ينقسم كتاب «الأعراق البشرية: هل نحن حقًا على هذا القدر من الاختلاف؟» الذي يقع في 544 صفحة من القطع المتوسط إلى ثلاثة أجزاء. والكتاب الذي صدرت ترجمته عن مؤسسة هنداوي هو من تأليف وتحرير ثلاثة من علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين: آلان إتش جودمان، يولاندا تي موزِس، جوزيف إل جونز. والكتاب يعتبر النسخة المقروءة من جهود الجمعية الأمريكية للأنثروبولوجيا التي تدير متحفًا متنقلًا للأعراق.

يبدأ الكتاب في افتتاحية جدلية بتساؤل عن أزلية فكرة الأعراق أمام كونها اختراعًا بشريًا تم ترسيخه عبر التاريخ والثقافات الشعوبية بالرغم مما له من عواقب وخيمة ومدمرة؟ ثم يبدأ الكتاب بعدها في عرض بعض الأفكار المغروسة بعمق في أذهان المجتمع الأمريكي، وهي الأفكار التي رسخت النظرة العنصرية الأمريكية التي أصبحت مثل الاعتقاد القديم بأن الشمس تدور حول الأرض.

ثم يبدأ الكتاب في الطرح النظري لأفكاره الواضحة التي تناهض فكرة العرقية من الأساس مدعومة بأدلة معززة كما سيلي تبيانه:

  1. حركة الجماعات البشرية على مر التاريخ لم تنتج التصنيف العرقي للبشر بشكل واضح إلا في العصر الكولونيالي وبداية الاستكشافات الأوروبية والاستعمارية في أفريقيا وآسيا والأميركتين وكيف قام الأوروبيون باختراع فكرة العرق لتصنيف الجماعات البشرية وبالتبعية الأفراد وترتيبهم.[1] وما سوغ لهم بعد ذلك استعبادهم.
  2. يعترف الكتاب بالتباين البيولوجي الموجود بين البشر ويرى أهمية وجوده وأنه من ضرورات بل ومن مقومات بقاء الجنس البشري.
  3. فكرة العرق لا تفسر التباين الجيني بين البشر ولا تثبت أهمية عرق على المستوى البيولوجي عن الآخر.
  4. فكرة العرق البيولوجي هي أمر في جوهرة نتشارك فيه جميعاً ولا نتميز فيه بين أنفسنا.
  5. الجنس البشري هو الذي بيده مستقبل العرق ويرى الكتاب أن البرامج التي ترعاها الجمعية (المعارض والموقع الإلكتروني والكتاب) ستسهم في إحداث إصلاح جوهري في طريقة تفكيرنا الحالية للاختلافات البيولوجية بين البشر والمتخذة ذريعة ومبرراً جاهزاً لتفسير الاختلافات المفرطة بين البشر في الثروة والصحة وغيرها من مؤشرات المساواة والحياة.

يبدأ الكتاب في جزءه الأول في مناقشة تلك الأفكار الخمسة بداية من محاول التأكيد على أن فكرة العرق البشري وهو ما تم تعريفه أنه «النظر إلى اختلاف الجماعات البشرية باعتباره تمايزاً نوعياً لأسباب ظاهرية وثقافية تنوعية» وأن تلك الفكرة هي اختراع بشري حديث لم يتجاوز مئات معدودة من السنين وأن الفكرة رغم تغلغلها في الثقافات العنصرية التي أنشأتها فإنه لا يوجد من ينكر أن تلك الأعراق التي وصمت بالأدنى لو نشأ أحد أفرادها في وسط عرق مختلف وتلقى نفس الجرعات الثقافية والتعليمية فلن يختلف عنهم ثقافياً ولا إدراكياً!

ثم يسرد الكتاب التاريخ السابق عن الفترة التي تم فيها اختراع ذلك المفهوم (العرق) والتأكيد على أن المسألة لم تكن تتعلق أبداً بالفئات التصنيفية ولكنها تعلقت دائماً بإنشاء التدرجات الهرمية وهذا على حد قول أحد المؤرخين الأمريكيين.

وبالعودة القريبة لما قبل ظهور المستعمرات العبودية العرقية أوضح الكتاب أن التقسيم بين الشعوب ظهر في أوروبا المسيحية وكان على أساس ديني حيث ثمة شعوب مسيحية وأخرى كافرة وتتضمن اليهود والمسلمين والوثنيين ولم يستند إلى لون البشرة أو غيرها ومن الحوادث التاريخية في هذا السياق أنه في نفس عام وصول كولومبوس إلى الأميركتين قامت إسبانيا بطرد اليهود من أراضيها.

وبمراجعة مسار تأسيس المستعمرات الأولى خارج حدود القارة الأوروبية سواء لإسبانيا أو فرنسا أو بريطانيا، ثمة مشهد تاريخي دال على ذلك أنه في عام 1617 وبعد إقامة مستعمرة جيمس تاون الإنجليزية بالقارة الأمريكية تزوج الإنجليزي جون وولف بابنة زعيم قبيلة أمريكية وتدعى يوكاهانتس وتم استقبالها في ضيافة ملك بريطانيا والذي أحسن وفادتها في القصر الملكي بلندن.

ومن تلك المشاهد رحلات الأفارقة الأولى إلى المستعمرات الإنجليزية وعملهم جنباً إلى جنب مع البيض بل وتملكهم في بعض الحالات لمزارع وماشية مما يدعم الرأي المدعم بشواهد تاريخية أن تلك الفترة لم تكن نظرة المستعمر الأوروبي إلى الأفارقة أو الأمريكان الأصليين نظرة دونية ولكنها كانت أشبه بنظرة المسيطر العسكري الذي يمتلك القوة أمام جنوده وغيرهم والذي يستطيع إجبار الجميع على خدمته أو إرسالهم لخدمة دولته.

ثم يبدأ الكتاب في عرض الإرهاصات الأولى لظهور فكرة العرق من كتاب لعالم الطبيعة السويدي كارلوس لينيوس عام 1758 عن العرق والذي حدد فيه أربعة أعراق رئيسية للبشر، حيث ظهر مسمى الإنسان البري أو إنسان الأدغال كما قام بتحديد السمات السلوكية لتلك الأعراق وما زال هذا التصنيف يسري ببطء في الفئات العرقية المستخدمة حتى الآن.

وكان أحد أسوأ الآراء التي عرضها الكتاب في هذا السياق وتلك الفترة، رأي توماس جيفرسون الذي كتب ذات مرة أن «السود – سواء كانوا في الأصل عرقاً مختلفاً أو صاروا عرقاً مختلفاً بمقتضى الوقت والظروف – أدنى شأناً من البيض فيما يتعلق بالهبات الجسدية والعقلية لكل منهما – ويمثل هذا الاختلاف المؤسف في اللون، وربما في الملكات العقلية عائقاً قوياً أمام تحرير هؤلاء الأشخاص».

وبالرغم من هذا، ظلت شواهد كثيرة تؤيد أن تلك الأفكار توقفت عند النخبة ولم تظهر بين العامة في المستعمرات حتى مع ظهور قوانين العبودية ثم بدأ المصطلح يأخذ مكاناً عندما بدأت حركات المقاومة من السكان الأصليين للمستعمرات مثل الأيرلنديين والأمريكيين فظهر مصطلح همج ليصف القائمين بتلك الأفعال وأيضاً حدث شيء مشابه مع الأفارقة عندما ظهرت قوانين العبودية الدائمة ومنع مالكي العبيد من إعتاقهم وبدؤوا في التذمر والتمرد.

«إهانة البشر» كانت عنوان الفصل الرابع والذي ناقش ظهور مدرستين لتفسير التباين الظاهري للبشر أحدهما من حيث النظر للذكاء البشري كمعيار – شابها التصميم العنصري وتطبيقها الذي تم على أشخاص مورس ضدهم الفصل العنصري في التعليم وغيره – والأخرى كانت وراء نظرية الأصل الواحد لكل الأنواع وبالتالي ضد فكرة التقسيم العرقي وكان يرى بالتطور كمسبب لتلك الاختلافات.

ثم دخل العالم بعدها مرحلة تطور علمي في المجال الأحيائي أدخل عناصر أخرى (حجم الجمجمة) كأحد أدلة العرقية بين البشر.

ولم يلبث الكتاب أن أوضح السبب المرجح لاختراع العرقية بين البشر وتحويل العرق الأبيض لفئة عرقية معيارية أي أنه العرق الأصلي وباقي الأعراق هي نقائص عنه في بعض الصفات وغيره وهي تلك المكانة التي أخترعها الأشخاص ذوي السلطة والمكانة في الدول الاستعمارية إلا أنه ومع التوغل في العنصرية والعبودية بدأت ظهور القوانين التي تدعي حماية ذلك العرق مثل منع التزاوج بين الأعراق وغيرها والتي تؤكد وتعزز حدود العرق الأبيض.

تكفي قطرة واحدة من الدم النيوتوني[2] لتبرير كل الصفات الجيدة والرائعة التي أحياناً ما تقترن بالبشرة الملونة. وعلى الجانب الآخر تكفي قطرة واحدة من الدم الزنجي ولو حتى في أوردة رجل من العرق الأبيض النيوتوني لكي تعزا إليها كل الصفات المهينة والوضيعة.

نصوص عنصرية ومنظمات تأسست على عقيدة عنصرية وغيرها من مظاهر التفرقة العنصرية والإرهاب وهذا المؤشر الأخطر، لأن الأمر تحول من مصالح النخب إلى ثقافة الشعوب.

 لماذا لا يعد التباين البشري عرقيًا؟

في الجزء الثاني، يقرّ الكتاب بالتنوع البيولوجي للبشر وتشابه بعض الجماعات البشرية في الخصائص البيولوجية سواء الظاهرية أو الداخلية لكنه يؤكد أن هذا التنوع ناتج عن التطور الطبيعي للبشر تبعًا للتكيف في بيئات جغرافية ومناخية متنوعة.

ويبدأ الكتاب في نقض نظرية العرق وكيف أنها لا ترى المتناقضات التي حدثت للبشر بعد فترة الهجرات البشرية والتنقل بين البيئات وأن التباين الحديث أصبح أكثر تنوعاً مما كان عليه وقت اختراع ذلك المفهوم، وأيضاً السمات البشرية المتباينة والتي تشكل اختلافات ظاهرية شديدة الوضوح تخفي أسفلها اختلافاً جينياً محدوداً بين تلك الجماعات التي صرنا نطلق عليها أعراق.

ثم يبدأ الكتاب في طرح أحد أهم مسببات ذلك التباين وهي «الشمــــس» حيث تعمل كمطور للتباينات بين البشر وتعتبر كعامل محفز سواء لتدرجات لون البشرة أو لحجم وكثافة الهياكل العظمية بين الشعوب التي تعيش تحت الشمس والأخرى التي تبتعد عنها.

ينقض الكتاب أيضًا أحد الحوادث التاريخية التي تم ربطها بالعرقية، مثل المرض الجيني «داء الأنيميا المنجلية» حيث تم اكتشافه للمرة الأولى في أجزاء من أفريقيا منذ مائة عام تقريباً وتمت كل التجارب الخاصة به لمصابيه من أبناء البشرة السمراء، لذا تم لصقه بأبناء تلك القارة والعرق المزعوم على خلاف ما تم اكتشافه حديثاً أنه مرض جيني يصاب به الجميع.

آثار التعايش على مفاهيم العرق والعنصرية

في الجزء الثالث، ناقش الكتاب النموذج العنصري الأمريكي كما بدأ في أوله، وأكد أن العنصرية أصبحت موجودة بقوة في الثقافة الشعبية وبالتبعية في لغة الشارع بالرغم من تجريم قانون الحقوق المدنية في الستينيات 1964 للتمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الأصل القومي وحق الجميع في التعليم والانتخاب، وبالرغم أيضاً من وصول الأمريكي الأفريقي باراك أوباما إلى الرئاسة.

وطرح الكتاب أمثلة عديدة على العنصرية المتجذرة في المجتمع في أوجه مثل: التعليم وتملك الأراضي والعقارات وتوزيع الثروات والأوضاع الصحية وأماكن التلوث الصناعي والتي تأخذ في التركز في أيدي العرق الأبيض وليس باقي المسميات العرقية بالرغم من زيادتهم العددية الملحوظة.

 ومن الشواهد الحديثة على هذا إعصار كاترينا (2005) الذي أظهر أن معظم المتضررين منه كانوا في الحي التاسع بنيو أورليانز من أصحاب البشرة السمراء والذين لم تكن لديهم تجهيزات الإخلاء السريع عكس الأحياء الأخرى.

وفي نهاية هذا الكتاب الثري يطرح الكتاب بعض محاولات التغيير الثقافي التي تحاول الجمعيات الأنثروبولوجية حول العالم تبنيها وكذلك جهود الأمم المتحدة في مجال المساواة وحقوق الإنسان ومساندة الأقليات وجمعيات مناهضة العنصرية وغيرها.

وتعليقي على الكتاب أنه جهد موسوعي ثري بالسياقات التحليلية والشواهد الدالة على الأفكار التي يتبناها الكتاب وإن كان يعيبه عدم الموضوعية في عرضه للشواهد الدالة على الأفكار الأخرى ويمتاز أيضاً أن كل الصورة والإيضاحات المرئية الواردة في الكتاب مذيلة بالجهة التي صرحت باستخدام تلك الصورة والمالكة لها.

هوامش:-

[1] بالطبع كانت هناك توسعات استعمارية وفتوحات لحضارات أخرى سابقة للحضارة الأوروبية منها الحضارة الفارسية وأيضاً الحضارة الإسلامية، والدول المستقلة المنبثقة منها والتي كانت من القوة ليكون لها خطط توسعية مستقلة، ولكن في أسوأ حالاتهم لم يقوموا بذلك الترتيب المعيب للبشر على أساس العرق، ولكن كانوا يتعاملون بمنطق أقرب للقبلية المحلية أمام باقي العالم، ولم يقم بتنظير تلك الاختلافات الموروثة لأعراق متفاوتة في الأهمية سوى الأوروبيين في العصر الكولونيالي (الاستعماري).

[2] دم العرق الأبيض.