كثيرًا ما توصف أعمال الروائي التركي الحائز على جائزة نوبل أورهان باموك بأنها «Melancholic» كما وصفتها اللجنة القائمة على جائزة نوبل عام 2005، ولتسهيل ترجمة الكلمة فقد اختار باموك تعبيرًا بالتركية موجودًا في العربية وهو كلمة «حزن».

يصبغ باموك أعماله بالحزن، ويبقي دائمًا المكان نفسه، إسطنبول، سواء كانت في القرن الخامس عشر أو في الألفية الجديدة، يكتب باموك دائمًا عن إسطنبول، كما يكتب الفرنسي زولا عن باريس، ونجيب محفوظ عن الحارة في القاهرة. وعلى المسرح الدائم لمدينته المفضلة يروي باموك حكايات متشابكة، لأبطال من كل الطبقات والأزمنة، يجسد بهم سؤاله الأهم، هل يستطيع الشرق والغرب أن يتعايشا سويًا.

لماذا تقرأ باموك؟

فاز بجائزة نوبل وهو في الحادية والخمسين فقط، ويعتبر من أصغر من فازوا بها، ورغم بعض التلميحات أن فوزه جاء لأسباب سياسية، فقراءة رواياته كفيلة بقتل تلك الفكرة سريعًا.

ينشغل باموك بالشرق وهو انشغال يتقاطع مع كوننا من نفس المنطقة وربما لدينا كثير من الإرث المشترك، سواء بوجود الدولة العثمانية أو بالصراع مع الغرب وإن كان له معطيات مختلفة، لذلك لن تشعر بالغربة وأنت تقرأ عن إسطنبول، ربما تظن أنها قريبًا جدًا من أن تكون عاصمة عربية، مثلها مثل القاهرة، ستشعر أن البسفور يقابله النيل، وأن الصراعات السياسية ليست بعيدة عما نراه في مصر أو أي دولة عربية أخرى، وهذا سبب ليجعل قراءته أسهل.

من هو باموك؟

روائي تركي ولد عام 1952 انتمى لأسرة فوق المتوسطة لها اهتمام بالعمارة والفنون، لكنه اتجه نحو الأدب رغم ولعه بالرسم في سنواته الأولى، هو الروائي التركي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل، وتعرض للعديد من المضايقات في بلده، وصلت لمحاكمته لإهانة الهوية التركية لكنه حصل في النهاية على عفو لم يمنع المجتمع الأدبي العالمي من التضامن معه.

رحلة قراءة باموك

في رحلة قراءة باموك التي تنوعت بين الكتب السردية والروايات بالعربية وبالإنجليزية يمكن أن نحدد ثلاث مراحل أساسية مر بها الكاتب التركي، البدايات حتى صدور رواية القلعة البيضاء، ثم مرحلة ما قبل الفوز بنوبل والتي توجها بروايته الأهم اسمي أحمر، ثم ما بعد نوبل وهي مرحلة لا تقل أهمية أبدًا عما قبلها، لنبدأ الرحلة.

المرحلة الأولى: روايات قصيرة

روايات أورهان باموك: القلعة البيضاء، ذات الشعر الأحمر، إسطنبول الذكريات والمدينة

القلعة البيضاء

أرشح دائمًا رواية القلعة البيضاء كبداية لقراءة باموك، ترجمة إيزابيل كمال عن سلسلة الجوائز المصرية، وله نسخة أخرى صادرة عن دار المدى بترجمة شهيرة لعبد القادر عبد اللي لكن ليست أكثر جودة من الترجمة المصرية، بل ربما العكس.

في تلك الرواية سيظهر جليًا سؤال باموك عن حضارتي الشرق والغرب في شخصيتين لهما نفس المواصفات الشكلة، كأنهما توأمان، يتقابلان واحدًا من الشرق (تركيا) والآخر من الغرب (إيطاليا) يمثل كل منهم بعض مرادفات الحضارتين، وتتشابك الحكايات بينهما حتى نفقد القدرة على التفريق بينهما، وربما الوصول لتلك النقطة يؤكد أن باموك الذي اتهم بالانحياز للغرب في كتاباته أنه لا يرى صراع بين الحضارات بقدر ما يرى تناقضات وتطلعات لكل منهما تجاه الأخرى.

الإطار العام للرواية بسيط وملهم، رجل أرشيف في الوقت الحاضر يجد مخطوطة من القرن السابع عشر ويبدأ في قراءتها علينا، الرواية قصيرة وممتعة للغاية وبداية مناسبة للتعرف على عوالم أورهان باموك.

ملاحظة: راجع عنوان الرواية بعد أن تنتهي منها، ربما يكون أورهان باموك واحد من أفضل من يختارون عناوين لروايتهم فالعنوان بعد انتهاء الرواية سيظل حافزًا للتفكير فيها.

ذات الشعر الأحمر

صدرت الرواية في عام 2016، وحينها كان باموك اسمًا راسخًا في عالم الأدب، ترجمها جلال فتاح رفعت عن دار الشروق المصرية، هي العمل الأحدث له قبل صدور روايته الجديدة عن الوباء.

تدور أحداث الرواية في ثمانينيات القرن الماضي، رجل يحفر الآبار، ومراهق ينضم له كمساعد، يتحرك باموك في الزمن ويصنع حالتين أساسيتين يتناوب الحكي فيما بينهما، وكما اعتدنا فمسرح الأحداث هو إسطنبول وإن ابتعدنا قليلًا عنها، والتيمة الأساسية هي الشرق والغرب، هنا ملاحظة ذكية من باموك ربما كانت مفتاح الرواية له، في الغرب يقتل الابن أباه كما في قصة أوديب الشهيرة، وفي الشرق يقتل الأب ابنه كما في التراث العربي والإسلامي.

الرواية قصيدة نسبيًا وتؤكد موهبة باموك في قدرته على نسج حكايات من التاريخ المعاصر وربطها بحكايات أسطورية، هذه المرة بين حضارتي اليونان وفارس وتركيا الحديثة.

إسطنبول الذكريات والمدينة

هذه ليست رواية، بل هي كتاب سردي ربما يكون مفتاحًا مهمًا لفهم إنتاجات باموك وما يثير عقله ويحفزه للكتابة. يقدم باموك رؤية لمدينته ولنفسه وللأسئلة التي تشغل باله، ورغم أن العمل ليس روائيًا فإن لغته عذبه وتعتبر محطة مهمة لفهم الرجل الذي حاز نوبل وهو في الواحد والخمسين من عمره فقط.

الكتاب صادر عن سلسلة الجوائز المصرية بترجمة جيدة جدًا لأماني توما وترجمة أخرى لعبد القادر عبد اللي عن دار المدى.

المرحلة الثانية: التعقيد الفذ

روايات أورهان باموك: ثلج، اسمي أحمر، الكتاب الأسود

في هذه المرحلة سأقدم أعمالًا لباموك أكثر صعوبة من حيث البنية والتقنية وكذلك أكبر حجمًا، لكنها بالتأكيد من أفضل أعماله وربما من أفضل ما قدم في الشرق والأدب العالمي.

ثلج

رواية سياسية، ربما بجانب البيت الصامت والتي تدور أحداثها قبل شهر واحد من الانقلاب العسكري في تركيا تعتبر الرواية السياسية الوحيدة للرجل الذي لا يتوقف عن الحديث عن السياسية.

تقدم ثلج رؤية متكاملة للتيارات السياسية التركية الحديثة من خلال الشاعر كا الذي يوفد من جريدته بعد نفيه لعدة سنوات في ألمانيا لتغطية حوادث انتحار متكررة للفتيات، وخلال عاصفة جليدية وبينما كا يستقل القطار للذهاب للمدينة تدور أحداث الرواية ولا تتوقف ماكينة حكايات باموك أبدًا.

الرواية صدرت عن دار المدى بترجمة من عبد القادر عبد اللي.

الكتاب الأسود

واحد من أشهر روايات باموك، لكن ترجمته العربية لم تكن على المستوى المطلوب، ما أخرج كتابًا غير مفهوم تقريبًا، لذلك أنصح بقراءته باللغة الإنجليزية بترجمة الأمريكية ماورين فريلي Maureen Freely وهي ثاني ترجمة إنجليزية للكتاب، لكنها الترجمة الأفضل. وسبق لفريلي أن ترجمت كتاب إسطنبول ورواية متحف البراءة.

ألغاز وحكايات لا تنتهي، وعصابات واختفاء للأبطال، وفصول هي مجرد مقالات صحفية دست داخل الرواية، لكنها قادرة بشكل مذهل على الربط بين الفصول الروائية التي تسبقها والتي تليها، قدم باموك في هذه الرواية، وهي واحدة من أنجح رواياته في تركيا نموذجًا للوحة فنية شديدة التعقيد لكنها متقنة للغاية، في هذه الرواية تكون قد عبرت مرحلة مختلفة تمامًا في كتاباته.

اسمي أحمر

أفضل روايات أورهان باموك، وللمرة الثانية أساءت إليها الترجمة العربية للمترجم القدير عبد القادر عبد اللي، لكن للرواية ترجمة إنجليزية أنجزها المترجم والشاعر التركي أردوج جوكنار Erdağ Göknar هي الأفضل في الترجمات الإنجليزية لكل أعماله، وحصدت هذه الترجمة تحديدًا جائزة دبلن للأدب وهي ثاني أعلى جائزة أدبية بعد نوبل من حيث القيمة.

نعود للصراع بين الشرق والغرب، لكن في إطار مختلف جريمة قتل وصفها باموك بأنها الحل السحري لرواية تتحدث عن الفن، الفن هنا هو المنمنمات الفارسية التي انتقلت بدورها للدولة العثمانية، لا تنتظر رواية تشويق بوليسية، ولا أظن بعد تلك الرحلة مع باموك أنك تنتظرها، ستجد لوحات فنية توصف بدقة، كتب تراثية تدخل الأحداث، وعلى طريقة بورخيس ستتحدث الأشجار في الصور، والعملات المعدنية في الجيوب، والموت، والحيوانات، ولكن يبقى الفصل الأجمل في رأيي هو عنوان الرواية، الفصل الذي يتحدث فيه اللون الأحمر.

ألوان أخرى

كتاب سردي آخر، العديد من المقالات، والكتابات عن فن الرواية، عن روايات باموك نفسها، عن الكُتاب المؤثرين في حياته، عن روايات أحبها، ربما لا تقرأ الكتاب كله بتتابع، أرشح أن تقرأ فصوله بأي ترتيب ترغب فيه، بخاصة فيما يتعلق بالروايات يمكنك أن تختار فقط الروايات التي قرأت ويمكنك أن تقرأ أيضًا عن تلك التي لم تنته منها بعد، فما يقدمه باموك في هذا الكتاب، نافذة على روحه وأعماله قلما يوفرها كاتب.

صدر الكتاب عن دار الشروق المصرية بترجمة من سحر توفيق.

المرحلة الثالثة: ما بعد نوبل

روايات أورهان باموك: متحف البراءة، غرابة في عقلي

ربما أضفنا رواية ذات الشعر الأحمر لمرحلة متقدمة في البدايات لبساطتها وصغر حجمها ومناسبتها للتعرف على الكاتب، هنا سنضيف باقي الروايات التي كتبها بعد حصوله على جائزة نوبل والتي اتسمت بعدة صفات جعلتها متفردة عما قبلها.

غرابة في عقلي

في أحد حواراته عن الكتابة قال باموك، إنه يعيد كتابة الصفحة إذا لاحظ أن قارئها يحاول أن يتخطاها ليعرف الأحداث من دون أن ينجذب لما قدمه في الصفحة نفسها، بمعنى آخر، يكره باموك أن تتحول صفحاته لمجرد نقلات لتعرف من خلالها الأحداث، في روايته غرابة في عقلي، والتي ترجمها عبد القادر عبد اللي لدار المدى، يحرق باموك تفاصيل الحكاية في الصفحة الأولى، ولا يكتفي بذلك، بل يضع فهرسًا كاملًا للأحداث في نهاية الرواية لمن يرغب في معرفة مصائر الأبطال، لأنها في رأيه ليست الأهم، بل تفاصيل ما حدث هو المهم.

تدور أحداث الرواية في إسطنبول في بدايات الألفية الجديدة ولعشرات السنوات من خلال البطل «مولود» الذي يعمل كبائع بوظة في شوارع المدينة، فنرى تحولاتها المختلفة عبر هذه السنين في رواية طويلة نسبيًا لكنها عذبة وكاشفة للتحول الذي شهدته المدينة في تلك الفترة.

متحف البراءة

يعشق كمال بطل الرواية فتاة تدعى فسون، يتحول العشق لهوس، هذه رواية عن الهوس.

تلقى باموك عديد الأسئلة عن شخصية كمال وهل هي شخصيته الحقيقة وهل مر بهذه التجارب، خاصة عندما افتتح باموك متحفًا حقيقيًا لمقتنيات الرواية، وكان رده أنهما سواء، قد عاشا في نفس الفترة، وخاضا معارك مماثلة، لكن حبه الذي أبعده عن الطبقة البرجوازية التي كان ينتمي إليها هو حبه للأدب لا لفسون.

رواية طويلة نسبيًا لكنها لا تتوقف عن دفعك للأمام لفهم طبيعة الهوس وقدرته على السيطرة على أفكارنا ومل حياتنا بشكل كامل، رواية هي من أفضل ما قدم بعد فوزه بنوبل، وكانت دليلًا على أن أعمال الرجل لن تتأثر بفوزه المبكر بالجائزة الأهم في عالم الأدب.

صدرت الرواية بترجمة عبد القادر عبد اللي عن دار المدى.

المرحلة الأخيرة: كتب أخرى

أعمال متنوعة لأورهان باموك: جودت بيك وأبناؤه، البيت الصامت، الروائي الساذج والحساس

قدم باموك ثلاث روايات أخرى لم نتناولها هي «جودت بيك وأبناؤه»، وهي رواية أجيال، أسرة من عدة أجيال تعيش في بيت واحد، نرى الصراعات والتقلبات فيما بينها، وهي أول أعمال التركي، صدرت عن دار المدى بترجمة عبد القادر عبد اللي، ثم رواية «البيت الصامت»، وهي رواية اشتهرت في تركيا وقت صدورها ولا تبتعد كثيرًا عن الأولى من حيث الهيكل الأساسي وإن اختلفت بشكل كامل في البناء التقني للرواية التي يتناوب عدة أشخاص من ساكني البيت في حكي القصص من وجهات نظرهم، وثالث أعماله هي رواية «الحياة الجديدة»، والتي رغم فكرتها الجيدة لم تقدم بأفضل شكل ممكن، حيث نجد كتابًا يوفر حياة جديدة لمن يقرؤه، ونرى تأثير ذلك الكتاب على حياة أفراد متعددين.  صدرت عن سلسلة الجوائز المصرية بترجمة سها سامح حسن.

وأخيرًا لباموك كتاب سردي لمن يهتم بكتابه الأدب عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها في جامعة هارفارد تحت عنوان «الروائي الساذج والحساس» وهو كتاب جيد جيدًا ومهم ويقدم أفكارًا عن الكتابة وأنماطها بشكل سلسل وبسيط.

انتهت رحلة قراءة باموك، لكنها لحسن الحظ رحلة ستمتد طالما استكمل باموك أعماله، وسيصدر له قريبًا رواية عن وباء يضرب إسطنبول بدأ في كتابتها قبل جائحة كورونا وتصادف أن يكون الموضوع هو ما نعيشه بشكل يومي لسنوات.