مشهد 1: داخلي-ليلي

بعد يوم مرهق طويل، يجلس أمين على أريكته ويتصفح حسابه على فيسبوك. وفي تلك الأثناء يفكر لو أن بالإمكان أن يغير هاتفه بهاتف آخر، لكن سرعان ما يُثني تلك الخاطرة عن تفكيره، ليتذكر ما ينتظره من أقساط واجبة السداد… يظهر أمامه إعلان عن إصدار جديد لماركة شهيرة بسعر مميز «على قد الإيد»، الإصدار يبدو ذا شكل مميز، لكن بإمكانات أقل… تبتهج أساريره ويحسب حسبته فيقرر شراءه.

مشهد 2: خارجي-نهاري

تجلس منى مع صديقاتها في كافتيريا الجامعة، تحتسي كوبًا من القهوة… يلفت نظرها دعايا لمنتج خاص بالعناية بالبشرة ومستحضرات التجميل… هن يسمعن عن المنتج لكن لم تجربه أي واحدة منهن… فضولهن يأخذهن للذهاب سويًا للتعرف على ذلك المنتج… يوزع المندوبون عينات وهدايا مجانية من المنتج… فيقررن الحصول على عينات منه لتجربته.

التسويق يبدو كثيرًا كلعبة، يدخلها المُسوقون للتسابق بين عدد لا حصر له من المنتجات التي توفي بنفس الغرض، فكيف يتم إقناعك بأن منتجٌ ما هو الأفضل رغم وجود الكثير من المنتجات المشابهة له، بل وأفضل منه في أحيان كثيرة؟

في الواقع؛ هناك عدة استراتيجيات يلعب عليها المسوقون للوصول إلى هذه النقطة.

وهم الندرة

كلما ندُر الشيء وصعُب الحصول عليه، أصبح ذا قيمة أكثر.

خطة تسويقية ذكية مرتبطة بمبدأ الندرة الذي صاغه عالم النفس الشهير «روبرت سيالديني»، فحينما تعتقد أن المنتج لن يتوفر قريبًا فمن المرجح أن تشتريه بصورة أسرع مما لو كنت تعلم أنه متوفر في كل حال.

هو اتجاه يميل إلى استخدامه كثير من العلامات التجارية لإقناع الزبون بشراء منتجهم، بل وجعله شريكاً معهم في التسويق إلى المنتج كما لو كان سيربح من وراء ذلك، كأن ينشر خبر ندرة ذلك المنتج بين أصدقائه وزملائه في العمل.

الخطة بسيطة: تبهر عميلك بأنك فقط من تملك المنتج الذي يتميز بخصائص لا حصر لها، لكن الكمية محدودة جدًا بكل أسف والأولوية بالطبع ستكون بسرعة الحجز.

تميل شركات الطيران إلى الاعتماد على هذا المبدأ في الترويج لحجز تذاكرها، عندما تعلن أنه لا يبقى سوى عدد تذاكر محدودة لدولة معينة بسعر معين في فترة محددة. الأمر الذي ظهر جليًا مع شركة الطيران البريطانية عام 2003، عندما أعلنت أنها ستغلق رحلات الكونكورد اليومية من وإلى نيويورك، نتيجة ارتفاع تكاليف تشغيلها وتراجع الطلب عليها، حتى لوحظ في اليوم التالي ارتفاع مفاجئ في مبيعات تذاكر الكونكورد بالرغم من أنه لم يتغير شيء فيما يخص سعرها أو سرعتها، إلا أنها بمجرد أن أصبحت موردًا نادرًا زاد الطلب عليها.

الأمر نفسه تفعله شركة آبل وآيفون، إذ يتركون انطباعًا كل عام لدى المستهلك أن على منتجاتهم ضغطاً وطلباً عاليين، وأنها قد تنفذ من الأسواق في أي وقت وستضطر للانتظار وقتاً طويلاً حتى تتوفر منتجاتهم مرة أخرى، وبالرغم من تكرار الحيلة كل عام، فإنها لا تزال خدعة ناجحة ومقنعة لدى الكثيرين.

«النوستالجيا» والحنين إلى الماضي

https://www.youtube.com/watch?v=ahwkb2TdA5M

من منّا بلا ذكريات، نتقدم في العمر وتظل قلوبنا محتفظة بذكريات جميلة: لطعام أحببناه في صغرنا… لموسيقى كنا نسمعها يوميًا قبل الذهاب إلى المدرسة… لأفلام كرتون كانت ولا تزال تؤثر في شخصياتنا حتى تلك اللحظة… لتجارب وهوايات كانت بالنسبة لنا حياة والآن باتت ذكرى جميلة.

ذلك الحنين إلى الماضي وترٌ تعزف عليه الكثير من الحملات الإعلانية،بجعل محتوى إعلاناتها يحمل مثيرات عاطفية، تنبض بها مشاهد وذكريات من الماضي، تمكنت من ترك بصمة في حياة أجيال بعينها. ذلك التسويق العاطفي يجعل المشاهد متعاطفاً بكل حواسه مع تلك المواد الإعلانية، وقد يسعى لاقتناء منتج جدّد – من خلال حملته الإعلانية- الحنين والشوق لأشياء قديمة، حتى وإن لم يكن المتلقي مهتماً بذلك المنتج من البداية.

تُعد شركة بيبسي من الشركات الرائدة في توظيف النوستالجيا في حملاتها الإعلانية، إذ تحرص من خلال إعلاناتها على إثارة مشاعر وذكريات من الماضي، إما بتقديمها لنجوم راحلين، كإعلان رمضان عام 2013 الذي أظهرت فيه الفنان الراحل فؤاد المهندس في أحد مشاهده. أو بالاستعانة بشخصيات كرتونية كانت ولا تزال مرتبطة بوجدان جيل الثمانينات والتسعينات كـ«بوجي وطمطم» ثنائي العرائس المتحركة الأشهر، و«ماما نجوى وبقلظ». أو الاستعانة برموز الفن من الأجيال السابقة، كما بدا في إعلان رمضان 2014، الذي تمحورت فكرته حول الحنين إلى ذكريات الماضي تحت عنوان «يلا نكمل لمتنا»، إذ استرجع فيه نجوم الفن كسمير غانم وشيرين وعزت أبو عوف وهشام عباس ذكرياتهم سويًا من خلال الصور القديمة، التي جددت الحنين والشوق إلى الماضي ليقرروا زيارة بعضهم البعض ولم الشمل بعد طول غياب.

تقديم تجارب مجانية

لماذا تقدم الشركات تجارب وعروضًا مجانية؟ لأنها ببساطة تحفزك لتجريب منتجها، الأمر الذي قد يدفعك على الأغلب إلى الاستمرار في شرائه بعد انتهاء العينة التجريبية.

علم النفس يخبرنا أن الإنسان عادة ما يميل إلى الاستمرار في استخدام منتج جرّبه أكثر بكثير من منتج لا يعلم عنه شيئاً، فالسماح للزبائن بتجربة عينة من منتجات شركة ما، يمنح العميل نوعًا من الثقة والرضا والاطمئنان والولاء لتلك الشركة. لذا تعد فكرة العينات والعروض المجانية من أروع الوسائل لجذب العملاء والزبائن الذين لا يعلمون عن منتجك أي شيء، كما أنها فرصة لكسب ولائهم إليك.

ومن الممكن ألا تقتصر العروض المجانية على الجمهور العادي، فقد تقوم الشركة بمنح تجار التجزئة عروضاً مجانية على كل كمية يشتريها، فمثلاً إذا قام التاجر بشراء خمسة آلاف صندوق مياه معدنية، قد يأخذ معهم عشرة صناديق مجانية كوسيلة لتحفيز التجار على الاستمرار في التعامل مع منتجهم وعدم تغييره لمنتج آخر.

ومثال على ذلك، عندما أطلقت شركة كوكاكولا مشروب «فانيلا لوك»، قامت بتوزيع نحو 1.3 مليون عبوة مجانية من المشروب على جمهور المراهقين في المولات والمتنزهات والحفلات الموسيقية والمعارض، ثم قدموا إعلانات حية تحمل رسائل على شاكلة «أشبع فضولك… جرب كوكاكولا الفانيلا المجانية».

سحر الحكاية

يخبرنا عالما النفس «كريستوفر تشابريس» و«دانيال سايمونز»، مؤلفاً كتاب «الغوريلا غير المرئية»، عن المفعول السحري للحكاية، إذ إن الإنسان بطبعه يُقدِّر القصص عن الإحصائيات، لأن الأمثلة الفردية تَثُبت في أدمغتنا بشكل أسرع وأسهل، كما أنها أكثر تأثيرًا علينا من وقع الأرقام على مسامعنا.

تشير الأبحاث إلى أن القصص العقلانية مقنعة جدًا لدرجة أنها قد تجعلك مؤمناً بقضية لم تكن تستحوذ على تفكيرك بالقدر الكافي. كما تُظهر أبحاثاً أخرى أن الإنسان غالبًا ما يبحث عن مواقف عاطفية وقصص لأناس مروا بتجارب سابقة لأشياء تشغل تفكيرهم. ولعل هذا هو السبب في أن العديد من الإعلانات تميل إلى عرض شهادات لعملاء يرون قصتهم مع المنتج.

وقد باتت القصة مدخلاً تسويقيًا مميزًا يميل خبراء التسويق إلى البدء به، إذ يقول رائد الأعمال «سيث غودين»، إن «التسويق هو سرد القصص» فمع التغير الذي لحق باستراتيجيات التسويق بعد الثورة الرقمية، أصبحت العلامات التجارية تتبع أسلوب السرد القصصي الذي يعتمد بالأساس على لغة المشاعر، باعتبارها ورقة رابحة في التأثير على قرارات العميل وسلوكه الشرائي. بيد أن بعض الشركات تستخدم هذا الأسلوب بصورة مبتذلة لا يصدقها الكثيرون، كأن يظهر شخص في إعلان ليقول:

كنت أعاني من صلع منذ صغري إلى أن نصحني صديقي بكريم «…» الذي منذ أن استخدمته وقد شعرت بالفرق، انظروا؟ لقد اختفت الفراغات تمامًا وأصبحت واثقًا في نفسي أكثر من أي وقت مضى!

إن ذلك النوع من الإعلانات بات مثار سخرية من المشاهدين، إلا أن هذا لا ينفي أنه عندما تعمد شركة إلى استخدام أسلوب السرد القصصي بصورة احترافية في محتوى إعلاناتها يمنحها ذلك انتشارًا أكبر وأوسع. وقد تلجأ بعض العلامات التجارية إلى اتخاذ السرد التسويقي الذي يأتي من العملاء أنفسهم، وهو ما يعطي مصداقية أكثر.

وهم الربح في الصفقة

أعطهم شيئًا مفيدًا… وسيعودون.

قد تجد للمنتج الواحد أكثر من إصدار، وكل إصدار بسعر مختلف، فتختار الإصدار والسعر المناسب لك. تلك الفسحة في الاختيار تمنحك شعورًا بالارتياح لأنك حصلت على المنتج الذي تريده وبالسعر المناسب لك. وقد تجد على المنتجات عروضاً وخصومات، كأن يزيد حجم المنتج قليلاً ويُباع بنفس الثمن، أو أن يكون هناك هدية إضافية إذا ما اشتريت عبوتين من نفس المنتج.

في دراسة عن استراتيجيات التسويق، أعدها أستاذ علم النفس وعلم السلوك في جامعة ديوك الأمريكية «داني أريلي»، ونُشرت في مجلة «ذا إيكونوميست»؛ قامت مجلة بعرض ثلاث طرق للاشتراك بها، إما بالاشتراك عبر الإنترنت والحصول على نسخ إلكترونية وذلك بقيمة 59 دولاراً، أو اشتراكًا ورقيًا بقيمة 125 دولاراً، أو اشتراكًا يمنحك نسخة إلكترونية وورقية للمجلة مقابل 125 دولاراً. وعندما عرض أريلي الخيارات الثلاثة على مجموعة مكونة من 100 طالب، كان الاختيار الأخير هو الصفقة الأفضل لدى معظم الطلاب. لكن عندما حصر الاختيار بين الخيار الورقي فقط أو الإلكتروني فقط، اختار معظم الطلاب الحل الأرخص وهو الإلكتروني.

وتميل بعض الشركات عند إطلاقها لمنتج جديد ألا تجعله يرتبط بنشاطها الرئيسي، حتى أن العميل قد لا يعرف عن صلة ذلك المنتج بالعلامة التجارية الأساسية. ذلك ما فعلته شركة تويوتا مع ماركتها «لكزس»، إذ لم تعلن «لكزس» صراحة عن علاقتها بالشركة اليابانية الشهيرة، ذلك لأنها صنفت نفسها كعلامة تجارية مميزة وراقية، تستهدف فئات بعينها، على عكس تويوتا التي استهدفت السوق بأكمله.

ليست تلك الحيل التسويقية الوحيدة، فالحيل كثيرة والعميل أول من يبلع الطُعم، فقد توهمك شركة ما أنها تتمتع بشهرة طاغية عبر تصميمها حساباً لشركتها على فيسبوك وتويتر وانستجرام، وشراءها لحسابات وهمية لزيادة عدد متابعيها الذين يتخطون في العادة مليون متابع «وهمي»، وبالتبعية تجد آلاف التعليقات التي تمدح في مدى روعة المنتج وأنه بمثابة السحر الذي يُذلل كافة العقبات، لتجد نفسك متحمسًا إلى تجربة المنتج بدافع «السير مع القطيع» والذي يُعد هو الآخر من أهم الخدع التسويقية على الإطلاق.

الآن، وبالرغم من أنك قد فهمت الخدعة، إلا أنك لن تتوقف عن الوهم الذي يصنعه لك المسوقون… لماذا؟

لأنك ببساطة تتخذ قرار الشراء بكامل إرادك… سحر التسويق يجعلك سعيداً بشراء المنتج وراضياً تمامًا عن قرارك… يتملكك إحساس بأنك ربحت ذلك المنتج الشهير النادر، الذي بالطبع يحظى على إعجاب الجميع.

المراجع
  1. حميد الطائي، الاتصالات التسويقية المتكاملة مدخل استراتيجي، اليازوري، 2009، ص85