محتوى مترجم
المصدر
Jacobin
التاريخ
2017/11/22
الكاتب
برانكو مارسيتيك
إذا ما سألت عددًا من الأمريكيين عن الحرب الكورية، ربما سيخبرك بعضهم أنها حيثما خدم رجال ونساء المستشفى العسكري في المسلسل الشهير M.A.S.H، وأنها حيثما أصبح «ديك وايتمان» دون درابر في مسلسل Mad Men، أو ببساطة إنها صراع تضمن كوريا. أما إذا سألت معظم شعب كوريا الشمالية فسيخبرونك أنها كارثة مفجعة، هزت الأرض تحت أقدامهم حرفيًا، تركت بلدهم جحيمًا قاحلًا وقتلت على الأقل واحدًا من أقاربهم.

غالبًا ما يرى العالم أفعال قادة كوريا الشمالية كأفعال مختلي العقل فاقدي المنطق لا يعرفون إلا لغة القوة. وبينما الطبيعة الديكتاتورية لنظام جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية DPRK لا تقبل الجدال، إلا أن المعاداة الشعواء لأمريكا في مركز سلالة «كيم» الحاكمة لكوريا تنبع من الذكرى الحية للحرب على كوريا بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

على الرغم من فرض رقابة شديدة حول التغطية الإعلامية للحرب في وقتها، اليوم تُعرف الحرب الكورية بـ «الحرب المنسية»، وتعيش في إشارات ثقافة البوب المتفرقة، حيث مثّلت الحرب الكورية حدثًا تأسيسيًا صادمًا لشعب كوريا الشمالية، عرضًا حيًا قاسيًا للقوة الرهيبة لترسانة عسكرية أمريكية مُطلقة العنان، ولما لا يجب أبدًا أن تجد البلد نفسها دون دفاعات مستعدة.


حرب لا ترحم

في خلال ثلاث سنوات، تسببت الحرب الكورية في مقتل ملايين المدنيين، تحولت إلى حرب بالوكالة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي ودفعت بالعالم إلى حافة هاوية الصراع النووي.

اشتعلت الحرب في يونيو/حزيران عام 1950، عندما غزا الشمال الشيوعي الجنوب المعادي للشيوعية، تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب عندما انهار دفاع الجنوب وفقد العاصمة سيول. على الرغم من هامشية كوريا استراتيجيًا، فإنها مثّلت للقلة من السياسيين الأمريكيين المصممين على توريط بلادهم في الحرب، الاختبار السوفييتي الأول لقوة وهيبة الولايات المتحدة الأمريكية في عالم الحرب البادرة. انتهت الحرب إلى مأزق عسكري لا مخرج منه وهدنة قلقة مستمرة حتى يومنا هذا.

قامت الحرب برفع سقف الدمار الناتج عن القوة الجوية، متغلبة على مقدار الدمار الذي تسببت فيه قنابل الحلفاء الملقاة على مدن المحور خلال الحرب العالمية الثانية. لن يرى العالم شيئًا مماثلًا مرة أخرى حتى حرب فيتنام.

بمعنى آخر، ما فعلته قوات الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية في كوريا الشمالية يماثل مافعلته الحرب والهولوكوست في بولندا.

تتحدث الأرقام عن نفسها. تعدت الـ 635,000 طن من المتفجرات الملقاة على كوريا خلال سنوات الحرب الثلاث كمية المتفجرات المستخدمة في مسرح عمليات المحيط الهادي بأكمله طوال الحرب العالمية الثانية. بنهاية القتال، قُدر عدد القتلى، المفقودين والمصابين بين 2 و3 ملايين مواطن كوري؛ سقط حوالي 12 إلى 15% من تعداد سكان الشمال صرعى نتيجة الحرب. لنضع ذلك في إطاره، خسر الاتحاد السوفييتي حوالي 13 إلى 14% من تعداد سكانه قبل الحرب أثناء الحرب العالمية الثانية، بينما تكبدت بولندا الجانب الأكبر من الخسائر البشرية حيث فقدت حوالي 18% من تعداد سكانها.

بمعنى آخر، ما فعلته قوات الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية في كوريا الشمالية يماثل مافعلته الحرب والهولوكوست في بولندا.

وفّرت الحرب الكورية أرضًا خصبًا لتجربة وفرة من الأسلحة السادية الجديدة، كالقنابل العنقودية وغاز الأعصاب. هناك حتى أدلة أن الجيش الأمريكي حاول استخدام أسلحة بيولوجية.

بمرور شهور الحرب، استخدمت قنابل النابالم في غارات على التجمعات المدنية، ماحية مدنًا بأكملها وحارقة جلود المدنيين الأبرياء إلى أغشية سوداء مغطاة بالقيح. في 29 أغسطس/آب عام 1952 أثناء غارة واحدة على مدينة بيونغيانغ، غطّت عشرة آلاف لتر من النابالم المدينة. كان الأمر مروعًا حتى أن وينستون تشرشل، الرجل الذي عبّر مرة عن قلقه من أن يعطل مجموعة من «المتخاذلين» خططه لإغراق المدن الألمانية بغاز الأعصاب أثناء الحرب العالمية الثانية، وجد الأمر رهيبًا أكثر من اللازم، وصرّح بأن الدمار المُلحق بالمدنيين «خطأ بالغ».

وبنهاية القتال، غطت الولايات المتحدة الأمريكية البلاد بحوالي 32,000 طن من النابالم، الذي اسُتخدم ضد التجمعات المدنية، ناهيك عن القيام بغارات إطلاق النيران المكثفة وهجمات على نظم الطاقة الكهرومائية الأساسية لحياة المدنيين.

جاء التغيير مع دخول الصين الحرب وتغيير الأهداف. فبحلول عام 1951، كفت قوات الولايات المتحدة الأمريكية عن محاولات استعادة الشمال وركزت جهودها، بدلًا عن ذلك، على تعريض كوريي الشمال لفظائع وخسائر جسيمة تجبرهم على القبول بالتفاوض.

فكما يشرج الجنرال ماثيو ريدجواي، قائد الجيش الثامن:

لم يكن الهدف هو السيطرة على الأرض، بل التدمير الأقصى لأفراد وممتلكات العدو بأقل تكلفة ممكنة لقواتنا، باستخدام القدرة المرعبة لقوتنا النارية.

تحدث وزير الدفاع روبرت لوفيت بحماس وقتها: «إذا ما استمررنا في تمزيق البلاد، يمكننا جعل الأمر مريعًا لكوريي الشمال».

سرعان ما أصبحت الهجمات بلا رحمة، بربرية دون أي تناسبية أو منطق. أصبح كل من المدنيين والمقاتلين هدفًا مفتوحًا. يتذكر أحد الطيارين المقاتلين:

عندما تلقي النابالم على قرية وتراها تنفجر مشتعلة، تعرف أنك حققت شيئًا. ليس هناك شيء أسوأ للطيار المقاتل من أن يعمل على منطقة ما ولا يرى نتائج جهده.

يتذكر الجنرال كورتيس ليماي ما أخبره به أحد الطيارين بعد أن خلّفت ثلاثة أسراب من طائرات B-29 خلفها ثلاث دثارات من الدخان:

لا نعرف بالظبط ما الذي ضربناه. لكن مهما كان، لقد فجرناه للجحيم.

تشهد تقارير شهود العيان حينها بحجم الدمار الذي خلفته التفجيرات وراءها. بحلول ربيع 1951، أخبر إيميت روزي أودنييل، قائد مدفعية القنابل، أعضاء مجلس الشيوخ بأن «معظم شبه الجزيرة الكورية أصبحت في فوضى عارمة. دمرنا كل شيء. لم يعد هناك ما يستحق الاسم». وصرّح قاضي بالمحكمة العليا للولايات المتحدة بأن الدمار الذي لحق بالمدن الأوروبية أثناء الحرب العالمية الثانية يُبهت مقارنة بما حل بكوريا الشمالية.

ذكر الصحفي المجري تيبور ميراي في تقرير صحفي حينها: «لم يعد هناك مدن في كوريا الشمالية. لقد زرت مدينة تأوي 200 ألف نسمة، كل ما تبقى هناك هو آلاف المداخن المهدمة، هذا هو كل شيء». ويقول أحد الأسرى الأمريكيين: «معظم المدن الآن مجرد أنقاض أو مساحات مفتوحة مغطاة بالثلوج، حيث يومًا ما وقفت المباني». بنهاية الحرب، خلصت القوات الجوية إلى أن 18 من 22 مدينة رئيسية بشمال كوريا تدمرت جزئيًا، وحوالي 75% من مدينة بيونغيانغ سُوّت بالأرض.

واحدة من أكثر جرائم الحرب الشائنة حدثت على بعد شهور معدودة من الهدنة، عندما نفذت القوات الجوية سلسلة من التفجيرات مستهدفة السدود بكوريا الشمالية، أحد السدود المستهدفة في التفجيرات كان مسئولًا عن إمداد 75% من المياه النظيفة المستخدمة في زراعة الأرز. كتب محررو «آير يونفيرستي كورترلي ريفيو» باغتباط: «يمثل تدمير السدود بالنسبة للشيوعيين، بالأخص، دمارًا لمصدر قُوتهم الرئيسي، الأرز. لا يستطيع الغربي إدراك كارثية خسارة الأرز كمصدر طعام أساسي للآسيوي، خسارته تعني التضور جوعًا والموت البطيء».

وأضافوا: «كانت صناعة الطعام هي العنصر الجوهري المتبقي الوحيد من اقتصاد شمال كوريا الذي يعمل بفاعلية، وهو ما وضعت تفجيرات السدود حدًا له. ناهيك عن مياه الفيضانات المدمرة التي تبعت تفجير أحد السدود، واكتسحت كل ما في طريقها».

هذه الصور حُفظت بالنار في ذكريات شعب كوريا الشمالية وقادته.

كتب المؤرخ «تشالز أرمسترونج» في الذكرى الستين لبداية القتال:

لا تشغل الحرب الكورية حيزًا تأمليًا من الوعي العام للولايات المتحدة الأمريكية، لكن شعب كوريا الشمالية لم ينس أبدًا. فكيف يمكنهم النسيان بينما هم ما زالوا ينبشون أجزاءً من المدفعيات القاتلة المستخدمة ضدهم هناك؟


اللعب بالنار النووية

لم تنس حكومة جمهورية كوريا الشعبية الديموقراطية ضعفها أمام هجمات القوات الجوية الأمريكية، وبالتأكيد ستعمل على تطوير أسلحة نووية لتضمن ألا تجد نفسها في مثل هذا الموقف مرة أخرى. فالحرب ضد الولايات المتحدة تسببت، أكثر من أي شيء آخر، لكوريي الشمال في خلق حس جماعي بالقلق والخوف من التهديدات الخارجية، سيدوم في أذهانهم لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب.

لم يكن الدمار الشامل الذي لحق بها هو السبب الوحيد في رغبة الشمال المستميتة في وضع يديه على أسلحة نووية، استغلال حكومة الولايات المتحدة المتهور لإمكانياتها النووية عاملًا في تغذية تلك الرغبة.

فدونالد ترامب أبعد ما يكون عن أول رئيس للولايات المتحدة يهدد كوريا الشمالية بالإبادة النووية. هذا الشرف ينتمي إلى هاري ترومان، الذي أخبر مراسلي الأخبار في 30 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1950، أن استخدام القنبلة النووية في الصراع الكوري خيار مطروح على طاولة النقاش. تسبب هذا التصريح في هلع رئيس الوزراء البريطاني كليمنت أتلي، الذي سافر على الفور إلى العاصمة واشنطن محاولًا الحصول على وعد مكتوب من ترومان بأنه لن يلقي القنبلة على كوريا.

اليوم، عادة ما تُنسب التهديدات الرعناء بإبادة كوريا نوويًا إلى الجنرال دوجلاس ماكارثر، الذي قاد مجهودات الحرب حتى عام 1951. وهناك سبب جيد لذلك، فقد طلب الجنرال ماكارثر إذنًا بإلقاء 34 قنبلة عبر «عنق مانشوريا» وترك «حزامًا من الكوبالت المشع نوويًا» بين شمال وجنوب لمنع أي محاولات غزو أرضي مستقبلية. لكن شهرة الجنرال التاريخية فاقت قليلًا شهرة ترومان وباقي أعضاء القيادة العليا.

حسب المؤرخ بروس كمينجز، ناقشت رئاسة الأركان المشتركة خيار إلقاء القنابل النووية، قبل مؤتمر ترومان الصحفي، واتخذت قرارها ضده لأسباب استراتيجية بحتة وليست أخلاقية، ثم عادت مرة أخرى للنظر فيه في يونيو/حزيران عام 1951.

بالإضافة إلى ذلك، وصّى مشروع فستا Project Vista المليء بالعناصر العسكرية، بتطوير أسلحة نووية أصغر يمكن نشرها تكتيكيًا في ساحة المعركة. تضمنت عملية هادسون هاربور Operation Hudson Harbor اختبار انفجارات نووية شديدة الدقة بإلقاء قنابل نووية زائفة على الأراضي الكورية، وكما يشير كمينجز، لم تكن قيادات جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية DPRK متأكدة أبدًا ما إذا كانت مزيفة أو حقيقية حتى لحظة اصطدامها بالأرض.

لكن حتى دون كل هذا، مجرد معرفة أن حوزة الولايات المتحدة الأمريكية للقنبلة كان كافيًا. يشرح المؤرخ الراحل مارلين. يونج:

فالقوة الجوية كلغة خاصة موجهة للعدو، تضمنت صمتًا حاسمًا؛ وراء كل أصوات القنابل التي سقطت، هناك صوت القنبلة التي يمكن أن تسقط لكنها لم تسقط بعد، على الأقل.

لم تكن هذه هي النهاية. ففي عام 1957، انتهك الرئيس دوايت أيزينهاور شروط الهدنة، ووضع أسلحة نووية في كوريا الجنوبية.

من المحتمل أن يكون تهديد أيزنهاور باستخدام أسلحة نووية ضد الصين، قرب نهاية الحرب، مجرد تهديد فارغ، لكنه قُدم للعالم على أنه حقيقي. وعلى أرض الواقع، نظر أيزنهاور جديًا لاستخدام القنبلة، واستمر في تطوير خطط مفصلة لهجوم نووي على كوريا الشمالية والصين حتى بعد انتهاء الهدنة.

ظل استخدام الأسلحة النووية خيارًا متاحًا على مدار العقود التي تلت ذلك، حتى لو لم يكن علنًا. عندما ألقت كوريا الشمالية القبض على سفينة تجسس أمريكية داخل مياهها الإقليمية في عام 1968، تجنب الرئيس جونسون البيانات العنترية وحل الأمر دبلوماسيًا. لكن في الكواليس الخلفية، نظرت القيادة الأمريكية في إلقاء قنبلة نووية انتقامًا، كما أمرت بنشر طائرات مقاتلة محملة بأسلحة نووية في المطارات الكورية في حالة تأهب قصوى.

طيلة ذلك الوقت، كانت قيادات كوريا الشمالية تشاهد بينما البلاد الأخرى التي قامت بتسليم أسلحتها، على الأخص ليبيا والعراق، سرعان ما تم غزوها وتحولت إلى ركام، وألُقي القبض على قادتها، وأهينوا علنيًا، وعُذبوا وقتلوا.

عند وضع التاريخ الطويل من التهديدات والدمار في الاعتبار، يصبح نهج قيادة كوريا الشمالية أقل تحيّرًا. لا يمكن اعتبار فظائع الحرب الكورية هو السبب الوحيد وراء عنف جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية، لكنها بالتأكيد تفسر جزءًا جوهريًا منه.