ينقسم الطرح اليساري في التنمية إلى تصور كلاسيكي يعود لماركس والتجربة السوفييتية من جهة، وعديد من الاجتهادات الحديثة تتنوع وتتفاوت في قربها وبعدها عن ذلك التصور الماركسي الكلاسيكي من جهة أخرى. وبينما يمثل التصور الماركسي الكلاسيكي، خصوصًا السوفييتي، برنامج عمل كامل وإن تجاوزه الزمن، أي «نظرية في التخلف والتنمية وإستراتيجية تنمية»، فإن تلك الاجتهادات الماركسية الجديدة بتنويعاتها المختلفة لا تمثل بالضرورة برامج عمل كاملة أو مستقلة، فبعضها برامج بحث نقدية تعمّق معرفتنا بالنظام الرأسمالي وأساليبه الاستغلالية دون استراتيجيات واضحة أو مكتملة للتنمية، وبعضها الآخر يدعو لمواجهة مع النظام الرأسمالي وبرامج تغيير اشتراكي دون أي تحديد لملامحه التنموية، أي تضع نظرية تخلف ونظرية تنمية غير مكتملة لا توفر أرضية كافية لبناء استراتيجية تنمية.

أما عن الماركسية الكلاسيكية، فقد كان الماركسيون الكلاسيكيون ينسبون لماركس تصورًا تاريخانيًا غائيًا، بسبب مقولة شهيرة – ضمن مقولات أخرى – له مفادها أن «مستقبل أمة من الأمم المتخلفة يعكسه حاضر الأمم المتقدمة»، بما يعني تصورًا عن خطية حتمية في التطور التاريخي بعامة والتنموي بخاصة، وهو تصور كان يتسق نوعًا ما مع ما يُنسب له في مرحلة ما من مراحل تطوره الفكري من تصوّر نتائج إيجابية للتوسع الاستعماري الغربي الذي سيفرض العلاقات الرأسمالية الأكثر تقدمًا على مجتمعات ما أسماه «نمط الإنتاج الآسيوي» المتخلّفة التي يعيد فيها ذلك النظام الراكد الجامد إنتاج نفسه دونما سماح بأي إمكانية تطور في قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج بما يسمح بالانتقال لنظام اجتماعي أرقى، لكنه رأى مع ذلك – مع الدراسة الأكثر تعمّقًا – أن التوسع الاستعماري سيحطم بعض العناصر المحلية الضرورية للتطور الرأسمالي كالمنشآت الصناعية الصغيرة، كما سيضعف ويكبل إمكانات النمو والتطور بما سيحمّله لتلك المُستعمرات من أعباء استغلال لصالحه.

لا يمكن افتراض نظرية تخلف وتنمية مُكتملة الأركان لدى ماركس بمعناها الحديث المُحدد تاريخيًا؛ فماركس كان مشغولا بعملية التطور التاريخي في مجموعها

والواقع أنه رغم ذلك لا يمكن افتراض نظرية تخلف وتنمية مُكتملة الأركان لدى ماركس بمعناها الحديث المُحدد تاريخيًا؛ فماركس كان مشغولا بعملية التطور التاريخي في مجموعها، والتطور الرأسمالي بخاصة، وما ستؤدي إليه تلك التطورات من تحوّل اشتراكي؛ ولهذا كان ينظر إلى المستعمرات نفسها التي لم تسمح له الظروف بدراستها بشكل كافٍ، انطلاقًا من نفس الهدف، مُفترضًا انخفاض أهميتها النسبية بالقياس للدول الرأسمالية المتقدمة التي تحرّك وتقود النظام الرأسمالي العالمي.

وعمومًا كان ماركس مُصابًا نوعًا ما بشيء من المركزية الأوربية وسيطرة الرؤية التاريخانية التي ترى وحدة مسارات التطور الإنساني، فما على الدول المتخلفة سوى أن تسير على النهج الرأسمالي للدول المتقدمة التي سبقتها أو على النهج الاشتراكي لمن بلغته؛ بما كرّس مفهومًا للتنمية باعتبارها لحاقًا بالغرب أو حرقًا لمراحل التطور، وكان هذا هو الخطأ الذي شاركته الماركسية الكلاسيكية (وتحررت منه لاحقًا) مع نظريات التنمية الرأسمالية. وهكذا، فسواءً كانت «التنمية انتشارًا أو تطورًا أو حداثة أو تقدمًا أوحت بالسير نحو التاريخ المُنجَز هناك (في الغرب) عبر الطريق الذي سار فيه المتقدمون، فمرةً يجيء هذا الوحي سوسيولوجيًا (فبلن، هاملتون، لامارك…) فيمهّد لإمكانية تحقيق هذه التنمية من خلال نقل العناصر الثقافية والمادية السائدة في البلدان المتقدمة إلى البلدان المتخلفة، ومرةً يصل التصور اقتصاديًا رأسماليًا معتمدًا على قدرة القطاع الحديث الذي أقامه المستعمرون في البُنى المُستعمَرة على إحداث تغيرات جذرية في باقي القطاعات الاقتصادية (بالدوين، ليبنشتين، تينبرجن…).

أما تصورات الحداثة ، فتجيء لدى أيزنشتاد تغييرًا نحو أنماط الأنساق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي قامت في أوربا الغربية وأميركا الشمالية. أما مزاعم النشوء والتطور لدى عالم الاجتماع الغربي تالكوت بارسونز، فتقوم على جملة مزاعم تنظيمية لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية (السوق والنقد) وحقوقية (انتخاب ديموقراطي للقيادة) (عدنان سليمان، 1997، ص110).

وعموما تشكّلت ابتداءً من لينين ومن خلفه بوادر ملامح نظرية خاصة بأوضاع الدول النامية الاقتصادية على أسس من فكر ماركس، فكانت مع هلفردينغ ولينين بذور نظرية التبعية في إطار رأس المال المالي وسيادة الإمبريالية عالميًا، وهى النظرية التي ستشكّل عمود خيمة نظريات اليسار في التخلّف والتنمية وعنوانها الأوسع.

وتنتقد الماركسية النظرية الرأسماليةَ الرسميةَ بتطبيقاتها سالفة الذكر في نظرية التنمية، بكونها: أولا بحكم ارتباطها بالنظام الرأسمالي وتبنيها الإيديولوجي لمبادئه الأساسية، فإنها لا تعترف بكون التخلّف نتيجة سوسيواقتصادية حتمية للنظام الرأسمالي عالمًيا بما له من طبيعة استغلالية على المستويين المحلي والدولي، كذا ما له من طبيعة تطور لا متكافئ لا يحقق تطورًا متوازنًا بين القطاعات والأماكن وعبر الفترات الزمنية محليًا وعالميًا، كما يحقق التقدم في أجزاء على حساب التخلف في أجزاء أخرى.

دفعت روزا لوكسمبورج أطروحة التطور اللامتكافئ لمستوى مختلف يتجاوز تفاوتات التطور على مستوى التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الواحدة إلى تشكيلات اقتصادية اجتماعية مختلفة وربما متناقضة

وبحسب تاميس سوزنتيس لن تنجح النظرية الكلاسيكية في فهم وتفسير التخلف لأنها «نظريات جزئية محدودة إما بالظواهر السطحية أو بفترات زمنية أو بأماكن جغرافية محددة، بينما يتطلب الفهم الشامل للتخلف مزيجًا من التدقيق التاريخي والاتساق المنطقي اللذان يمكن الوصول لهما بتطبيق المبادئ الماركسية … التي ترى بالمُجمل أن سبب التخلف هو النظام الرأسمالي العالمي والدور الذي أُجبرت البلدان الفقيرة على القيام به داخل هذا النظام» (Warke, 1973, pp699-710)، أي طبيعة تقسيم العمل الرأسمالي الدولي بين المراكز الاستعمارية التي تخصصت بشكل عام في التصنيع عالي التقنية والقيمة المُضافة، والأطراف المُستعمَرة التي أجبرت على التخصص في الإنتاج الأولي عمومًا من زراعة وصناعات استخراجية منخفضة القيمة المُضافة أولا ومُنتهبَة الفائض الاقتصادي ثانيًا.

وقد دفعت روزا لوكسمبورج أطروحة التطور اللامتكافئ لمستوى مختلف نوعيًا يتجاوز تفاوتات التطور على مستوى التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الواحدة إلى تفاوتاته وعلاقاته على مستوى تشكيلات اقتصادية اجتماعية مختلفة وربما متناقضة؛ بما مثّل تمهيدًا للأطروحات اللاحقة عن الأشكال الاجتماعية الخاصة للرأسماليات المحيطية، فقالت: «إن قيام وتطور الرأسمالية يشترط بالضرورة إحاطتها بأشكال إنتاجية غير رأسمالية … فالرأسمالية بحاجة إلى وسط اجتماعي غير رأسمالي، كسوق لفائض قيمتها، ومصدر للموارد الأولية اللازمة لسلعها الإنتاجية، واحتياطي لقوة العمل اللازمة لنظام أجورها» (صالح ياسر، 2009)، وهذا الوسط أو المحيط غير الرأسمالي قد يعني وسطًا محليًا يتمثل في الاقتصاد الفلاحي والحرفي الصغير، أو وسطًا دوليًا يتمثل في المستعمرات السابقة والدول المتخلفة عمومًا (صالح ياسر، 2009).

وفيما يتعلق باستراتيجيات التنمية، فقد ميّز أوسكار لانجه بين ثلاثة نماذج تاريخية للنمو الاقتصادي (البابا، 1983، ص101،102) (سنتناولها ضمن مقالات عن التجارب التاريخية للتنمية)، هي: النموذج الرأسمالي لأوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، والنموذج الاشتراكي السوفييتي والصيني، والنموذج الثوري القومي في البلدان المُتحررة حديثًا من الاستعمار ، والذي يشبه الطرح السوفييتي الخروتشوفي عن الطريق اللارأسمالي أو الديموقراطي الثوري، الذي اعتبره منظّرو السوفييت طريقًا تفرضه الظروف الهيكلية والتاريخية الخاصة بالبلدان المتخلفة تسلكه كمرحلة انتقالية تتجنب من خلالها الرأسمالية وتسعى باتجاه الاشتراكية، مع احتمالات ارتداد للرأسمالية (فؤاد مرسي، 1982، ص234-250).

وقد مثلت هذه الشذرات المُستمدة من الفكر الماركسي الكلاسيكي حول أوضاع الدول المتخلفة وقضية التنمية، أساس نظرية التبعية التي سنتناولها في مقال لاحق.

المراجع
  1. د. عدنان سليمان، الفكر التنموي.. نقد فلسفته ووعي تداعياته، الفكر العربي، مج 18، ع88، ربيع 1997م، معهد الإنماء العربي، لبنان.
  2. صالح ياسر: نحو إعادة قراءة للخطاب الاقتصادي لروزا لوكسمبرج
  3. Thomas W. Warke, The Marxian Theory of Underdevelopment: A Review Article, The Journal of Developing Areas, Vol. 7, No. 4 (Jul., 1973.
  4. د. طلال البابا، قضايا التخلف والتنمية في العالم الثالث .. في المنهج، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1983م.
  5. د. فؤاد مرسي، التخلف والتنمية .. دراسة في التطور الاقتصادي، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1982م، الجزء الرابع ، الفصل الثاني : مفهوم الطريق اللارأسمالي.