بين قشور الدين وجوهره، وتحقيق المصالحة التاريخية بين المسيحية والحداثة.


ما فعلته أوروبا ويعجز عنه العرب

يقول الكاتب إنه على مدار 1500 سنة، كانت الكنيسة الكاثوليكية تفرض نفسها على الآخرين، كحقيقة مطلقة كل من لا يؤمن بها كافر، عن طريق القوة ومحاكم التفتيش وحرق الكتب والناس. لكن التطور النوعي الذي حدث في أوروبا على مدار مائة عام كان بمثابة ثورة لاهوتية كبرى تصالح فيها الوعي الأوروبي مع نفسه ومع العالم، أدت تلك الثورة إلى اعتراف الكنيسة بالأديان والمذاهب الأخرى ومشروعيتها باعتبارها كلها طرقًا توصل إلى الله إذا ما كان المرء صادق النية وصالحًا في أعماله. وهو ما لا يستطيع المتزمتون فهمه لأنهم منغلقون داخل يقينياتهم المطلقة التي تنتج الإرهاب والتي عانت منها أوروبا طيلة ثلاثة قرون، فمحاكم التفتيش لم تنته في إسبانيا مثلًا سوى في أواسط القرن التاسع عشر.

وهكذا استطاعت أوروبا تحقيق المعادلة المستحيلة، حيث السماح للمؤمنين التقليديين والمؤمنين العقلانيين والملاحدة بالتعايش جنبًا إلى جنب في نفس المجتمع دون أن يعتدي أحد على الآخر، غير أنها لم تصل إلى هذه النتيجة إلا بعد معارك دامية خاضتها هذه التيارات ضد بعضها على مدار عدة قرون، وعندما حل القرن الثامن عشر أعلنت أوروبا القطيعة العلنية مع الرؤية التقليدية للعالم وإحلال الرؤية العلمية والفلسفية محلها. حدث ذلك لأن العقل استطاع أن يشكل حضارة متماسكة حلّ فيها العالم أو الفيلسوف محل الكاهن أو المطران، وهذه الأفكار لم تعد محصورة بين المفكرين فقد تجاوزتهم لتصل إلى الجمهور، ولذلك استطاعت الانتصار على الأصوليين المسيحيين بعد توسع قاعدتها الشعبية.

هنا يؤكد صالح أن التجربة الأوروبية كانت حصيلة مصارعة الذات لذاتها على نحو جدلي خلاّق، وهذا أعظم أنواع التحرير الذي يمثل الخلاص الحقيقي، وهو ما لم يدركه المثقفون العرب الذين هربوا من مشاكل الذات وقفزوا فوقها بتبني أيدولوجيات جاهزة مستوردة من الخارج. فحل المشكلة التراثية لا يكون إلا بخوض معركة الصراع معها على المكشوف، والوقوف على أرضية الأصوليين نفسها بغرض تفكيك مقولاتهم المتحجرة بشكل علمي وتاريخي دقيق.

فالتحرير من الداخل أكثر رسوخًا وإقناعًا، والحفر في الأعماق سيعزل الرواسب الطائفية والمذهبية والقبلية والعشائرية المتراكمة، من خلال مراجعة اليقينيات التي ترسخت منذ الطفولة. وهذا ما فعله فلاسفة التنوير في أوروبا عندما دخلوا في صراع مع الأصوليين المسيحيين وتصورهم اللا عقلاني الغيبي، والحداثة كمنتج ما هي إلا الخُلاصة النهائية التي تمخض عنها هذا الصراع.


معركتنا الحديثة هي معركتهم القديمة

العالم الإسلامي يشهد الآن نفس الأزمة التي شهدها العالم المسيحي الأوروبي قبل 200 عام.

هكذا يرى صالح الذي يعتبر أن أهم أعراض تلك الأزمة يتمثل في انقسام الوعي الإسلامي على نفسه، فمن ناحية يريد أن يظل مخلصًا للعقائد التقليدية الموروثة، ومن ناحية أخرى لا يستطيع أن يظل مخلصًا لها في ضوء اكتشافات العلم والحداثة التي تناقض الرؤية القديمة للعالم. فالعمل إذًا يكمن في تطبيق القراءة التاريخية والعقلانية على النصوص للتوفيق بين العقل والدين، وهذا ما فعله ابن رشد في زمنه.

ويشبّه صالح الحالة الأوروبية قبل قرنين بحال العالم الإسلامي الآن، فيقول إن تصريحات باباوات روما في القرن التاسع عشر ضد الفلسفة الليبرالية والعلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومعظم أفكار الحداثة تكاد تسمع أصوات الأصوليين نفسها عندنا وهم يدينون الديمقراطية، وأن كل المعارك السياسية والفكرية التي تدور الآن ليست إلا مقدمة تمهيدية لفتح الملفات القديمة المغلقة منذ أكثر من ألف عام.

فالمناقشات والمعارك التي تدور الآن في العالم العربي، دارت من قبل بين الأصوليين والتنويريين في أوروبا، مثل نظرية التطور لداروين التي قبلها التيار الليبرالي الصاعد داخل الكنيسة ورفضها التيار الأصولي بحجة أنها مخالفة للكتاب المقدس الذي يقول إن الإنسان على هذه الهيئة منذ 6 آلاف عام ولم يحدث له أي تطور، ولكن العلم الحديث يقول إن الإنسان وُجد منذ ملايين السنين.

انتهت هذه المعارك التي طالت لمدة ثلاثة قرون بانتصار الحداثة، وقامت الحضارة الغربية على أنقاض الرؤية الأصولية، وأصبحت المصالحة بين العقل والدين ممكنة ليس بالقضاء على الأخير ولكن بتوليد فهم آخر له غير الأصولي المتحجر الشائع منذ مئات السنين.


لماذا نجح الإصلاح الديني في المسيحية ولم ينجح في الإسلام؟

لماذا خرج المسيحيون من أسر لاهوت القرون الوسطى والفتاوى الكنسية التكفيرية؟، ولماذا لا يستطع معظم شيوخ الإسلام أن يخرجوا من هذا الموقف المتحجر بادعاء الحقيقة المطلقة؟

يطرح الكاتب هذا السؤال مؤكدًا أن المجتمعات الأوروبية تقدمت على مختلف المستويات وانتشرت فيها الأفكار العلمية والتنويرية إلى حد أجبر الكنيسة الكاثوليكية الرومانية على تغيير مواقفها التقليدية الجامدة، فلم يكن لمجمع الفاتيكان أن يغير من القناعات التي سيطرت على عقول المسيحيين الأوروبيين أكثر من 1500 عام إلا إذا سبق ذلك طفرات علمية وفلسفية لا مثيل لها في التاريخ، مثل الثورة العلمية بقيادة كوبر نيكوس وغاليليو وأينشتاين، والثورة الفلسفية بقيادة ديكارت وكانت وهيجل وكل فلاسفة التنوير، والثورة السياسية التي تمثلت في الثورة الإنجليزية 1688 والثورة الأمريكية 1776، والثورة الفرنسية الكبرى 1789، على هذا النحو انفك الانسداد التاريخي في المسيحية الأوروبية.

يرى هاشم صالح أن هذا العمل الأوروبي التفكيكي التحرري لا يزال مستحيلًا في العالم العربي والإسلامي بسبب عدم انتشار الأفكار العلمية والفلسفية في أوساط الشعب بما فيه الكفاية أو حتى في أوساط العلم والثقافة أحيانًا، فأفكار الماضي وسلطة الأقدمين العقائدية ما زالت تتمتع بهيبة لا تزال هي السائدة والشائعة في مجتمعاتنا، والشيخ الجليل الذي يتحدث على شاشة التلفاز يعادل في تأثيره كل المثقفين العرب دفعة واحدة.


العرب قبل الانسداد والظلام

يستعرض هاشم صالح التاريخ العربي قبل دخوله في النفق المظلم، فيقول إنه لولا تلك الترجمات التي مولها خلفاء بغداد والأندلس لضاعت الفلسفة الإغريقية، ولِما حصلت النهضة الأوروبية لاحقًا، ولكن مأساة المسلمين أنهم تخلوا عن العلم والفلسفة بعد الدخول في عصر الانحطاط؛ أي بعد موت ابن رشد عام 1198م، وأدى سقوط الأندلس فعليًا عام 1492م إلى نهاية المشروع الإسلامي القائم على العقلانية.

المشكلة هنا أن عصور الانحطاط استمرت فترة طويلة؛ أي منذ القرن الثالث عشر حتى التاسع عشر، فشكلت حجابًا حاجزًا يفصل بيننا وبين العصر الذهبي الذي حكم الأندلس 50 عامًا، والذي كان يتبنى فيه الخليفة عبد الرحمن الثالث مثلًا العلماء من كل الأديان، فأبدعوا في كل المجالات؛ في الفلك والطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم النبات والجغرافيا، وكانت قرطبة أكثر مدن أوروبا تقدمًا من الناحية العلمية والحضارية، ومكتبتها كانت تحتوي على ما لا يقل عن 400 ألف كتاب، ونتيجة هذا الإشعاع الثقافي ظهر فلاسفة كبار من كل الأديان مثل ابن مسرة وابن حزم وابن باجة وابن الطفيل وابن رشد وموسى بن ميمون، وكانت اللغة العربية لغة العلم والثقافة. في هذا العصر اتخذ عبد الرحمن مطران قرطبة المسيحي ريسموند مستشارًا له، وطبيبه كان اليهودي هسادي بن شاتبروت.

الشيء المدهش هنا أن الفلسفة والإيمان لم تنبذ بعضها مثلما حدث بعد ذلك في قرون الانحطاط، عندما حل الموحدون محل المرابطين فضيقوا على حرية الفكر في الأندلس، ثم ساءت الأوضاع السياسية فخرب التعايش بين الأديان وقُضي على الفكر والفلسفة.

هنا اتهم صالح الفقهاء المالكيين بالقضاء على هذه الروح الانفتاحية الرائعة، والتسبب في دخول العالم العربي والإسلامي ذلك الانسداد التاريخي الذي نتج عن هزيمة التيار العقلاني والتأويلي في الإسلام وسيطرة التيار الأصولي المتزمت، أهل التقليد والتفسير الحرفي، على الشارع الإسلامي. ونتيجة لطول الفترة التي سيطر فيها هذا الاتجاه على عقول المسلمين تناسى كثيرون أن الإسلام كان تعدديًا في الفترة الكلاسيكية الحضارية.

لم تكن تلك المرة الأخيرة التي سيُهزم فيها التيار العقلاني في الإسلام، حيث هُزم مرة أخرى في العصر الحاضر، فالفكر التجديدي للإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعلي عبد الرازق هُزم أمام فكر حسن البنا وجماعة الإخوان، فكانت السيادة لحركات الانغلاق الفكري من جديد.

من هنا أصبح الانسداد سيد الموقف، فالقديم ما زال قادرًا على إيقاف أي محاولة تنوير تفتح أبواب التراث المغلقة، والمصادرة صارت إحدى أدوات الانسداد التاريخي الذي يشل العالم العربي ويمنعه من النهوض والتقدم.


كيف يمكن تحرير الروح العربية الإسلامية من عِقالها؟

كبار مفكري المسيحية الأوروبية كانوا تلامذة لفلاسفة المسلمين الكبار، كالقديس توما الإكويني، هؤلاء لم يستطيعوا التوصل إلى الفلسفة اليونانية إلا بفضل ابن رشد وابن سينا والفارابي وابن باجة.

يرى هاشم صالح أن الروح العربية تقيدت وانغلقت على ذاتها منذ انهيار الحضارة العباسية والأندلسية، مؤكدًا أنه لا مفر من تحرير الروح الداخلي، قبل أي تحرير اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي، معتبرًا أن أعلى درجات الغياب والاستلاب والأسر عندما يكون المقيد لا يشعر أبدًا بأنه مقيد، بل على العكس من ذلك يعتبر نفسه حرًا، ويستغرب من طرح مشكلة هو لا يراها موجودة، والسبب في تلك الحالة العجيبة أن غياب الحرية عن الساحة الثقافية العربية الإسلامية طال قرونًا عديدة متواصلة لدرجة أصبح معها العربي المسلم ينكر أهمية وجودها ويتهم الذين يريدون إعادتها بشتى أنواع التهم، وأنهم يتآمرون عليه وعلى تراثه.

الحرية التي يفتقدها المجال العربي هي التي صنعت مجد وحضارة وتفوق أوروبا، فحرية الروح وتحريرها من أصفاد وسجون اللاهوتية منذ القرن السادس عشر أنعشت كل الفنون والعلوم والآداب، ووفرت البيئة الخصبة لظهور أمثال نيوتن وأينشتاين، كما تجدد فهم الأوروبيين للدين وانقلب رأسًا على عقب واختلف إيمان ما بعد التنوير عما قبله، فتوثقت علاقته بالجوهر لا القشور، حيث الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى التي تطرح على الوجود البشري، وبدأت أوروبا عصرًا جديدًا، عصر المصالحة بين الفكر الديني والفكر العلمي، بين اللاهوت والفلسفة.

في هذا السياق، هاجم الكاتب القومية العربية معتبرًا أنها فشلت فشلًا ذريعًا في عملية تحرير الإنسان العربي؛ لأنها فرضت نفسها بشكل قسري على الشعوب، ولأنها كانت مُفرغة من أي فلسفة إنسانية ومن أي احترام للأقوام الأخرى كالأكراد والأمازيغ والأرمن. فهي – أي القومية – بجانب الخطابات الأيدولوجية الأخرى التي سيطرت ولا تزال على العقل العربي سواء الماركسية أو الإسلامية، كلها تنتمي لنفس المنظومة الفكرية برغم كل الخلافات الظاهرية بينها؛ لأنها تشترك في صفتين: ضمور الحس التاريخي من ناحية، واحتقارها الكلي لمفهوم الحقيقة من ناحية أخرى.

وبذلك يستبعد الكاتب أي تحرير حقيقي على يد تلك الأيدولوجيات والخطابات؛ لأن الخطاب الفكري المنوط بعملية مواجهة الانسداد التاريخي يجب أن يكون على درجة عالية من الحس والوعي التاريخي بموازين القوى العالمية، والاعتراف بالحقيقة، ومواجهة الذات والتراث مواجهة حقيقية. لذلك فأي محاولة لفرض التنوير بالقوة ودون مواجهة حقيقية مع التأويل القديم وتوفير الشروط اللازمة لعملية النجاح ستفشل في خلق واقع جديد مقبول.

ولأن صالح يرى أن الانسداد التاريخي في العالم العربي ناتج عن هيمنة مجموعة من اليقينيات المطلقة التي لا تقبل النقاش وتحظى بمرتبة القداسة وتقدم الحماية المعنوية والإلهية للظلام السائد بينما هي مجرد أفكار بشرية تقدم نفسها في صورة إلهية معصومة، فهو يعتقد أن تحرير الوعي العربي يبدأ من كشف زيف هذه اليقينيات، التي شرب العرب عصمتها مع حليف الطفولة، ذلك سيفتح ولو ثغرة في جدار التاريخ المسدود.

فالانسداد التاريخي، الذي يمنع العرب وكل الشعوب الإسلامية من الانطلاق، ينتج عن التناقض المطلق بين النص والواقع، بين النص وبين كل التطورات العلمية والسياسية والفلسفية التي ارتبطت بالأزمنة الحديثة، فالالتزام بحرفية النص يؤدي بالمسلم إما إلى إنكار الحداثة وإعلان الحرب عليها أو إنكار النص ومن ثم الشعور بالذنب والخطيئة.

والحل الذي يطرحه الكاتب لتفادي هذا أو ذاك هو التأويل المجازي للنص والاعتراف بالمشروطية التاريخية له كما فعل المسيحيون في أوروبا بعد التنوير. فكل ما جاء في النص عن خلق العالم والإنسان وتشكل الظواهر الطبيعية من أمطار ورعد لا ينبغي أن يؤخذ حرفيًا ولكن مجازًا؛ لأنه يتناقض كليًا مع الحقائق العلمية والقوانين الفيزيائية التي توصلت إليها العلوم الطبيعية الحديثة.

كذلك التشريعات والحدود الواردة في النص كقطع الأيدي والأرجل والجلد والرجم و«للذكر مثل حظ الأنثيين»؛ كل ذلك مضاد لحقوق الإنسان التي أقرتها شرائع الحضارة الحديثة. لن يصبح ذلك ممكنًا بدون الاعتراف بالبعد التاريخي للنص؛ أي بمشروطيته التاريخية زمانًا بالقرن السابع الميلادي ومكانًا بشبه الجزيرة العربية، ثم البيئة السورية والعراقية في القرون الثلاثة الهجرية الأولى حيث تبلورت الشريعة أو الفقه القديم الذي يعتقد المسلمون أنه كله منزل من السماء في حين أنه من صنع البشر ومشروط بعصره.

يدافع هاشم صالح عن تصوره مؤكدًا أن الاعتراف بتاريخية النص لا يعني إنكار تعاليه أو استلهامه الرباني قيميًا وروحيًا، وإنما يعني التفريق بين ما هو عرضي وما هو دائم، فالأحكام والحدود تاريخية مرتبطة بعصره.