نجاح مشروعك الاقتصادي مرتبط بالدرجة الأولى بتوفير بيئة العمل المناسبة للنجاح، فلا يوجد مشروع اقتصادي ناجح في بيئة عمل غير ملائمة. وهنا نعني ببيئة العمل: مجموعة العناصر المُستمدة من البيئة الكلية من حولك، والتي تؤثر على أي مؤسسة اقتصادية، سواء كان نشاطها خدميًا أو إنتاجيًا، صناعيًا أو زراعيًا أو تجاريًا، فهي لا تعمل في الفراغ. أي أن بيئة العمل تعني المنافسين من حولك، وكذلك المستهلكين والموردين وطبيعة سوق العمالة، وطبيعة الموارد المادية والبشرية.

ولكي تُفكر بنمط علمي أكثر، فيجب أن تعرف أن هناك أكثر من بيئة عمل تحيا أي مؤسسة داخلها. وهنا سيكون تركيزنا على «بيئة العمل الخارجية». والتي تعني كل المتغيرات والعوامل التي يمكن أن تؤثر على مشروعك الاقتصادي، ولكنها تقع خارج حدوده المباشرة.

أي ببساطة، يجب قبل الشروع في تنفيذ مشروعك أن تتأكد أن الظرف السياسي والوضع الاقتصادي والنمط الاجتماعي والتطور التكنولوجي من حولك يسمح لك بإقامة مشروعك الاقتصادي، ويوفر له البيئة المناسبة للنجاح.

وهنا يبرز السؤال، ما هي المعادلة التي يمكن من خلالها تقييم هذه المتغيرات، والتأكد من صلاحيتها لإقامة مشروعك؟


مؤشر التنافسية العالمي

المنتدى الاقتصادي العالمي يوفر لك هذه المعادلة، من خلال إصداره السنوي، الذي بدأ في الظهور منذ عام 2005، والذي يُعرف بـ «تقرير التنافسية العالمي»، والذي يعتبر من أكثر المؤشرات العالمية القادرة على تقديم تقييم رقمي دقيق لبيئة العمل في مختلف دول العالم.

ويعتمد هذا التقرير في تقييمه لبيئة العمل على 12 عنصرًا، وهي ذات العناصر التي يجب أن تنظر إليها قبل الشروع في بدء مشروعك. وهذه العناصر الـ 12 هي: المؤسسات، والبنية التحتية، وبيئة الاقتصاد الكلي، والصحة والتعليم الأساسي، والتعليم العالي والتدريب، وكفاءة سوق السلع، وكفاءة سوق العمل، وتطوير السوق المالي، والجاهزية التكنولوجية، وحجم السوق، وتطور الأعمال، والابتكار.


وضع بيئة العمل المصرية

وإذا كنت تطمح إلى إقامة مشروع في مصر، فإليك وضع بيئة العمل المصرية، من واقع تقرير التنافسية العالمي:

احتلت مصر المرتبة 100 من بين 137 دولة شملها تقرير التنافسية الأخير (2017-2018)، ويبدو لك من الوهلة الأولى أن هذا مصر في ترتيب متأخر، وهو أمرٌ صحيح، ولكن في الوقت نفسه لابد أن تلاحظ أن مصر أحرزت تقدمًا بحوالي 15 مركزًا عن ترتيبها في تقرير العام الماضي. أي أن هنا قفزة واضحة.

مع ملاحظة أن أفضل ترتيب وصلت إليها مصر كان الـ 70 عام 2009، والأسوأ كان 118 عام 2014. وفيما يلي: ترتيب مصر ضمن دول العالم خلال السنوات الست الماضية:

العام 2012/2013 2013/2014 2014/2015 2015/2016 2016/2017 2017/2018
الترتيب/عدد الدول الي شملها التقرير 107/144 118/148 119/144 116/140 115/138 100/137

ولكي تضع يدك على مكامن ضعف بيئة العمل المصرية، والسبب وراء مكانة مصر المتدنية بين دول العالم في هذا التقرير، لابد من التفصيل في أسباب احتلال مصر لهذا المركز.

وهنا يمكن القول إن هناك أربعة عوامل أساسية (ضمن الـ 12 مؤشرًا التي يشملها التقرير) تتحمل هذا التراجع؛ يأتي على رأس هذه العوامل «كفاءة سوق العمل»، والتي احتلت مصر فيه الترتيب 134، وهو الأمر الناتج عن تدهور ما نطلق عليه “بيئة العمل الداخلية”، من حيث علاقات العمل داخل المؤسسات وعدم وجود مرونة في هياكل الأجور، وعدم انضباط سياسات التعيين والرفت، وعدم التوازن بين الأجور ومعدل الإنتاجية، إلى جانب عدم القدرة على جذب المواهب والحفاظ عليها. وهي الأمور التي يجب أن تضعها نُصب عينيك خلال تأسيس مشروعك الجديد.

في المرتبة الثانية، تأتي «بيئة الاقتصاد الكلي»، والتي احتلت مصر فيه الترتيب 132، وذلك بسبب تراجع مؤشرات الاقتصاد الكلي المصري بشكل عام. وهنا يجب أن تدرس جيدًا تأثير القرارات الاقتصادية الحكومية على مشروعك، مع ضرورة الاطلاع على أجندة القرارات المستقبلية للحكومة، سواء المتعلقة بزيادة الأسعار أو فرض ضرائب جديدة أو رفع الدعم مُجدداً.

في المرتبة الثالثة والرابعة تأتي مؤشرات «الابتكار» (الترتيب الـ 109) و«التعليم العالي والتدريب» (الترتيب الـ 100)، والتي تعكس فشل سياسات الحكومة – أو عدم اكتراثها من الأساس – في مجال البحث العلمي بشكل عام. وهو ما يُلقي عليك عبئًا كبيرًا في اختيار العناصر المناسبة للتوظيف في مشروعك، وكذلك عبء تدريبهم وتطوير قدراتهم بالشكل المناسب لطبيعة مشروعك.


عوائق بيئة العمل المصرية

وإذا أردت الاستفادة من تجربة نظرائك من المديرين التنفيذيين لمشروعات قائمة بالفعل في مصر، فإن تقرير التنافسية يوفر لك هذا أيضًا، حيث يتضمن نتائج استقصاء آراء هؤلاء المديرين حول أكثر العوامل التي تعوق بيئة العمل في مصر، وقد جاءت أبرز خمسة عوامل على النحو التالي:

  1. عدم استقرار السياسات الاقتصادية الحكومية (بنسبة 15.2%).
  2. التضخم (بنسبة 14.2%).
  3. الفساد (بنسبة 9.8%).
  4. عدم كفاءة الجهاز البيروقراطي الحكومي (بنسبة 9%).
  5. ضعف تعلم القوى العاملة (بنسبة 7.9%).

وما سبق هو انعكاس واضح للسياسات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة المصرية خلال الفترة الأخيرة، والتي أثرت سلبًا على بيئة العمل ومصداقية سياسات الدولة الاقتصادية وشفافيتها. وكذلك يتضح أن أجهزة الدولة غير قادرة على التواصل مع مجتمع الأعمال، وتوضيح أبعاد سياساتها وإجراءاتها الاقتصادية.


بيئة العمل المصرية ضمن الدول العربية

وإذا ما أرادت يومًا توسيع مجال عملك ليشمل بيئات عمل عربية أخرى، فعليك أن تعلم أن ترتيب مصر في تقرير التنافسية هو قبل الأخير بالنسبة للدول العربية وشمال أفريقيا، قبل لبنان مباشرة التي تحتل المركز 105.

أمّا أبرز الدول العربية التي تصدرت المؤشر: فقد جاءت الإمارات العربية المتحدة في الصدارة وفي المركز 17، تليها قطر في المركز 25، ثم السعودية في المركز 30، فالبحرين في المركز 44، ثم الكويت في المركز 52.

لذا، يجب أن تضع في اعتبارك، في حالات «التوسع أو المنافسة» في البيئة العربية، أن مشروعات هذه الدول تمتلك ميزات تنافسية إضافية لا تتمتع بها أنت.