تجول في منزلك لعدة دقائق.. ماذا ترى؟

لدينا أثاث الغرف، جدران مطلية بلون ما، أرضية قد تكون مغطاة أو لا تكون. حسنًا كانت تلك نظرة عامة أكثر مما ينبغي. لندقق النظر أكثر في عدة زوايا. لديك الكثير من الزجاجات في أرجاء المنزل تعلم جيدًا ما تحتوي وفيما يستخدم، أو ربما لا.

سنتحدث اليوم على الكيمياء التي تشاركك حياتك دون أن تدري. هذه المواد المختبئة في المنتجات التي تستخدمها بشكل منتظم وتلجأ إليها لتقوم بعملها السحري وتنجز المهمة أيا كانت. دون مزيد من الإطالة هيا لنبدأ الجولة من الكيماويات الكامنة على مرأى من الجميع؛ المنظفات الكيماوية.


بياض الثلج

هناك بقعة حمراء ضخمة على قميصك الجديد من جراء حادثة صغيرة تتعلق بطبق من المعكرونة. ما تراه أمامك هو جزيئات عضوية يمتلك كل منها منطقة تسمى Chromophore. هذا الكروموفور هو مجموعة من الذرات المسئولة عن إعطاء الجزيء ككل لون يمكن للعين رؤيته.

يقوم عمل الكروموفور على قدرته على امتصاص الإشعاع الضوئي كله عدا أجزاء معينة لا يستطيع امتصاصها. ما نراه نحن هو ترجمة أعيننا لهذه الأجزاء الإشعاعية التي لم يمتصها الكروموفور وتركها لنا. وبهذه الكيفية يصبح لدينا لون.

ما حدث لقميصك هو أن جزيئات الصلصة العضوية لديها كروموفور يقوم بامتصاص كل الإشعاع الضوئي في منطقة الضوء المرئي عدا هذا القابع في منطقة اللون الأحمر ذا الطول الموجي العالي والطاقة المنخفضة نسبيا. لذا فأنت ترى ما تبقى من هذا الضوء على هيئة كابوس كبير أحمر اللون.

هنا تساعدنا الكيمياء في التعامل مع الموقف بطريقة فعالة لكنها قد تحتوي على بعض من خداع الذات المشروع. بالطبع تظل الفكرة الأساسية فيما يخص المنظفات هي «إزالة المادة العالقة»، لكن أغلب البقع المؤرقة فعليا لا نستطيع ببساطة إزالتها بإزالة مصدرها ميكانيكيا. لذا نلجأ لحيلة أكثر عمقا على المستوى الذري.

يقوم الكروموفور بعمله المعتمد على امتصاص الإشعاع بواسطة امتلاكه لرابطة ثنائية بين ذرات الكربون أو الأكسجين التي يتكون منها. تعتمد المبيضات على إفقاد الكروموفور هذه المزية بإفقاده لرابطته الثنائية وتعريته من إلكتروناته وأخذها بعيدا. بتدمير الكروموفور يفقد الجزيء ككل القدرة على امتصاص الضوء أو يصبح مضطرا لامتصاص الضوء في أطوال موجية تنتمي لمناطق لا تراها العين كالأشعة فوق البنفسجية.

هكذا وبكل بساطة لن تستطيع العين رؤية الجزيء الملتصق بالنسيج، وبالتالي تحصل أنت على راحة البال المطلوبة. كانت هذه هي طريقة «أكسدة» الكروموفور. بالطبع يمكننا أيضا اختزال هذا الكروموفور، وهي عملية لا تتطلب تكسيره بل تحويل الرابطة الثنائية إلى أحادية، وبالتالي تفقد قدرتها على امتصاص الإشعاع أيضا فنفقد القدرة على رؤيتها تماما كما حدث في الأكسدة.


الكيمياء في زجاجة

مع أننا نطلق على هذه المبيضات اسم مبيضات «الكلور»، ومع أن للكلور بالفعل القدرة على تدمير الكروموفور – مع القدرة الإضافية على تدميرك أنت شخصيا طبقا لتجارب فريتز هابر – فإن عمل المبيضات المستخدمة في البيوت لا يعتمد نهائيا على الكلور –لسبب سنذكره بعد دقيقة- الذي لا يقوم بأكثر من البقاء ذائبا في الماء. ما يحدث بالفعل هو أن التبييض أي القيام بتدمير الكروموفور هو عمل يقوم به الأكسجين وحده أو على هيئة بيروكسيد الهيدروجين H2O2.

فيما يطلق عليه مبيضات الكلور، تكون المادة الفعالة إما هيبوكلوريت الصوديوم أو الكالسيوم Sodium or calcium hypochlorite أو مواد أخرى تعمل بنفس الطريقة مثل Sodium dichloroisocyanurate. في مبيضات الأكسجين – التي تعمل على الشعر أيضا.. ستجد أن المواد الأشهر هي بيركربونات الصوديوم Sodium percarbonate وبيربورات الصوديوم وبيروكسيد الصوديوم.

بالطبع هناك البوراكس Borax أيضا، وهو المعروف لدى الكيميائيين بالاسم الأسهل Sodium tetraborate decahydrate والمحتوي على البورون الذي يعطيه القدرة على قتل الكائنات المجهرية أيضا.


إلى المعمل.. مع الحرص الشديد

نحن نعلم الآن الأفكار العامة لتقنية التبييض وما هي المواد المستخدمة، لننتقل سويا إلى المعمل. تطبيقا للنظرية فإن المواد المذكورة اّنفا تتفكك في المحلول مطلقة أكسجين نشطا أو بيروكسيد هيدروجين يقوم بمهاجمة الرابطة الثنائية في البقعة ليخفي أثرها.

بالطبع في حالة الهيبوكلوريت أنت تريد أن تحافظ على المحلول في حالة قاعدية. ما إن تتحول الظروف للحالة الحامضية، ينتج غاز الكلور السام مما يعد خطرا داهما حدا بشركات تصنيع المنظفات إلى إضافة هيدروكسيد الصوديوم بكمية تكفي لجعل الوسط قاعديا دائما حتى وإن عنى ذلك اهتراء الملابس بعض الشيء بسببه. إنه ثمن قليل ستدفعه لتحافظ على حياتك.

بالطبع سيعاني جلدك من هذه القاعدية – التي تصل إلى pH 12 – أحيانا لذا لا يفضل إطلاقا أن تلامس المبيضات القوية جلدك ولن يكون من الحكمة بتاتا أن تضعها في علبة للرش. لكن ماذا إن فعلت؟

الماء.. عليك بغسل المنطقة التي تعرضت للمبيض بالماء لمدة لا تقل عن عشرين دقيقة في حالة الجلد وثلاثين دقيقة إلى ساعة في حالة العين مع إبقائها مفتوحة. عليك التأكد من التخلص من بقايا المبيض الحارق من فوق سطح جسمك لأنه سيستمر بأكل جلدك ما استمر موجودا عليه. كذلك حاول أن تحذر من انتقال المبيض من منطقة على الجلد إلى منطقة أخرى أو من العينين للوجه أثناء الغسيل لأن هذا سيتسبب في تكبير منطقة الحرق، وأنت لا تود ذلك.. ولا نحن أيضا.

في العادة لا يسمح بمواد شديدة الخطورة بأن تكون في متناول الناس تجاريا، لذا يتكفل الماء عادة بحل المشكلة رغم ألمها. مع هذا فإنك إن لاحظت استمرارا مبالغا فيه للألم أو كان المتعرض للحادثة طفلا فعليك الإسراع للمستشفى في الحال.

مع أن رائحة المبيضات النفاذة قد تروق للبعض، فإن تاريخ هذه المركبات الكيمياوية قد بدأ برائحة غير محببة. كان هذا عندما تم اكتشاف شخص ما لطريقة التبييض الأولى في التاريخ، تعليق الملابس في الشمس بعد إغراقها في البول. بالطبع من منظور علمي فإن مركب الأمونيا في هذا البول قادر على أداء المهمة بنفس أسلوب المبيضات الحالية لكن البشرية كانت أكثر حظا. اكتشف كلود بيرتوليه الخصائص المبيضة لمحلول الكلور ووضع اكتشافه في يد أبي زوجة جيمس وات الذي قام بتسويقه كمنتج أنقذنا جميعا من رائحة لها صفة أسوأ بكثير من مجرد النفاذية.

في لقائنا القادم سنباشر التجول في أرجاء المنزل، ربما المطبخ أو قرب النافذة. وسنقوم باكتشاف مواد أخرى جالسة في زجاجات أو أكياس ملونة وشفافة، دائما على استعداد أن تؤدي لنا الكثير من الخدمات.

المراجع
  1. (5th Edition) Gary L. Miessler, Paul J. Fischer, Donald A. Tarr: Inorganic Chemistry
  2. Joe schwarcz -Brain fuel
  3. Webmed on chemical burns treatment