‏بعد اغتيال عثمان بن عفان (رض) ‏كان لابد لأهل المدينة من اختيار خلف له، فأتوا الإمام عليّ في داره، ليبايعوه فأبى، وكان بينهم كثيرون ممن ثاروا على عثمان وساهموا في قتله، وقد انصرفوا وهم يتوجسون خيفة من خطورة الموقف؛ فالدولة بدون خليفة، والفتنة منتشرة في أنحاء الدولة، ولكنهم لم يلبثوا أن عادوا إلى الإمام عليّ يتقدمهم الأشتر النخعي، ومارسوا ضغوطًا عليه، ولم يزل الأشتر يكلمه ويخوفه العواقب حتى رضخ الإمام عليّ وقبل بيعته وبيعتهم، ثم بايعه طلحه والزبير وعامة الناس.

‏ومع أن مبايعة الإمام عليّ تمت في المسجد، إلا أنها لم تكن جماعية، إذ تخلف عن البيعة بعض كبار الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص والسيدة عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبه. وكان الأجدر بالإمام عليّ لو أنه تشاور معهم وحاز رضاهم! وبالطبع لم يكن هناك أحد من بني أمية، ولكن هذا لا يطعن في صحة خلافة الإمام عليّ؛ إذ أن الأمر يتم بمن حضر ثم يصبح ملزمًا لكل الأمصار.


محاولات الإصلاح: موقعة الجمل

‏حاول الإمام عليّ إصلاح الخلل الذي وقع زمن عثمان (رض)، فبدأ بعزل الولاة الذين عينهم عثمان وعين آخرين يرضاهم؛ فعين قيس بن سعد بدلاً من عبد الله بن أبي السرح على مصر، وعبيد الله بن العباس على اليمن، وسهل بن حنيف على الشام بدلاً من معاوية، ولكنه عاد من الطريق لأن معاوية رفض أمر العزل. ويبدو أن الإمام عليّ تسرع في عزل الولاة قبل أن تستقر أحوال البلاد، وتكتمل له البيعة. ومنذ البداية اتهمه معاوية وبنو أمية بعدم الضرب على أيدي العابثين الذين قتلوا عثمان (رض)، وطالب بالقصاص لعثمان ومعاقبة الجناة. وكذلك ‏حاول الولاة المعزولون استغلال الأوضاع المضطربة لصالحهم، فبدأوا ينظمون صفوفهم لمقاومة الإمام عليّ (رض).

إلا أن أكثر ما أضر بخلافة الإمام عليّ (رض) كان التطورات التي حدثت بعد مضي أربعة أشهر على بيعته، وذلك حين خرج كل من طلحة بن عبيد الله (رض) والزبير بن العوام (رض) بصحبة السيدة عائشة (رض) إِلى البصرة [1]، وكان ذلك ولا ريب بهدف الإصلاح والقصاص لعثمان، ودليل ذلك حديث الحوأب [2]، وما قالته السيدة عائشة للسيدة أم سلمة (رض) ردًا على نصيحتها بعدم الخروج؛ حيث قالت عائشة (رض): «يا أمَّ سلمة، ما أقبلَنِي لِمَوعظتك! وأعرفَني بِنُصحك! ليس الأمر كما تقولين، ما أنا بِمُعبِرة بعد تعود [3]، ولنعم المطلع مطلعًا أصلحتُ فيه بين فئتين متناجزتين [4]، والله المستعان»[5].

وفي هذا السياق أيضًا توجد رواية صحيحة تدل على أن الزبير (رض) كان يعلم أنها الفتنة، ويرى نفسه مؤهلاً لإصلاح ذات بين المسلمين، فعن مُطرف بن عبد الله الحرشي [6]، قال: «قُلْتُ للزُبَيرِ: «يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا جَاءَ بِكُمْ. ضَيَّعْتُمُ الْخَلِيفَةَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ جِئْتُمْ تَطْلُبُونَ بِدَمِّهِ»، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: «إنا قَرَأْنَاهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وأَبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمَانَ «واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً»[7]، لَمْ نَكُنْ نَحْسَبُ، أَنّا أَهْلَهَا حَتَّى وقَعَتْ مِنَّا حَيْثُ وقَعَتْ»[8].

ولكن المشكلة أن الخروج بهذا الشكل كان دون اتفاق مع الإمام عليّ، وهو الخليفة الشرعي رغم أن السيدة عائشة لم تبايعه، وكان طلحة والزبير يزعمان أنهما بايعا مكرهين. واتجه الثلاثة من مكة، حيث كانت السيدة عائشة تقيم، إلى البصرة يحيطهم ستمائة رجل ممن يريدون الإصلاح والقصاص من قتلة عثمان مما يعني أن البصرة كانت المحطة الأولى فقط.

وأدرك الإمام عَلِيّ خطورة هذا الخروج الأول عليه، على مكانته كخليفة وعلى خطته للإصلاح والقصاص، لأن خروج الثلاثة بهذه الطريقة ودون استئذانه تعني إنكارهم لشرعيته، لذا أراد اللحاق بهم ومنعهم من إيقاع القصاص دون إذن الخليفة. واستنفر الإمام عليّ أهل المدينة للخروج معه، فاجتمع معه حوالي سبعمائة رجل، فخرج بهم متجهًا إلى البصرة أيضًا. وكان هذا ولا ريب أول الزلل، وكان الأجدر به يقتدي بأبي بكر الصديق خلال حروبه مع المرتدين، بأن يبقي في المدينة، مركز حكمه، محصنًا، يجمع حوله الأنصار والحلفاء، خاصة كبار الصحابة الذين لم يبايعوه، ثم يرسل الجيوش في الاتجاهات، لتنفيذ أفكاره وخططه.

وقد حاول الحسن بن عليّ (رض) ثني أبيه عن الخروج من المدينة والذهاب إلى العراق، لكن الإمام عليّ رفض ذلك وأصر على الخروج [9]. وقرب «الربذة» على طريق العراق لقيه الصحابي عبد الله بن سلام (رض) فأخذ بعنان فرسه وقال له: «يا أميرَ المؤمنين، لا تَخْرج منها، فوالله لئن خرجتَ منها لا ترجع إليْها، ولا يعود إليها سُلطان المسلمين أبدًا». فنهروه فقال الإمام عليّ: «دعوه، فنعم الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم»[10]. وسار الإمام عليّ حتى انتهى إلى «الربذة» فبلغه أن السيدة عائشة ومن معها غادروا باتجاه البصرة، وآنذاك استقر رأي الإمام عليّ على استمالة الكوفة إلى جانبه، فأقام بالربذة يأتمر بها ويكاتب أهل الكوفة ويراسلهم.

وعندما وصل على طريق العراق إلى «ذي قار» كانت السيدة عائشة ومن معها قد استمالوا أهل البصرة إليهم، وأوقعوا القصاص ببعض قتلة عثمان فيها مما أغضب قبائلهم (بكر وعبد القيس وبني سعد من تميم)، فخرج أغلبهم من البصرة وانضموا إلى الإمام عليّ، مما أضعف موقف السيدة عائشة ومن معها. ويبدو أن قتلة عثمان في الكوفة خافوا من انتقال السيدة عائشة ومن معها إليها، لذا مالوا بالكوفة إلى جانب الإمام عليّ، رغم معارضة أبي موسى الأشعري ودعوته لاعتزال الفتنة. ومذاك اتخذ الإمام عليّ الكوفة قاعدة له ولشيعته، وبالتالي خرجت الخلافة بالفعل من المدينة ولم تعد إليها مرة أخرى.

وكان لدى الإمام عليّ إيمان لا يتزعزع بشرعيته وصحة موقفه، فلما اصطف الفريقان للقتال ‏عمد إلى إقناع كل من طلحة والزبير (رض) بالحجة والبرهان، وكاد أن ينجح في سياسته [11]، ولكن يبدو أن هناك من خشي اتفاق الطرفين، وهؤلاء على الأرجح من قبائل من شاركوا في قتل عثمان (رض)، وكان أغلبهم في جيش الإمام عليّ! والأرجح أنهم هاجموا الجيشين فجرًا، فوقع الاشتباك وقامت الحرب بين الطرفين (في العاشر من جمادى الآخرة سنة 36هـ/ 657م)، وكانت بذلك أول حرب داخلية في تاريخ دولة الإسلام. وكان الإمام عليّ يأمر جيشه بعدم الأسر أو النهب أو الإجهاز على الجرحى أو مطاردة الفارين.

ويبدو أن البصريين قد انهاروا سريعًا وتشتت شملهم بعد أول صدمة. وذهب كعب بن سور بالخبر إلى السيدة عائشة (رض) بالبصرة وقال لها: «أدركي الناس قد تقاتلوا». فوضع لها الهودج فوقالجمل، فجلست فيه وغطي بالدروع، فذهبت إلى أرض المعركة، لعل الناس يوقفون القتال عندما يرونها. فلما وصلت، أعطت مصحفًا لكعب بن سور وقالت له: «خلِّ البعير وتقدم، وارفع كتاب الله وادعهم إليه». وكان هذا أول رفع لمصحف بغرض التحكيم.

وهنا رأى البعض أن القتال سيتوقف إذا تركوا كعبًا يفعل ما طُلب منه، فلما قام كعب ورفع المصحف وأخذ ينادي، تناولته النبال فقتلوه [12]. وبالتالي استمرت المعركة، ولم تنته إلا بعد أن عُقر الجمل الذي تركبه السيدة عائشة (رض)، ولكن بعد أن كانت الحرب قد أودت بحياة عدد كبير من الجانبين، من بينهم طلحة (رض)[13]. ويوجد اختلاف كبير حول هذا العدد، لكن يبدو أن العدد الحقيقي للقتلى لم يكن بالآلاف كما زعم قتادة؛ حيث كان كل فريق يدافع عن نفسه ليس إلا. وقد أورد خليفة بن خياط في تاريخه بيانًا بأسماء من حفظ اسمه من قتلى يوم الجمل، فكانوا قريبًا من المئة [14]، وبالطبع توجد أسماء سقطت ولم تحفظ لنا، ورغم ذلك يبقى العدد كبيرًا بمقاييس تلك الأيام.

وبعد المعركة دُهش البصريون لسلوك الإمام عليّ معهم عندما منع أسرهم وسلبهم وعندما صلى على موتاهم وبكى عليهم، وعندما أمر بإعادة السيدة عائشة مكرمة إلى بيتها في المدينة. وكانت النتيجة أن عادوا لمبايعة الإمام عليّ مرة أخرى، وبذلك تمكن الإمام من تجييش العراق خلفه استعدادًا لمنازلة معاوية والشاميين.


الإمام عليّ خليفة: الاصطدام مع معاوية

بداية بدا وكأن الخلاف بين الإمام عليّ ومعاوية خلافاً على الأولويات؛ أي أيهما يأتي أولاً: البيعة كما أراد الإمام عليّ، أم القصاص كما أراد معاوية وبنو أمية. ولكن مع اهتزاز مكانة الإمام عليّ كخليفة بسبب عدم مبايعة بعض كبار الصحابة، وخروج بعضهم عليه مما تسبب في «موقعة الجمل»، بدأت نوايا معاوية في الظهور، خاصة وأنه رفض الإقالة، وواصل رفضه لبيعة الإمام عليّ. وكان من الواضح أن لديه خوفًا على منصبه ومكانة قبيلته، والأهم كراهية عميقة للإمام عليّ لأسباب تاريخية سنوضحها بعد قليل.

وعندما ‏أرسل الإمام عليّ إليه كتابًا يدعوه إلى مبايعته، أجابه معاوية بكتاب عنوانه من «معاوية إلى عليّ»، وبداخله «بسم الله الرحمن الرحيم» فقط. ثم أرسل الإمام عليّ إليه رسالة أخرى يطلب البيعة، لم يجبه معاوية. وبعد «موقعة الجمل» أرسل الإمام عليّ إليه جريرًا بن عبد الله البَجلي برسالة يدعوه فيها للدخول في الطاعة أو الإيذان بالحرب، جاء فيها: «وقد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل الناس فيه، ثم حاكم القوم إليّ، أحملك وإياهم على ما في كتاب الله وسنة نبيه»[15]. وهنا يعود الإمام عليّ إلى نقطته المركزية التي لن يتخلى عنها قط: توطيد مركز الخلافة حتى تهدأ الفتنة، وبعدها يتقدم أولياء عثمان بالدعوى عنده، فيحكم بعد إقامة البيّنة، وهنا لن تستطيع العشائر أن تدافع عن القتلة إذا ثبتت التهمة عليهم.

وهنا قرب معاوية عمرو بن العاص منه وأخذ يجيش الشام وأشرافها ضد الإمام عليّ حتى بايعوه على النصر والمعونة. ولما اطمأن معاوية إلى أهل الشام تقدم خطوة في تمرده وأعلن رفضه البيعة للإمام عليّ، ثم كتب إليه ردًا مع رسوله اتهمه فيه بعدم الدفاع عن عثمان، وبأنه يأوي قتلة عثمان في جيشه، بل إن بعضهم في بطانته وقال له: «فإن كنتَ صادقًا فأمْكِنا من قتلته، نقتلهم به، ونحن أسرع الناس إليك، وإلا فليس لك ولأصحابك عندنا إلا السيف، فوالله الذي لا إله غيره لنطلُبنَ قتلة عثمان في البر والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله، والسلام»[16].

وكما سبق كان كثير ممن ثاروا على عثمان (رض) وشاركوا في قتله في جيش الإمام عليّ، وكان هذا اختيارًا ذكيًا منهم، وكانوا قرابة بضع مئات، وكان بعضهم كما سبق سادات في قبائلهم ولهم أعوان يوافقونهم الرأي. وكان الإمام عليّ يعرف هذا ولكنه كان لا يأمن من تسليمهم، بل ولا يستطيع، وإلا لتفكك جيشه، ولهذا كان يعاملهم بحذر، وقد أشار الطبري إلى أنه لم يولِ أحدًا منهم أي منصب كنوع من إعلان تبرؤه منهم [17].

وفي بداية ذي الحجة سنة 36 هـ تحرك الإمام عليّ متوجهًا نحو الشام ومعه جيش ضخم مدرب، قدره البعض بتسعين ألفًا شارك الكثير منهم في فتوح العراق وفارس. وخرج معاوية إلى «صِفِّين» (غرب الفرات بالقرب من مدينة الرقة) ومعه جيش ضخم مدرب قُدر بثمانين ألفًا شارك الكثير منهم في فتوح الشام.

وسلك الإمام عليّ مع أهل الشام ما سلكه مع أصحاب الجمل؛ حيث أرسل وفدًا للصلح، ولكن لم يتخل أي طرف عن ثوابته. ولم يبدأ القتال مباشرة، ولكن على شكل مناوشات متقطعة طوال شهر ذي الحجة، ويذكر ابن حجر أن هناك أكثر من سبعين واقعة في «معركة صِفِّين»[18].

فلما انتهى ذو الحجة أرسل الإمام عليّ إلى معاوية ليتهادنوا شهر المحرم وقال له: «لعل أن نتفاوض أو نتفاهم»؛ فبادر معاوية بالموافقة. ولكن ما إن انتهت الهدنة وبدأ صفر من عام 37 هـ حتى بدأت الواقعة الكبرى، واستمر القتال لتسعة أيام دون توقف [19]. ولأن الفريقين لم يكفر أحدهما الآخر فإن الإمام عليّ منع جيشه من أخذ أية غنائم من أموال جيش الشام رغم حرص بعض مقاتليه على ذلك. وكان بعض الجند المتحمسين في جيش عليّ يلعنون الشاميين ويكفرونهم فلا يلق من قادته إلا النهر والتوبيخ. فالأحاديث النبوية توحي بأن كلا الطائفتين مؤمن لذا لا يجوز تفسيقهم، ولهذا فإن عليًّا (رض) تألم لذلك وكان يستغفر لقتلى الفئتين، وروي عنه أنه قال: «إنما الحساب عَلَيّ وعلى معاوية»[20].

وعندما طحنت المعركة ألوفًا من الجانبين [21]، فزع كثيرون لضخامة المجزرة التي يبيد فيها العرب بعضهم بعضًا، وقال أهل الشام: «من للثغور؟»، ومال معاوية إلى وقف القتال والمفاوضة رغم أن جيشه لم يُهزم كما تدعي بعض الروايات. وقد عرف كل من معاوية وعمرو بن العاص بالتأكيد بأمر السيدة عائشة في «موقعة الجمل» برفع المصحف طلبًا للهدنة والتحكيم. ولذا فإن أمر معاوية برفع المصاحف ليس خدعة أو هروبًا من الهزيمة كما تدعي بعض الروايات. والأرجح كما ورد لدى ابن العربي، وفي رواية الدارقطني قبله، أن الجنوح إلى طلب التحكيم جاء بعد أن رأى القوم قرب فناء الجيشين، لا جيش الشام وحده، زد على ذلك أن كلا الجيشين أهمل الثغور بسبب المعركة. وربما استشعر أهل الشام تحفز الروم فمالوا إلى السلم والمفاوضة.

وعندما رفعت المصاحف، وقيل: «بيننا كتاب الله» بدأت الانشقاقات في جيش الإمام عليّ بين مؤيد ومعارض، وفي النهاية لم يملك الإمام عليّ إلا الاستجابة فقال: «أنا أولى بذلك، بيننا كتاب الله». وهنا بدأت كفة الإمام عليّ تشيل وبدأ معاوية يحرز النقاط، بداية باختيار الحكمين، وانتهاء بصيغة الاتفاق «عهد صِفِّين» التي اضطر فيها الإمام عليّ للتنازل عن لقب إمارة المؤمنين فتساوى بذلك ومعاوية، ولكن الأخطر من ذلك كان بدء تفكك جيش الإمام عليّ.


الخوارج وتفكك جيش الإمام عليّ

بعد أن عاد الإمام عليّ من “صِفِّين” إلى العراق، خرج عليه قسم من جيشه، واعتبروا قبوله التحكيم كفرًا وأعلنوا توبتهم، ثم طلبوا ممن قبل التحكيم أن يعترف بالكفر ويتوب، وطلبوا ذلك حتى من الإمام عليّ نفسه، فرفض ذلك بالطبع وناقشهم حتى يئس منهم وقرر أن يدعهم على حالهم ويصبر عليهم.

والحقيقة فإن «الخوارج» كانوا من حيث الظاهر من أكثر الناس عبادة وأشجعهم نزالاً وجدالاً، وكانوا من أحفظ الناس لكتاب الله، وحتى الآن عندما تقرأ خطبهم تجدها من أبلغ الخطب وأعمقها. وقد سموا أنفسهم آنذاك «جماعة المؤمنين». ويبدو أنهم في البداية عندما أجبروا الإمام عليّ على قبول «التحكيم» لم تكن أفكارهم قد نضجت بعد، ولكن بعد قبول «التحكيم»، أجبروه مرة أخرى على اختيار أبي موسى الأشعري، لأنهم أرادوا حكمًا محايدًا بينه وبين معاوية؛ أي أنهم لم يعودوا إلى جانبه ولكن أصبحوا محايدين! فلما كتب «عهد صِفِّين» وأُخذت به العهود والمواثيق على الإمام عليّ انقلبوا عليه بقيادة رجل منهم يسمى حرقوص السعدي وطلبوا منه أن يرجع عن قبول «التحكيم» وإلا قاتلوه، وقالوا: «لا حكم إلا لله»، فقال الإمام عليّ: «كلمة حق يُلتمس بها باطل!»[22]. فلما رجعوا من «صِفِّين» إلى العراق رجعوا وهم مباينون للإمام علي، وخرجوا كما سبق عليه. وانتقلوا بالتالي من الشقاق النظري إلى الانشقاق العملي، وعندها لاحت نذر التناحر وسيدخل جيش الإمام عليّ مرحلة الإفناء الذاتي.


[1] يقال إنهما طلبا منه بداية أن يسمح لهما بهذا الخروج ولكنه طلب منهما التريث، فلما مرت الشهور قررا الخروج إلى «مكة» ثم «البصرة» دون إذن الإمام عليّ (رض). ربما كان اختيار البصرة مجرد بداية، لأن أغلب قتلة عثمان كانوا من البصرة والكوفة، وكانت عشائرهم تدافع عنهم ولا تريد تسليمهم، بل وهاجمت طلحة والزبير عندما وصلا إلى البصرة، وكانوا كما في «تاريخ خليفة» يكثرون اللغط عليهما ويرمونهما ومن معهما بالحجارة (ص182). وهذا في الغالب هو السبب الذي دعا الإمام عليّ لتأخير القصاص.[2] في أثناء الطريق إلى البصرة مر الجمع ليلاً على بئر لبني عامر يسمى «الحوأب»، فنبحت الكلاب، فقالت: «أي ماء هذا؟» قالوا: «ماء الحوأب». فتذكرت (رض) قول الرسول (ص) لنسائه: «ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج فتنبحها كلاب الحوأب يُقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير، ثم تنجو بعد ما كادت». ولذا قالت لمن معها: «ما أظنني إلا راجعة». فقال لها الزبير (رض): «بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم». (راجع: مسند الإمام أحمد (6/97)، والسلسلة الصحيحة للألباني، (1/853).[3] هكذا وردَتْ، تريد: أنَّها ليست براجعة عمَّا عزمَتْ عليه.[4] وفي نسخةٍ يُروى بعد ذلك: «فإنْ أقمْ، ففي غير حرجٍ، وإن أخرج، ففي إصلاحٍ بين فئتين من المسلمين متناجزتين». والمناجزة: المقاتلة.[5] قارن بالنص في: ابن قتيبة: غريب الحديث 2/182-186، والآبي: «نثر الدر» 2/258-259، وعمر رضا كحالة: «أعلام النساء» 5/225.[6] مُطرف بن عبد الله الحرشي، البصري، الأزدي (ت 95هـ) وهو راوي ثقة روى له كل من البخاري ومسلم.[7] سورة الأنفال آية 25.[8] مسند الإمام أحمد، (1/165):[9] راجع ابن أبي شيبة: المصنف، (15/99-100)، وابن عساكر: تاريخ دمشق (42/456).[10] راجع الطبري: تاريخ الرسل والملوك، (4/455)، وابن الأثير: الكامل، 2/35.[11] وتفصيل ذلك أن عليًا رأى الزبير فناداه، فأقبل حتى التقت أعناق دوابهما فقال له الإمام عليّ: «أتذكر يومًا أتانا رسول الله وأنا أناجيك؟ فقال: «أتناجيه! والله ليقاتلنك يومًا وهو لك ظالم!» فتذكر الزبير ذلك الحديث، فضرب وجه دابته وانصرف عازمًا على العودة إلى المدينة، فعرض له ابنه عبد الله فقال: «مالك؟». قال: «ذكرّني عليٌّ حديثًا سمعته من رسول الله وإني راجع»، فقال له ابنه: «وهل جئت للقتال؟ إنما جئت تصلح بين الناس، ويصلح الله هذا الأمر». وبعد أن ابتعد الزبير، لحق به أحد الموتورين فقتله غدرًا وهو يصلّي! (ابن عساكر: تاريخ دمشق، 18/410. وابن كثير: البداية والنهاية، 7/242).[12] انظر الطبري: تاريخ الرسل والملوك (4/513)، وابن عساكر: تاريخ دمشق (7/88).[13] الأصح أن طلحة (رض) لم يشارك بالقتال، وإنما جلس في آخر الجيش يبكي على ما أصاب المسلمين بسببه، فأصابه سهمٌ ونزف حتى مات. وكما في «سير أعلام النبلاء» للذهبي (1/26) أن مروان بن الحكم رماه بسهم فقتله، وأنه أقر بذلك فيما بعد. وعن الشعبي: «لمّا قُتِل طلحة ورآه عليٌّ مقتولاً، جعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: «عزيزٌ عليَّ أبا محمد أن أراك مُجدّلاً تحت نجوم السماء». ثم قال: «إلى الله أشكو عجزي وبجري» (أي همومي وأحزاني). وبكى عليه هو وأصحابه، وقال: «يا ليتني متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة» (راجع ابن الأثير: أُسد الغابة (3/88-89)، وابن عساكر: تاريخ دمشق (25/115).[14] راجع: خليفة بن خياط: تاريخ خليفة بن خياط، (ص187-190).[15] أبو حنيفة الدينوري: الأخبار الطوال، ص 157.[16] السابق، ص 162.[17] راجع الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 4/445.[18] راجع ابن حجر العسقلاني: فتح الباري، 13/92.[19] ابن الجوزي: المنتظم، 5/118.[20] ابن أبي شيبة: المصنف، 15/303.[21] قدر محمد بن سيرين عدد القتلى بحوالي سبعين ألف رجل من الجانبين، وهذا العدد يدل على أن الأمر كان قد خرج عن السيطرة. وروي أن الإمام عليّ قال بعد صفين وهو متألم: «لو علمت أن الأمر يكون هكذا ما خرجت» (مصنف بن شيبة، 15/275). كذلك ندم بعض من شارك في القتال، وكما في «فتح الباري» عن الأعمش: «سألتُ أبا وائل: هل شَهِدتَ صِفِّين؟» قال: «شَهِدتُ صِفِّين وبِئْسَت صِفِّين» (13/296). وقد تشابهت الأمور حتى على كبار الصحابة، على سبيل المثال روى ابن سعد في «الطبقات» (13/143-144) وأبو نعيم في «الحلية» (1/94) عن ابن سرين قال: «لما قيل لسعد بن أبي وقاص (رض): ألا تقاتل؟ إنك من أهل الشورى، وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك؟» قال: «لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان يعرف المؤمن من الكافر، فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد».[22] الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 5/ 73.