يستولي حب الله على قلب المريد حتى يكون في صورة العاشق، الذي ليس له إلا هم واحد، هو الارتقاء نحو أنوار الملكوت.

هذه المقولة ليست لابن الفارض أو ابن عربي أو الرومي، أو غيرهم من أعلام التصوف، وإنما هي لعالم الاجتماع الشهير ابن خلدون.

«ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع»، مقولة شائعة عن ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، نظرًا لكتابه الشهير «المقدمة».

لكن ما لا تركز عليه الكتابات التاريخية أو الفلسفية عن هذا العالم المسلم الشهير، هو أنه كان أيضًا متصوفًا مؤمنًا بالعشق الإلهي والكرامات والأحوال، وهو أمر قد لا يستسيغه البعض، باعتبار أن التصوف مسألة روحانية، بها من الميتافيزيقا أكثر من المعارف العقلية التي برع فيها.

لكن التاريخ يقول إن ابن خلدون كان بالفعل متصوفًا، بل له مؤلف في علم التصوف عنوانه «شفاء السائل في تهذيب المسائل».

كان اتجاه ابن خلدون للتصوف تحولًا في حياته، جاء في مرحلة لاحقة على انشغاله بالسياسة والتاريخ والاجتماع والفلسفة والعمران والفقه، وتداخلت في هذا التحول دراما إنسانية.

كيف حدث هذا التحول في حياة ابن خلدون؟ وماذا نتج عنه؟ وما محددات معتقدات ابن خلدون الصوفية، وأشهر المسائل الصوفية التي تكلم فيها؟ هذا ما نجيب عليه في مقالنا.

مأساة إنسانية سبب التحوُّل

ولد ابن خلدون في تونس (732هـ – 1332م)، وحين شبَّ تنقل بين الأندلس والمغرب، وخاض غمار السياسة واقترب من الحكام، وكان بمثابة دبلوماسي بين ملوك الدول في المغرب العربي والأندلس، وتعرض للسجن ودسائس السياسة كثيرًا.

وبعد مرحلة من حياته كان عمره وقتها حوالي 52 عامًا قدم إلى مصر بحجة رغبته في الحج، وكانت مصر محطة لحجاج المغرب الإسلامي، قبل الانطلاق لمكة، لكن هدفه الذي أخفاه هو الاستقرار بالقاهرة.

وصل ابن خلدون مصر واستقر بالقاهرة، وكان وقتها عالمًا وسياسيًّا مشهورًا، وكتابه «المقدمة» كان متداولًا بين الدارسين في مصر.

التف كثيرون من طلبة العلم في القاهرة حول ابن خلدون، حد أن أجلسوه في الجامع الأزهر ليدرس لهم بانتظام، وفي هذا التوقيت كان يحكم مصر السلطان المملوكي الظاهر برقوق.

تعرف الظاهر على ابن خلدون لمَّا سمع به عنه، وأكرمه وقربه منه، بل أوكل إليه التدريس بعدد من مدارس الفقه المالكي، حتى ولاه القضاء.

حينها أرسل ابن خلدون إلى أسرته في تونس للحاق به في القاهرة والإقامة معه، وقبيل وصولهم الإسكندرية غرقت السفينة التي كانت تقلهم نتيجة عاصفة، وماتوا جميعًا، فكانت فاجعة كبيرة ألمت به، ودفعته إلى الرغبة في الزهد والانقطاع للعبادة، وفي ذلك يقول:

وصلوا من المغرب في السفين فأصابها قاصف من الريح فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود، فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد … فوقفت بين الوِرْدِ والصدر، وعلى صراط الرجاء واليأس، وعن قريب تداركني اللطف الرباني … مُؤَمِّلا من الله قطع صبابة العمر في العبادة، ومحو عوائق السعادة بفضل الله ونعمته.

في هذا التوقيت كان كثيرون في مصر يحاولون وضع الدسائس بينه وبين الظاهر برقوق، فأقاله من ولاية القضاء، لكنه لم يغضب عليه، حيث أبقاه مدرسًا بأكثر من مدرسة يرعاها السلطان شخصيًّا.

وجد هذا القرار هوى في نفس ابن خلدون، الراغب في الزهد والعبادة فسافر للحج ثم عاد للقاهرة، فعينه برقوق شيخًا على الخانقاه الظاهرية.

نلاحظ أن كل الظروف كانت تدفع ابن خلدون دفعًا إلى التصوف، أولها فراره من تونس واعتزاله السياسة رغبة في الهدوء، ثانيها إقالته من القضاء، والأهم كان موت أسرته الذي ترك أثرًا روحيًّا كبيرًا في نفسه، جعله يميل للعزلة والزهد والعبادة.

وأخيرًا جاء تعيينه شيخًا على الخانقاه الظاهرية، هذا المكان الذي كان مسجدًا ومدرسة ومحلًّا لإقامة الصوفية.

وهذا المنصب أتاح له الاقتراب أكثر وأكثر من التصوف؛ فبعد أن استعدت روحه ومالت إلى الزهد والعبادة، بدأ يدرس المتصوفة ويعيش حياتهم ويتأثر بهم وينهل من علومهم، حتى صار له منهجه في التصوف، والذي تبلور بشكل واضح في كتابه «شفاء السائل في تهذيب المسائل».

تصوف ابن خلدون: ضد الحلول ومع الكرامات

رأى ابن خلدون في التصوف أنه «رعاية حسن الأدب مع الله في الأعمال الباطنة والظاهرة، بالوقوف عند حدوده، مقدمًا الاهتمام بأفعال القلوب، مراقبًا خفاياها، حريصًا بذلك على النجاة».

وهو تعريف يلمس الظاهر والباطن، لا الباطن فقط، ولكنه يعتبر أن أفعال القلوب هي الأساس، وليست أعمال الجوارح.

فالتصوف عند ابن خلدون يقوم على الاستقامة في السلوك الظاهر، بالتوازي مع المجاهدة الروحية للوصول للكشف أو الفتوحات الربانية التي تأتي من الله إلى الصوفي مباشرة، حيث يقول:

إنه التخلق بمجاهدة الاستقامة، مقتصرًا عليها، وبمجاهدة الكشف، ومن شروطها مجاهدة الاستقامة فيتخلق بهما معًا.

ابن خلدون يرى أن التصوف ليس غريبًا على الإسلام، وأن الصحابة كانوا متصوفين بطبعهم، ولكن بعد عصر الصحابة وكبار التابعين، بدأ الإقبال على الدنيا ونسي الكثيرون أعمال القلوب وصار الدين مظاهر شكلية، ظهرت طائفة الزهاد العباد الذين أطلق عليهم الصوفية.

ويغلب على لغة ابن خلدون طابعه العلمي، فيصنف الشريعة الإسلامية إلى فقهين، هما فقه الظاهر الذي يعتني بأعمال الجوارح من عبادات ومعاملات، وفقه الباطن الذي يعتني بأعمال القلوب، ويسميه أيضًا فقه الورع وعلم الآخرة.

ويهاجم ابن خلدون ما وصفه بالبدع التي دخلت على التصوف في عصور متأخرة، معتبرًا أن هناك أفكارًا شيعية دخلت على التصوف، كنظرية «القطب» الذي يعتبر أعلم أهل الأرض وأكثرهم اتصالًا بالله، ويدور حوله الكون.

ويعتبر أن هذه النظرية تعادل فكرة الإمام المعصوم عند الشيعة، وهو المنصب أو المقام الذي يُتَوَارث بين آل البيت. وبناءً عليه يرفض أيضًا ما يعرفون بـ «الأوتاد» و«الأبدال» و«النجباء».

وبالتبعية يرفض ابن خلدون أفكار الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ويعتبر كل ذلك دخيلًا على الإسلام.

أي يجوز أن ننسبه لمدارس التصوف غير المغالية، والتي برز منها أبو حامد الغزالي وأبو طالب المكي، والقشيري، ومن ساروا على دربهم.

ولكنه مع كل ذلك يؤمن بالمكاشفة والكرامات والولاية، ويرى أن المجاهدة الروحية تحيل إلى الاتصال بالله وما يصفه الصوفية بـ «العلم اللدني» الذي يأتي للصوفي مباشرة من الله.

كذلك لا ينكر ابن خلدون الكرامة والإتيان بخوارق الأمور، بل بالعكس يؤمن بها، فيقول:

«أما الكلام في كرامات القوم وإخبارهم بالمغيبات وتصرفهم في الكائنات، فأمر صحيح غير منكر»، مؤكدًا أن الوجود شاهد بوقوع الكثير من هذه الكرامات وإنكارها نوع من المكابرة.

بل يتجاوز فكرة الكرامة ويتعاطف مع أصحاب «الشطحات»، أي حديث الصوفي عن الله بأسلوب فيه جرأة، يصل إلى حد أنه يتكلم وكأنه الله، مثل أبي يزيد البسطامي الذي يقول: «سبحاني ما أعظم شاني».

ويرى ابن خلدون أن الشطحات هي ألفاظ موهمة الظاهر، أي قد يكون المقصود من معناها غير ما قد يفهم من ظاهر لفظها.

ويلتمس ابن خلدون العذر لأصحاب الشطحات كونهم قالوا بهذه العبارات وهم في حال سكرهم الروحي، مطالبًا بعدم محاولة تقليدهم، فيقول:

الإنصاف في شأن القوم أنهم أهل غيبة عن الحس، والواردات تملكهم حتى ينطقوا عنها بما لا يقصدونه، وصاحب الغيبة غير مخاطب، والمجبور معذور، فمن فهم فضله واقتداؤه حمل على القصد الجميل، وإن العبارة عن المواجد صعبة لفقدان الوضع لها كما وقع لأبي يزيد البسطامي وأمثاله.

لكنه ينكر على من تكلم بمثل هذه العبارات الشطحية وهو في وعيه، وهو عنده «مؤاخذ عليها».

وهنا تجدر الإشارة أيضًا إلى رأي ابن خلدون عن الرمزية في الكلام الصوفي، حيث يتحدث عنها بإيجابية وحب، فيقول:

ولا تظنن أن ألفاظهم التي اصطلحوا عليها تفيد غيرهم تصورًا لحقائق معانيها، وإنما تواضعوا عليها للكلام فيما بينهم، لا لخطاب من يذق أذواقهم.

أي إنه يرى أن كلام الصوفية لا يفهمه كما يصح إلا الصوفية فقط، ولا يجوز تفسيره بالمنطق اللغوي المتداول.

معراج ابن خلدون إلى الله: الطريق للمشاهدة

فهمنا أن ابن خلدون يعترف بالمجاهدات والمعرفة الإلهامية، فما هو مذهبه فيها؟ هذا ما نوضحه.

رتب ابن خلدون المجاهدات في 4 مقدمات تأسيسية، تعتبر بمثابة محطات على الطريق أو المعراج الروحي إلى الله، وهي: «الأداة والوسيلة»، «طرق اكتساب المعرفة»، «اللذة الروحية»، وأخيرًا «المعرفة الكشفية».

أداة الصوفي لمعراجه هي ما سماها بـ «اللطيفة الربانية»، وهذه اللطيفة تعادل الروح والعقل والقلب والنفس، فهي المعادل للوجود الإنساني نفسه، وبدونها يصير مجرد جسد.

 فهي بمنزلة الفارس من الفَرَس، يتصرف البدن في طوعها، وتحركه إرادتها ولا يملك عليها شيئًا، ويتصرف هذا البدن في العالم بالقوى التي تبثها هذه اللطيفة فيه، بحسب تشبيهاته.

هذه اللطيفة تنمو، فهي في أول خروجها إلى هذا العالم تكون بمنزلة الصبي في أول نشوئه، ثم تقوى وتشتد، ولأن هذا العالم هو عالم المتضادات بمقتضى خلقته، فأفعال هذه اللطيفة (العقل، الروح، القلب، النفس) إما أن تكون عائقًا للإنسان وتكسبه سيئات، أو أن تكتسب الخلق الزكي والحسنات وتقوده إلى الكمال.

أما طرق اكتساب المعرفة للصوفي، فإما مادية تكتسب بالطرق التقليدية، أو روحانية وهي الأساس هنا.

والسبيل لكسب المعرفة الروحية هو تصفية اللطيفة «القلب، العقل، الروح» من الرذائل، وتخليصها من ظلم البشرية، وفي هذه الحالة تتعرض لنفحات الرحمة والكمال والسعادة، فتلوح أنوار العلم والمعرفة في القلب.

وهذا العلم الروحاني هو الوحي، الذي يشترك فيه الأنبياء والأولياء، مع الاختلاف بينهما في القيمة، وأسلوب تصفية النفس لاكتسابه.

 فالأنبياء تخلصوا من كدورات الرذائل والظلم بـ «غريزة مركوزة في الجبلة من لدن نشوئها»، وهذه الغريزة هي «العصمة»، لأن النبي مختار سلفًا من الله الذي أعده ليكون نبيًّا.

أما الأولياء فقد تخلصوا من هذه الكدورات بـ «طريق صناعي»، أي بمجاهدة للرذائل والظلم حتى صفت أنفسهم واستعدت لتلقي هذا الوحي، الذي هو «دون علم الأنبياء»، بحسب قول ابن خلدون.

وبعد تلقي هذا العلم تحدث ما وصفها ابن خلدون بـ «اللذة الروحية»، وهي أرقى اللذات في رأيه.

وتستمر هذه المعرفة الإلهامية التي تأتي من الله إلى الصوفي مباشرة، ليصل كل صوفي فيها إلى مراتب متفاوتة، تتدرج وفقًا لقدرته على تصفية كدورات نفسه.

وأول هذه المراتب هي المحاضرة، وبعدها تأتي المكاشفة، وأخيرًا تأتي المشاهدة وهي أرقى المراتب، ولا تأتي إلا إذا انمحت آثار الآنية، أي تُمحَى نفس المريد تمامًا، ولا يبقى في داخله إلا الله.

مقامات السالكين: طريق ابن خلدون إلى الأنوار الربوبية

ويتعمق ابن خلدون أكثر في شرح مدارج السلوك إلى الله، وهو يقسم مقامات السالكين، وتبدو شخصيته الصوفية بشكل أوضح، حيث يرى أن الصوفي يقع في واحد من 3 مقامات متدرجة، هي على الترتيب: «التقوى»، ثم «الاستقامة»، وأخيرًا «الكشف والاطلاع» وفي المقام الأخير يشاهد الصوفي الأنوار الربوبية بعد أن ترتفع الحجب من أمامه.

و«التقوى» وهي أدنى المقامات، يعرفها ابن خلدون بأنها رعاية الأدب مع الله في الظاهر والباطن، بالوقوف عند حدوده مراقبًا أحوال الباطن، طالبًا النجاة.

أما «الاستقامة»، الدرجة التي تلي التقوى، فهي تقويم النفس والتزامها الصراط المستقيم، وتأديبها بأدب القرآن.

وتنضبط «الاستقامة» بشرطين، هما الإرادة والرياضة، فالإرادة هي «استيلاء حال اليقين على الصوفي حتى تنبعث العزائم بالكلية إلى الفعل، فيصير المريد هنا مجبورًا في إرادته لا مختارًا».

أي إن إرادة الصوفي القوية التي تصل حد اليقين بما يريد أن يكون عليه، تجعله يمشي في طريقه إلى الله بلا التفات ولا تفكير، وكأنه طُبِع على ذلك، وخُلِق لذلك، ولا يعرف غير ذلك.

أما الرياضة فهي «تصفية القلب عن الرذائل والخبائث المذمومة وتزكيته بالفضائل المحمودة»، أي هي السلوك الظاهر، عكس الإرادة التي تمثل الباطن الذي يحرك هذا السلوك.

وبعد أن يصل المريد إلى نهاية الاستقامة يصل إلى المقام الأعلى وهو «الكشف والاطلاع»، وفي هذا المقام تُمْحَى صفات المريد البشرية، وتُعَطَّل قواه البدنية، فيصير كالميت، ليس له وجود، لأنه مستغرق في وجود الله كلية، وهنا تنكشف له الحجب، وتظهر له أسرار العوالم والعلوم.

ومن شروط الوصول لهذا المقام بجانب التقوى والاستقامة، الاقتداء بشيخ سالك «خبير بالمجاهدات، وقطع طريق الله وارتفع له الحجاب، وتجلت له الأنوار، وعارف بالأحوال».

وكذلك يلزم هذا المقام قطع كل علاقة للنفس بالدنيا والزهد في كل شيء، والانفراد عن الخلق بالخلوة في مكان مظلم، أو لف الرأس في الجيب، أو التدثر بكساء أو إزار، ثم الصمت بترك الكلام جملة، ثم الجوع بمواصلة الصيام، ثم السهر بقيام الليل، «إذ مطلوب هذه المجاهدة وغايتها، فراغ القلب عن كل ما سوى الله».

والخلوة التي تحدث عنها ابن خلدون شائعة عند الصوفية عمومًا، وذكروا فيها ما ذكره من شروط الجوع والسهر والصيام والمكان المظلم وغيرها، واشترطوا أيضًا أن يكون دخولها تحت إرشاد شيخ خبير كما ذكر ابن خلدون.

وبعد هذا الاستعراض يتبين أن ابن خلدون كان صوفيًّا سنيًّا واضحًا، ولكنه معتدل، يؤمن بالكشف والكرامات والعلم اللدني، وذلك يأتي بعد مجاهدة تبدأ بالتقوى ثم الاستقامة، ولا تأتي بوراثة مثلما يؤمن الشيعة في أئمتهم، ولا يؤدي هذا الكشف بصاحبه إلى القطبية أو إلى الحلولية.

المراجع
  1. «شفاء السائل في تهذيب المسائل»، ابن خلدون
  2. «التعريف بابن خلدون ورحلته»، ابن خلدون
  3. «المقدمة»، ابن خلدون
  4. «كتاب العبر»، ابن خلدون
  5. «الإشارات والتنبيهات»، ابن سينا
  6. «فكر ابن خلدون: العصبية والدولة»، محمد عابد الجابري
  7. «ابن خلدون في مصر»، دراسة لمحمد عبد الله عنان
  8. «التصوف عند فلاسفة المغرب»، ناجي حسين جودة