لا تطعمني سمكة ولكن علمني كيف أصطاد.

مع اقتراب موعد معرض الكتاب الدولي يتصدر ساحة رسائلي سؤال محدد، «ما الكتب المناسبة لطفلي لأشتريها من المعرض؟».

لأصدقكم القول، أتوجس من طرح ترشيحات كتب بعينها للعامة، من ناحية تعبر هذه الترشيحات عن ذوق صاحبها بالنهاية ووارد جدا ألا تعجبكم بعد اقتنائها، ومن ناحية أخرى قد يكون بالمعرض كتب أفضل بكثير ظلت رهينة الأرفف رغم أحقيتها بالاقتناء لأن أحدًا لم يرشحها.

في هذا المقال سأوضح لكم المعايير التي ستمكنكم من الحكم بأنفسكم على مدى ملاءمة الكتب لطفلكم من عدمها.


1. الطفل في العام الأول من عمره

في هذا العمر ينجذب الطفل بشدة للغة البشر كفطرة طبيعية وهبها الله له لاكتساب أهم سبل البقاء في حياته، يعمل عقله بطاقة كبيرة لاستيعاب كل ما يسمعه واختزانه باحترافية، لذلك فالقراءة للطفل في هذا العمر مهمة جدًا من الناحية العقلية واللغوية وأيضًا النفسية، حيث إن وقت القراءة للطفل يدعم العلاقة الرابطة بينه وبين من يقوم على رعايته.

نوعان من الكتب يمكنهما مساعدتك في هذا السن وطوال مرحلة الطفولة المبكرة:

  • كتب قصصية مكتوبة بلغة أدبية فصيحة، اقرأها لطفلك مع مؤثرات صوتية وتعابير جسدية مناسبة لأحداثها وكررها على مسامعه يوميًا.
  • كتب شعرية ونثرية ذات كلمات مقفية وموزونة فهي تعلق بالذاكرة بسهولة، استخدمها بدلاً من أهازيج الأطفال ذات الكلمات الركيكة والمحتوى التافه.

لا تعتمد على الكتب في إكساب طفلك المعلومات في هذا السن، اذا أردت أن تعلمه عن الحيوانات فاذهب به إلى حديقة الحيوانات، وإذا أردت أن تعلمه عن الفواكه فأحضر له سلة فواكه، الخبرة الحسية الملموسة هي الأفضل على الإطلاق ليبدأ بها الطفل في تكوين شبكة المعلومات الذهنية الخاصة به.


2. الطفل في العام الثاني من عمره

بعد أن استغرق الطفل وقتًا مناسبًا في استكشاف العالم من حوله عن طريق الخبرة الحسية الملموسة ، يمكننا أن ندعم الخبرة التي اكتسبها بالكتب، و نحرص دائمًا على التدرج مع الطفل من الملموس الى المجرد ، ثم الأكثر تجريدًا، وهكذا . لذلك الكتب التي نختارها لهذا العمر يجب أن تكون:

أ. كتبًا مصورة بصور طبيعية ذات جودة عالية

– مثال:

تفاحة، صورة، رسمة
1. التفاحة الحقيقية يستطيع الطفل أن يرى شكلها و لونها و أبعادها، ويلمس قشرتها ويشم رائحتها و يتذوق طعمها … هذه خبرة حسية ملموسة رائعة.

2. صورة للتفاحة الحقيقية: يستطيع الطفل أن يرى شكلها، لونها، و أبعادها … هذه خبرة تم تجريدها من بعض الميزات السابقة كاللمس والشم والتذوق.

3. رسمة للتفاحة: يستطيع الطفل أن يرى شكلها و لونها فقط … هذه خبرة أكثر تجريدًا فالأبعاد غير واضحة على الاطلاق.

4. كلمة تفاحة مكتوبة: لن تعني للطفل شيئًا ما لم يكن لديه معرفة مسبقة بماهية التفاحة … المعلومة المكتوبة هي أكثر مرحلة تجريدًا

الخلاصة:

الكتب التي تتحدث عن حقائق ومعلومات واقعية، مثل الحيوانات والنباتات والصخور والطبيعة و ما إلى ذلك، الأفضل أن تكون صورًا طبيعية جذابة وتفاصيل واضحة ذات جودة عالية ، ومساحة الصورة في صفحة الكتاب أكبر بكثير من مساحة الكلام، فالكلام المكتوب هو مرحلة أكثر تجريدًا بالنسبة للطفل من الصور الحقيقية التي توصل المعلومة بشكل أفضل بكثير.

ب- معلومة واحدة في اليد خير من عشرة على الشجرة

كأشخاص بالغين نحن لا نستطيع تذكر أغلب ما نقرأه في كتاب ما لأول مرة، يستغرق منا الأمر تكرار قراءته لمرات عديدة لنستوعبه بشكل كامل، في حالة الطفل الصغير فالكتب ذات المعلومات المتعددة والأشكال والصور والألوان المختلفة تمثل تحديًا كبيرًا له ليستوعبها بسهولة، للأسف أغلب ما نجده في الأسواق لتلك الفئة العمرية لا تتعد كونها مصدرًا لإلهاء الطفل وليس إكسابه معرفة حقيقية، أعط الطفل كتابًا عن الفواكه وأخبره بأسماء كل هذه الفواكه الموجودة بداخله وسيخلط بينهما كثيرًا في كل مرة تسأله عنها، بينما أعطه كتابًا يمثل نوعًا واحدًا من الفاكهة بأشكاله المختلفة وكرر على سمعه كلمة «تفاحة» مع كل صفحة وستجده بسهولة يشير للتفاحة الموجودة على المائدة مؤكدًا معرفته الوثيقة بها.

الاسم والشكل الثابت للتفاحة في كل صفحة يعطي الطفل فرصة التحليل والمقارنة لاستنتاج الصفات المشتركة التي تجعلنا نطلق عليها تفاحة والصفة التي تميز كل تفاحة عن الأخرى –وهي اللون في حالتنا- بينما في حالة عرض صور فواكه مختلفة في نفس الوقت فمهمة تحليل المعلومات تصبح أصعب على عقل الطفل، فنحن لا نستطيع أن نقارن هل القطار أسرع أم البحر أوسع!

الخلاصة:

اختر سلسلة كتب فيها يقدم الكتاب الواحد معلومة محددة بشكل مكثف، صور واضحة على خلفية بيضاء دون تشتيت للطفل، أفضل من كتاب واحد يحوي معلومات متعددة مختلفة فعقل الطفل ليس كالماسح الضوئي بمجرد مسحه للكتاب سيخزن ما فيه، عملية تحليل وتخزين المعلومات أعقد من ذلك بكثير، ونحن نريد أن نساعده لا أن نزيد الأمر تعقيدًا.

ج- انتبه لحجم وخامة الكتاب

نحن نتحدث هنا عن طفل بالكاد أتم عامًا من عمره؛ أي أنه لن يكتفي بلمس ومشاهدة الكتاب فقط وعلى الأغلب سيجرب تذوقه وقذفه وركله، اختر حجمًا يناسب يد طفلك الصغيرة ليستطيع أن يحضره بنفسه ويحمله اليك وقتما يحب، اختر خامة تتحمل هذه الظروف القاسية من التعامل ليس فقط للترشيد المادي ولكن لأن الطفل يحتاج للتكرار من أجل التعلم، تكرار نفس الكتاب بنفس المعلومات هو ما يساعد على استيعابها وليس فقط عرضها لمرة واحدة.


3. الطفل في العام الثالث من عمره

في هذا العمر يكون الطفل قد اكتسب تحكمًا كبيرًا في عضلات يده، اليد هي أداة العقل بالنسبة للإنسان حيث تمكنه من التعلم والتعبير عما تعلمه، يحب الطفل كثيرًا الكتب التي يستطيع أن يتفاعل معها بيده دون حاجته لإشراف من شخص بالغ، يتوافق هذا الأمر مع حبه للاستقلال والاعتماد على نفسه في هذا العمر، في الآونة الأخيرة ظهرت العديد من الكتب التفاعلية الجذابة للأطفال والتي تقدم محتوى مفيد بنفس الوقت، على سبيل المثال لا الحصر:

– كتب تفاعلية quite books

تساعد الطفل على اللعب التخيلي pretend play كأن يجهز وجبة فطور من قطع قماشية تمثل الطعام، أو أن ينسق الأزهار من ورود ملونة، يمكن أن تقدم مفاهيم ومهارات مختلفة أيضًا كالتصنيف والمطابقة والعد وغيرها حسب عمر الطفل، غالبًا ما تصنع من قماش الجوخ ذي الملمس الجذاب والألوان الزاهية، لكن يوجد منها أنواع بالورق المقوى أيضًا.

– كتب ممغنطة magnetic books

حيث يكون المشهد الموجود بخلفية الصفحة خاليًا من عناصره ليقوم الطفل بنفسه بلصق القطع المغناطيسية المصاحبة للكتاب عليه ليكون المشهد الخاص به، ومع كل مرة يمكنكم ابتكار أحداث جديدة.

– كتب صور متحركة scanimation books

فاكهة، تفاح، يوسفي، كمثرى
فاكهة، تفاح، يوسفي، كمثرى

وهي تعتمد على نفس التقنية المستخدمة في إنتاج الرسوم المتحركة التي تقوم على تجزئة الصور لشرائط متساوية ودمج عدة صور بطريقة معينة تعطي خداعًا بصريًا بأن الصورة تتحرك عند تحريك البطاقة الخاصة بالكتاب فوقها، برأيي هذه الكتب تعطي الطفل خبرة ممتعة مختلفة عن الصور الثابتة.

في النقاط السابقة ركزت حديثي عن الكتب التعليمية، لم أتطرق إلى القصص نظرًا لشهرتها، لا شك أن القصص لها تأثير كبير على تشكيل عقلية الطفل وسلوكه بوجه عام، فقد اعتدت استخدام القصص مع صغيري كتوجيه غير مباشر لحل مشكلات سلوكية عديدة وقد أجدى ذلك نفعًا، عند اختيار القصص لأطفالكم اختاروا قصصًا ذات:

  • رسوم جذابة متقنة وجودة ممتازة.
  • كلمات بسيطة خالية من الأخطاء الإملائية والنحوية.
  • محتوى مختار بعناية، تجنبوا المشاهد العنيفة والدموية والمرعبة، ولا داعٍ للأفكار الخيالية على شاكلة الساحرة التي تطير بمكنستها أو الأمير الذي يتحول إلى ضفدع، فالعالم الواقعي في حد ذاته مبهر بالنسبة للطفل بما يكفي ليغنيه عن البحث عن المتعة فيما سواه.

في المقال القادم إن شاء الله أستكمل معكم معايير اختيار الكتب للأطفال فوق الثلاثة أعوام.

دمتم بخير