محتوى مترجم
المصدر
New German Critique
التاريخ
1964
الكاتب
Habermas, J.

المفهوم

«المجال العام» نعني به قبل كل شيء، عالم حياتنا الاجتماعية الذي يمكن من خلاله تشكيل شيء قريب من الرأي العام، وإمكانية الدخول فيه مكفولة لجميع المواطنين، حيث ينشأ جزء من المجال العام في كل محادثة يتجمع فيها أفراد معينون لتشكيل هيئة عامة، وهم لا يتصرفون مثل رجال الأعمال أو المهنيين الذين يتعاملون مع الشئون الخاصة، أو كأعضاء في نظام دستوري يخضع للقيود القانونية التي تفرضها بيروقراطية الدولة؛ ولكن يتصرف المواطنون كهيئة عامة حيث يتناقشون دون قيود، أي مع ضمان حرية التجمع وحرية التعبير عن آرائهم – حول الأمور ذات الاهتمام العام مع إمكانية نشرها. وفي الهيئة العامة الكبرى، يتطلب هذا النوع من التواصل وسائل محددة لـنقل المعلومات والتأثير على أولئك الذين يتلقونها.

واليوم تعد الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون هي وسائل الإعلام في المجال العام. فنحن نتحدث عن المجال السياسي العام، في مقابل المجال الأدبي على سبيل المثال، عندما يتناول النقاش العام الأمور المرتبطة بنشاط الدولة. وعلى الرغم من أن سلطة الدولة، إذا جاز التعبير، هي المسئولة عن المجال العام السياسي، فإنها ليست جزءًا منه. بعبارة أدق، تعتبر سلطة الدولة سلطة «عامة»، لكنها تستمد مهمتها في رعاية مصالح جميع المواطنين من هذا الجانب من المجال العام في المقام الأول، وفي حالة واحدة فقط: عندما تكون ممارسة الرقابة السياسية خاضعة فعليًّا للطلب الديمقراطي على المعلومات التي يمكن للجمهور الوصول إليها.

يكتسب المجال العام السياسي نفوذًا ذا طابع مؤسسي على الحكومة من خلال أداة هيئات صنع القانون، ويشير تعبير «الرأي العام» إلى مهام النقد والرقابة التي شكلتها هيئة عامة من المواطنين بشكل رسمي من خلال انتخابات دورية، بالإضافة إلى الممارسات الرسمية مقارنة بالنظام الحاكم المتمثل فى الدولة، واللوائح التي تطالب بأن تكون بعض الإجراءات علنية، على سبيل المثال تلك التي تنص على جلسات علنية للمحكمة، وهي أيضًا قوانين تتعلق بوظيفة الرأي العام، فالمجال العام هو مجال يتوسط بين المجتمع والدولة، حيث ينظم الجمهور نفسه كحامل للرأي العام، مع مبدأ المجال العام: ذلك المبدأ المتعلق بالمعلومات العامة، الذي كان عليه في وقت ما أن يناضل ضد سياسات الحكومة الملكية الغامضة التي جعلت من الممكن السيطرة الديمقراطية على الدولة منذ ذلك الحين.

وليس من قبيل الصدفة أن هذه المفاهيم المتعلقة بالمجال العام والرأي العام نشأت للمرة الأولى فقط في القرن الثامن عشر، حيث اكتسبت معناها الخاص من موقف تاريخي ملموس، وكان في ذلك الوقت قد ظهر التمييز بين «الرأي» و«الرأي العام». وعلى الرغم من أن الآراء المجردة (الافتراضات الثقافية، والاتجاهات المعيارية والأفكار المسبقة والقيم الجماعية) تبدو كأنها ترفض التغيير، وكنوع من بقايا التاريخ، فإن الرأي العام استطاع بحكم التعريف فقط أن يظهر للوجود عندما سبق افتراض منطق عام، ولم تكن المناقشات العامة حول ممارسة القوة السياسية – تلك التي كانت مناقشات انتقادية بشكل مقصود ومكفولة من الناحية المؤسسية على حد سواء – موجودةً دائمًا، حيث انبثقت تلك المناقشات من مرحلة محددة من المجتمع البرجوازي واستطاعت أن تدخل في نظام الدولة الدستورية البرجوازية نتيجة فقط لمجموعة محددة من الاهتمامات.

التاريخ

لا يوجد مؤشر على أن المجتمع الأوروبي كان منذ العصور الوسطى الأولى يمتلك مجالًا عامًّا فريدًا عن المجال الخاص، ومع ذلك لم يكن من قبيل الصدفة أنه خلال تلك الفترة كانت رموز السيادة تعتبر «عامة»؛ على سبيل المثال ختم الأميرية. فكان يوجد في ذلك الوقت تمثيل عام للسلطة، وكانت حالة النظام الإقطاعي، أيًا كان الهرم الإقطاعي، غافلة عن الفئات «العامة» و«الخاصة»، لكن صاحب المنصب كان يمثلها علانية؛ فقد أظهر نفسه، وقدم نفسه على أنه تجسيد لأعلى سلطة موجودة على الإطلاق، وتم الإبقاء على مفهوم هذا التمثيل حتى آخر تاريخ دستوري.

بغض النظر عن الدرجة التي حررت بها نفسها من القاعدة القديمة، فإن السلطة السياسية اليوم لا تزال تتطلب تمثيلًا على أعلى مستوى من قبل رئيس الدولة. ومع ذلك، فإن مثل هذه العناصر مشتقة من البناء الاجتماعي قبل البرجوزاي، ليس للتمثيل بمعنى المجال العام البرجوازي، على سبيل المثال تمثيل الأمة أو ولايات معينة لا علاقة له بالمجال العام التمثيلي للعصور الوسطى. ويرتبط المجال العام مباشرة بالوجود الملموس للحاكم، طالما أن الأمير والممتلكات في العالم لا يزالان «يمثلان الأرض»، فبدلاً من العمل كنواب من أجلها، يمكنهم «إعادة تقديم»؛ إنهم يمثلون سلطتهم «أمام» الشعب، بدلاً من الشعب.

تفككت السلطات الإقطاعية (الكنيسة والأمراء والنبلاء)، التي ارتبط بها المجال العام التمثيلي لأول مرة، خلال عملية طويلة من الاستقطاب، وبحلول نهاية القرن الثامن عشر كانت قد تفككت إلى عناصر خاصة من جهة، وعناصر عامة من جهة أخرى، وتغير موقف الكنيسة مع حركة الإصلاح حيث أصبحت الصلة بالسلطة الإلهية التي تمثلها الكنيسة، أي الدين، مسألة خاصة. وقد ظهر ما يسمى بالحرية الدينية لضمان ما كان تاريخيًّا أول مجال للحكم الذاتي الخاص، وواصلت الكنيسة نفسها وجودها كهيئة واحدة عامة وقانونية من بين أمور أخرى.

وتجلى الاستقطاب المطابق بوضوح داخل السلطة الأميرية، وذلك في الفصل بين الميزانية العامة والنفقات المنزلية الخاصة للحاكم، وأكدت مؤسسات السلطة العامة، جنبًا إلى جنب مع البيروقراطية والجيش وجزئيًا أيضًا مع المؤسسات القانونية، على استقلالها عن المجال المخصص للبلاط الأميري. وأخيرًا، تحولت الممتلكات الإقطاعية أيضًا، حيث أصبح النبلاء أعضاء السلطة العامة والبرلمان والمؤسسات القانونية، في حين أن أولئك الذين يشتغلون بالأعمال التجارية والمهن الحرفية، بقدر ما أنشأوا بالفعل مؤسسات مدنية ومنظمات إقليمية، تطوروا إلى  مجال المجتمع البرجوازي الذي سيقف بعيدًا عن الدولة باعتباره مجالًا صميمًا للحكم الذاتي الخاص.

لقد خضع المجال العام التمثيلي إلى ذلك المجال الجديد «السلطة العامة» الذي جاء إلى حيز الوجود مع الدول الوطنية والإقليمية، وتوافق النشاط المستمر للدولة (الإدارة الدائمة، الجيش الدائم) مع دوام العلاقات التي تطورت بظهور البورصة والصحافة، وذلك في إطار تبادل السلع والمعلومات. وقد عززت السلطة العامة معارضتها الملموسة ضد  أولئك الذين كانوا مجرد خاضعين لها، ووجدوا بداخلها فقط تعريفًا سلبيًّا لهم “هؤلاء كانوا أفرادًا عاديين”، فتم استبعادهم من السلطة العامة لأنهم لا يملكون أي منصب، وكلمة “عامة” لم تعد تشير إلى المحكمة “التمثيلية الأميرية” التي تم منحها السلطة، ولكن بالأحرى أشارت إلى مؤسسة تُنظم وفقًا للكفاءة إلى جهاز تم منحه احتكار المجهود القانوني لـلسلطة، وتم تصنيف الأفراد العاديين في الدولة ضمن فئة السلطة العامة التي تم توجيهها مكونة الآن الهيئة العامة.

أصبح المجتمع الآن عالمًا خاصًّا يحتل موقفًا معارضًا للدولة، يقف من ناحية كما لو كان في تناقض واضح مع الدولة، ومن الناحية الأخرى أصبح هذا المجتمع مصدر قلق للمصلحة العامة لدرجة أن تصور المعيشة في أعقاب اقتصاد السوق النامية نما خارج حدود السلطة المحلية الخاصة، ويمكن فهم المجال العام البرجوازي على أنه مجال الأفراد العاديين الذين يتم تجميعهم في هيئة عامة،  والتي دعت على الفور تقريبًا إلى تنظيم «الصحف الفكرية» بشكل رسمي للاستخدام ضد السلطة العامة نفسها، حيث ناقشوا في تلك الصحف، وفي الصحف الأخلاقية والنقدية، تأثير السلطة العامة على القواعد العامة للتفاعل الاجتماعي في مجالهم المخصص بشكل أساسي ولكنه ذو صلة بالعمل وتبادل السلع بشكل علني.

النموذج الليبرالي للمجال العام

كان وسط هذا الجدل النقاش العام وسط فريد من نوعه وبدون سابقة تاريخية، وحتى اليوم يتم التفاوض مع أمراء الملكيات لتسوية مطالبتهم بالسلطة من حالة إلى أخرى. أخذ هذا التطور مسارًا مختلفًا في إنجلترا، حيث حد البرلمان من السلطة الملكية، مقارنةً بما حدث في القارة، حيث توسطت الحكومات الملكية تلك الملكيات ثم انهارت الملكية الثالثة مع هذا الشكل من ترتيب السلطة؛ لأنه لم يعد من الممكن تأسيس نفسها كمجموعة حاكمة.

لم يعد تقسيم السلطة عن طريق ترسيم حقوق النبلاء ممكنًا في إطار اقتصاد التبادل، حيث أصبحت السلطة الخاصة على الملكية الرأسمالية، بعد كل شيء، غير سياسية، والأفراد البرجوازيون هم أفراد عاديون كما لا يمكنهم تولي الحكم؛ ومن ثم كانت مطالباتهم بالحصول على القوة  مقابل السلطة العامة لم تكن موجهة ضد تركيز السلطة، التي كان من المقرر أن «يتم مشاركتها»، بدلاً من ذلك، تسللت أفكارهم إلى المبدأ الذي تستند إليه القوة الحالية؛ مبدأ السلطة القائمة. والجمهور البرجوازي عارض مبدأ الإشراف – ذلك المبدأ ذاته الذي يطالب بالإعلان عن الإجراءات العامة (Publizitat)، ومن ثم فإن مبدأ الإشراف هو وسيلة لتحويل طبيعة السلطة، وليس مجرد تشريع تم استبداله بآخر.

في الدساتير الحديثة الأولى، كانت قوائم وفهارس الحقوق الأساسية صورة مثالية للنموذج الليبرالي في المجال العام؛ فقد ضمنت المجتمع كمجال للاستقلال الذاتي وتقييد السلطة وتقليص المهام. وبين هذين العنصرين، ضمنت وجود مجال الأفراد العاديين، حيث يتم تجميعهم على شكل هيئة عامة، إذ يقوم المواطنون بنقل احتياجات المجتمع البرجوازي إلى الدولة، بطريقة منظمة ومثالية وذلك من أجل تحويل السلطة السياسة إلى سلطة عقلانية خلال وسط هذا المجال العام. والاهتمام العام الذي كان مقياسًا لمثل هذه العقلانية، كان مكفولًا وفقًا لافتراضات مسبقة لمجتمع من التعاون الحر عندما تكون أنشطة الأفراد العاديين في السوق متحررة من الإكراه الاجتماعي والضغط السياسي في المجال العام.

في الوقت نفسه، تولت الصحف السياسية اليومية دورًا هامًّا. وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، خلقت الصحافة الأدبية منافسة شرسة على صحائف الأخبار السابقة التي كانت مجرد مجموعة من الإشعارات، ووصف كارل بوتشر Karl Busher هذا التطور العظيم كالآتي:

تم تغيير الصحف من مجرد مؤسسات لنشر الأخبار إلى حاملين وقادة للرأي العام، وأسلحة للسياسيات الحزبية، حولت عمل الجريدة، وظهر عنصر جديد بين جمع ونشر الأخبار ألا وهو: هيئة التحرير، ويعني ذلك لناشر الصحيفة أنه تغير من بائع للأخبار الحديثة إلى تاجر للرأي العام.

وقام الناشرون بالتأمين على الصحف على أساس تجاري ولكن بدون تسويقها. وبقيت الصحافة مؤسسة فعالة للشعب نفسه، كوسيط مكثف للمناقشة العامة، ولم تعد مجرد أداة لنشر الأخبار، ولكن لم تكن بعد وسيلة لثقافة المستهلك.

ويمكن ملاحظة هذا النوع من الصحافة أثناء فترات الثورة عندما انبثقت الصحف التابعة إلى المنظمات والمجموعات السياسية الصغيرة، على سبيل المثال في باريس في 1789. وحتى في باريس عام 1848 نظم كل سياسي بارز في منتصف الطريق ناديه: حيث تم تأسيس 450 ناديًا وأكثر من 200 مجلة هناك وذلك بين فبراير ومايو فقط، وحتى في فترة التشريع الدائم للمجال العام الوظيفي. سياسيًّا كان المقصود من ظهور الصحيفة السياسية هو ربط النضال من أجل الحرية بالرأي العام، وهذا بالمجال العام كمبدأ.

فقط مع إقامة الدولة الدستورية البرجوازية، كانت الصحافة الفكرية تخلصت من ضغط كيفية الإقناع. ومنذ ذلك الحين تمكنت من التخلي عنها، والاستفادة من إمكانات الكسب من التعهد التجاري في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة؛ حيث بدأ التحول من صحافة الاقتناع إلى التجارة وذلك في عام 1830 في نفس الوقت تقريبًا، وفي فترة انتقال المجال العام من الصحافة الأدبية التابعة للأفراد العاديين إلى الخدمات العامة لوسائل الإعلام الجماهير بسبب تدفق المصالح الخاصة، والتي لاقت أهمية خاصة في وسائل الإعلام.

المجال العام في دولة الرفاهية الاجتماعية والديمقراطية الجماعية

على الرغم من أن النموذج الليبرالي للمجال العام نموذج استرشادي حتى يومنا هذا، وذلك فيما يتعلق بالادعاء المعياري بإتاحة المعلومات للجميع، لكن لا يمكن تطبيقه على الظروف الفعلية للديمقراطية الجماعية المتقدمة صناعيًّا والمنظمة في هيئة دولة الرفاهية الاجتماعية.

بشكل جزئي، كان النموذج الليبرالي دائمًا يشتمل على مكونات أيديولوجية، لكن هناك أيضًا جزء صحيح وهو أن الشروط المسبقة الاجتماعية، التي يمكن – في وقت واحد على الأقل – أن تكون مرتبطة بالمكونات الأيديولوجية التي قد تم تحويلها بشكل جذري. وبدأت الأشكال نفسها التي يتجلى فيها المجال العام، حيث نادى أنصار النموذج الليبرالي من أجل الحصول على أدلة، بدأت في التغيير مع حركة تشاريست في إنجلترا وثورة فبراير في فرنسا. وبسبب انتشار الصحافة والدعاية، امتدت الهيئة العامة خارج حدود الطبقة البرجوازية.

لقد فقدت الهيئة العامة ليس فقط تفردها الاجتماعي، بل فقدت بالإضافة إلى ذلك التماسك الذي خلقته المؤسسات الاجتماعية البرجوازية ومستوى عاليًا نسبيًّا من التعليم. وتقتصر الصراعات حتى يومنا هذا على أن المجال الخاص يتدخل الآن في المجال العام، حيث إن احتياجات المجموعة التي يمكن توقع عدم رضاها عن سوق ذاتية التنظيم تميل الآن نحو التنظيم من قبل الدولة. وأصبح المجال العام الذي يجب عليه الآن توسط هذه المطالب، مجالاً للمنافسة بين المصالح والسياقات التي تتخذ شكل نزاع عنيف. إن القوانين التي ظهرت بوضوح تحت «ضغط الشارع» لا يمكن فهمها على أنها ناتجة عن إجماع الأفراد العاديين على المشاركة في النقاش العام؛ فهي تتوافق بشكل أكثر أو أقل وضوحًا للتنازل من أجل تسوية المصالح المتضاربة.

وتقوم المنظمات الاجتماعية التي تتعامل مع الدولة داخل المجال العام السياسي -سواء من خلال وكالة الأحزاب السياسية أو مباشرة- بالاتصال مع الإدارة العامة بمزج المجال العام بالخاص، ولم تأخذ السلطات السياسية على عاتقها فقط مهامًا محددة في مجال تبادل السلع والعمل الاجتماعي، ولكن القوى الاجتماعية على العكس اتخذت الآن مهامًا سياسية، وهذا يؤدي إلى نوع من إحياء النظام الإقطاعي للمجال العام. وتسعى المنظمات الكبيرة جاهدة من أجل التسويات السياسية مع الدولة ومع بعضها البعض، باستثناء المجال العام كلما أمكن ذلك، لكن في الوقت نفسه يجب أن تضمن المنظمات نفسها على الأقل دعمًا عن طريق استفتاء شعبي من جموع السكان.

يتميز المجال العام السياسي لدولة الرفاهية الاجتماعية بضعف غريب في وظائفه الحاسمة، وفي نفس الوقت تهدف عملية تعميم الإجراءات (Publizitat) إلى إخضاع الأشخاص أو الشئون إلى العقل العام، وإخضاع القرارات السياسية للمثول أمام محكمة الرأي العام، ولكن يكفي أن عملية التعميم اليوم تخدم بشدة السياسات الغامضة للاهتمامات الخاصة مما يجعلها جديرة بالإعجاب في مناخ من الرأي غير العام. وكشف «عمل العلاقات العامة» (Oeffentlichkeitsarbeit) حقيقة أنه يتم بناء المجال العام أولًا بشكل صارم، المجال الذي انبثق في وقت سابق من البنية الاجتماعية، حتى العلاقة الرئيسية بين الجمهور والأطراف والبرلمان متأثرة بهذا التغيير في المهام.

 ومع ذلك، فإن هذا الاتجاه نحو إضعاف المجال العام هو مبدأ يتم معارضته عن طريق زيادة تمديد الحقوق الأساسية في دولة الرفاهية الاجتماعية. وامتد مطلب أن تكون المعلومات متاحة للجميع من أجهزة الدولة لجميع المنظمات التي تتعامل مع الدولة إلى الدرجة التي يمكن من خلالها تحقيق هذا، وتحل الهيئة العامة المنظمة للأفراد العاديين محل الهيئة العامة المنحلة التي ترتبط بها بشكل فردي. يمكن لهؤلاء الأفراد المنظمين فقط المشاركة بفعالية في عملية الاتصال العام؛ هم فقط يمكنهم استخدام قنوات المجال العام الموجودة داخل الأحزاب والجمعيات وعملية جعل الإجراءات التي تم إنشاؤها لتسهيل معاملات المنظمات مع الدولة، ويجب أن يتم تشريع التسويات السياسية من خلال هذه العملية للتواصل العام.

وتهدد فكرة المجال العام، المحفوظة داخل دولة الرفاهية الاجتماعية، وهي الفكرة التي تدعو إلى عقلانية السلطة من خلال وسيلة النقاش العامة بين الأفراد العاديين، بالانفصال عن التحول الهيكلي المتعلق بالمجال العام نفسه. فقط يمكن أن يتحقق ذلك اليوم على أساس معدل، كإعادة تنظيم منطقية للسلطة الاجتماعية والسياسية تحت السيطرة المشتركة للمنظمات المنافسة والملتزمة بالمجال العام في بنيتها الداخلية، وكذلك في علاقاتها مع الدولة وبعضها البعض.


* مصدر الترجمة:  Habermas, J. (1964). 1974. The Public Sphere: An Encyclopedia Article. S. Lennox and F. Lennox trans. New German Critique, 3, 49-55.