أضواء التاريخ المسلطة على الدول والأشخاص والأحداث ليست دائمًا عادلة، فكثيرًا ما تفوّت بعضها فتسقطها من الإبراز للقارئ، فلا يعلم بها إلا الباحث المدقق، وحتى هذا غالبًا ما يكون عن طريق الصدفة.

من هذه الدول المظلومة «الإمارة الدوستكية» الكردية التي وقعت في منطقة الأناضول، وتمركزت في مناطق ديار بكر، ميافارقين، وأرجيش (بتركيا حاليًا) بين عاميّ 982م و 1093م (بينما يرجع المؤرخ ابن الأثير نشأتها للعام 990م)، وأسسها القائد الكردي أبي عبد الله الحسين بن دوستك – ونسبة إليه حملت اسم «الدوستكية»- المعروف بـ«باد»، ومعناها بالكردية «الريح»، حيث لُقب بذلك لسرعة هجومه وتحركه في الحرب، كذلك حملت اسم «إمارة آل مروان» نسبة لاسم الجد الكبير للدوستكيين.


البداية المثيرة

كان بني بويه – وهم من جنس الدَيلَم- يسيطرون على العراق وبغداد، ويتسلطون على الحكم في عاصمة الخلافة ومحيطها، وكانت تلك المرحلة من دولتهم تشهد اقتتالًا بين أبناء الأسرة حول السيادة على دولتهم.

استغل ابن دوستك اضطراب البويهيين بوفاة عضد الدولة، وقام بفرض سيطرته على الإقليم، واتخاذ مدينة ميافارقين عاصمةً لها.

كان بنو مروان يسيطرون على المناطق سالفة الذكر من بلاد الأناضول، وحتى الحدود مع بيزنطة التي كانوا يُغِيرون عليها من حين لآخر. في الوقت الذي استطاع فيه عضد الدولة البويهي حسم الصراع الأسري لصالحه، وأثناء وجوده بالموصل كان باد قد توجه إليه ضمن وفود مهنئيه بالنصر، وكان عضد الدولة قد استولى على بلاد باد والدوستكيين فخشي من تمرد هذا الأخير فحاول الغدر به واعتقاله إلا أنه استطاع الفرار قبل ذلك.

اضطر باد لوقف أعماله العدائية ضد بيزنطة وحاول أن يبرم معاهدة مع الإمبراطور باسيل الثاني لمساعدته في استرداد أراضيه من بني بويه، كما طلب حق اللجوء للأراضي البيزنطية حال تعرضه للهزيمة من البويهيين، إلا أن البويهيين تدخلوا بين الطرفين وأفشلوا مشروع المعاهدة.

جاءت تصاريف القدر في صالح باد، فقد توفي عضد الدولة وتولى خليفته صمصام الدولة الحكم، فاستغل القائد الكردي ذلك كما استغل فراغ ديار بكر ومحيطها من قوات البويهيين، ومراسلة السكان له لطلب توليه حكمهم، وفرض سيطرته على الإقليم ومحيطه، واتخذ مدينة ميافارقين عاصمة له، فقام بتعيين أخيه أبي الفوارس حاكمًا عليها وتفرغ هو للتوسع وتنظيم شئون حكمه.

حاول صمصام الدولة إجبار باد على الانضواء تحت حكمه، فأرسل إليه حملة عسكرية انتهت بالفشل، بل واستطاع باد الاستيلاء على الموصل نفسها – بطلب سكانها وتعاون واليها- وضم محيطها، حتى شاع أنه سيغزو بغداد ويسقط حكم بني بويه الذين أرسلوا حملة تالية نالت مصير سابقتها، فاضطروا للتحالف مع الحمدانيين حكام حلب، وتحريضهم على غزو ديار بكر، وأرسل الحمدانيون جيشًا بالفعل لينالوا نصيبهم من الهزيمة كحلفائهم بني بويه، وحاول بنو بويه اللجوء لسلاح الاغتيال إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل، واستمر باد شوكة في حلوقهم، فاضطروا لعقد هدنة مع الدوستكيين سنة 985م، ولكنها لم تستمر إلا عامًا أو أقل حيث جدد باد تحركاته التوسعية ضد بني بويه الذين تحالفوا ضده مع بني عقيل العرب حكام منطقة «نصيبين»، وهذه المرة كانت الهزيمة من نصيب باد الذي فقد أخاه وذراعه الأيمن أبو الفوارس في المعركة، وكذلك فقد منطقة الموصل التي استطاع الحمدانيون الظفر بها.

في العام 990م، حاول باد أن يسترد الموصل، فتحرك بحملة عسكرية وراسل الموالين له بالموصل ليساعدوه، لكن تدخُّل بني عقيل حال دون ذلك، وجرت معركة ضارية فقد خلالها حياته حين حاول استبدال فرسه أثناء التحرك فسقط عنه وكُسِرَت ترقوته فقتله بعض العرب وحملوا جثته لبني حمدان الذي صلبوا جسده على باب دار الإمارة بالموصل، إلا أن أهل المدينة المحبين له ثاروا وأنزلوا الجثمان وصلوا عليه ودفنوه.


اضطرابات، استقرار، اضطرابات جديدة

بعد مقتل باد تولى ابن أخته أبو علي الحسن بن مروان الحكم، وكانت الإمارة الدوستكية مهددة آنذاك من كل من الحمدانيين من جانب، والبيزنطيين من جانب آخر، فسارع الحسن لبذل الجهود الدبلوماسية لتبريد مختلف الجبهات، فعقد هدنة مدتها عشرة أعوام مع بيزنطة، وتفاهم مع الأرمن المجاورين له، وفي العام 996م فاوض الحمدانيين عارضًا ارتباطًا أسريًا معهم فرحبوا بذلك وأرسلوا له في العام التالي «ست الناس» إحدى أميراتهم لتكون له زوجة، ولكن شاء القدر غير ذلك، فالحسن كان قبل ثلاثة أعوام قد قتل بعض معارضيه الموالين للحمدانيين -قبل مفاوضاته معهم- في مدينة ميافارقين، فعندما توجه إلى ديار بكر لعقد قرانه على ست الناس دبر له شيخها مؤامرة اغتاله فيها، فعاد أخوه «أبو منصور سعيد» إلى العاصمة ميافارقين وتولى الحكم حاملًا لقب «ممهد الدولة».

على مدار 71 عامًا، اهتم حكام الإمارة الدوستكية بتحسين سياساتهم الخارجية وإنهاء الخلافات مع البزنطيين والحمدانيين والسلاجقة.

كان ممهد الدولة قد قرر السير على سياسة أخيه خارجيًا، فقام في العام 1000م، بتسوية مسائل الحدود مع البيزنطيين، وكذلك اتفاقات التبادل التجاري، كما عقد قرانه على الأميرة ست الناس ليمضي قدمًا في التفاهم الدوستكي الحمداني، واستطاع أن يكسب اعتراف كل من البويهيين والعباسيين والفاطميين بإمارته وحكمه. كما استطاع أن يخمد الاضطرابات الداخلية بأن ساوى بين كل الفئات الدينية والعرقية في المعاملة أمام الدولة، واحتوى المشكلات قبل أن تطرأ، وواجهته منافسة أخيه أحمد له فاعتقله بإحدى القلاع.

واستمر حكمه 15 عامًا في استقرار وهدوء، ولكن نقطة ضعفه كانت وزيره «شيروة» الذي كان فاسدًا مكروهًا، وكان لهذا الوزير معاون يبغضه ممهد الدولة ولا يبقي عليه إلا إرضاءً لوزيره، هذا الرجل كان يدعى ابن فليوس. وكان يبغض بدوره ممهد الدولة فسعى لإقناع شيروة بالتخلص منه والاستيلاء على الحكم.

وبالفعل، في ربيع 1011م، دبر الاثنان مؤامرة لاغتيال الأمير، فقتلاه واعتقلا بني عمه واستوليا على العاصمة وأعلن شيروة سقوط دولة الدوستكيين، إلا أنهما فشلا في اعتقال أحمد أخو ممهد الدولة – وكان بعض الموالين لهذا الأخير والمغبضون لشيروة ومعاونه قد حرروه من محبسه- وبايعته العشائر والعائلات الكردية أميرًا على الدولة ليحمل لقب «نصر الدولة»، وتوجهوا جميعًا مع جيش كبير إلى ميافارقين حيث استردوها من شيروة وقتلوه هو وابن فلياس.

سار أبو النصر أحمد على سيرة أسلافه؛ فابتعد بالدولة عن صراعات الدول المحيطة، وتقارب معها جميعًا، حتى أنه في العام 1013م استقبل في يوم واحد وفودًا من كل من بيزنطة والدولتين العباسية والفاطمية لتقوية العلاقات، خاصة التجارية. حكم أبو نصر لمدة 52 عامًا، تخللتها أحداث درامية كنشوب الحرب مع بيزنطة حول ملكية مدينة الرها سنة 1025م، ثم قيامه بالاستيلاء على مدينة السويداء سنة 1036م، ثم أخيرًا عادت الأوضاع للاستقرار بين الدولتين سنة 1038م.

كما تعرضت الدولة لغزوات بعض قبائل الغز التركية التابعة للسلاجقة سنة 1042م، فشكاهم أبو نصر للسطان السلجوقي طغرلبك الذي استجاب له ووعده بسحبهم من بلاده. كما فقد الأمير ابنه سليمان خلال بعض الحروب الداخلية بين عشائر الأكراد، واستغلال بعض أعدائه ذلك في استقطاب بعض العشائر الكردية ضده للتوسع على حسابه، وأخيرًا توفي هو سنة 1061م ليخلفه ابنه نظام الدين نصر.


صراع أسري وتدخلات خارجية

بعد عامين من تولي نظام الدين الحكم انشق عنه أخوه سعيد وتوجه إلى أصفهان مستنجدًا بالسلطان السلجوقي ألب أرسلان – الذي تولى الحكم بعد وفاة عمه طغرلبك- وطلب منه مساعدته على الاستيلاء على الحكم مقابل الولاء له. فتحرك السلاجقة – الذين كانوا قد تدخلوا من قبل في خلاف سابق بين الأخوين- وبلغ ديار بكر وأرسل وزيره نظام الملك إلى الأمير نظام الدين الذي استدرجه الوزير لمعسكر السلطان الذي قرر- في حركة تهديدية- اعتقاله وخلعه ثم عدل عن قراره ورده للحكم شريطة حل الخلاف بين الأخوين بمنح سعيد حكم مدينة ديار بكر.

من هذه الواقعة تكررت التحرشات السلجوقية بالإمارة الدوستكية، حتى قام ألب أرسلان بإرسال حملة لغزوها سنة 1066م، وقامت الحملة بنهب ضواحي العاصمة، ثم وافق على الانسحاب بعد حصوله على ثلاثمئة ألف دينار وقبضه على ثلاثة من إخوة نظام الدين لاتخاذهم رهائن. ولكن نظام الدين قام باعتقال قائد قوات السلاجقة الذين انتقموا بقتل اثنين من الرهائن وتعذيب الثالث؛ فسارع نظام الدين بمهاجمة معسكر السلاجقة وأجبرهم على الهرب. وبعد وفاة نظام الدين سنة 1080م، اعتلى ابنه ناصر الدولة منصور الحكم، وكان السلطان ملكشاه قد اعتلى عرش السلاجقة وراودته المطامع في إسقاط دولة الدوستكيين والاستيلاء على كردستان الوسطى، واستعان في ذلك بـ«ابن جهير» – أحد الوزراء السابقين للدوستكيين-، وأرسله على رأس جيش للاستيلاء على إمارة الأكراد، ولكن ناصر الدولة تصدى له فأرسل ملكشاه إمدادات لحملته، وتواجه الطرفان، السلجوقي من جانب والكردي متحالفًا مع بعض العرب من جانب آخر، واستطاع السلاجقة إيقاع الهزيمة بالحليفين ولكن ملكشاه اضطر لسحب قواته؛ لأنه قد بلغته أنباء تمرد أخيه «تكش» عليه في خراسان، ولكن قبل انسحابه عمل على الوقيعة بين الأكراد والعرب فاستقطب شرف الدولة بن عقيل زعيم بني عقيل حلفاء الدوستكيين وضمه لصفه، بينما هو ينتوي الاستيلاء على بلاده مع بلاد الكرد.

وفي العام 1086م، كرر السلطان السلجوقي حملته على الإمارة الدوستكية، وهذه المرة استطاع أن يستولي عليها حتى العاصمة ميافارقين، وحاول مفاوضة ناصر الدولة على أن يتقاسما البلاد ولكن هذا الأخير رفض وقرر المقاومة وتوجه لقرية «حربي» بين بغداد وتكريت متحيّنًا الفرصة لاسترداد بلاده.

وبالفعل حانت الفرصة بوفاة ملكشاه سنة 1092م، ووقوع النزاع بين ورثته على الحكم، فتوجه ناصر الدولة بأنصاره وأعوانه واستطاع استرداد مدنه ودخل العاصمة ميافارقين سنة 1093م، معيدًا الدولة الدوستكية للحياة، كما أعاد التحالف مع شرف الدولة بن عقيل زعيم عرب المنطقة.


السقوط الأخير

إثر الانشقاق الأسرى داخل الأسرة الحاكمة، تولدت أطماع السلاجقة في الإمارة وتمكنوا من الاستيلاء عليها بعد سنوات، قبل أن يستعيدها منهم ناصر الدولة في عام 1093م..

بعد وفاة السلطان السلجوقي ملكشاه، دب النزاع بين أخيه تتش وابنه بركياروق، وتحرك تتش عسكريًا يجتاح شرقًا حتى استولى على الرقة وحرّان وغيرها من المدن.

ثم وقعت المواجهة الأخيرة بين تتش من جانب وكل من الدوستكيين والعقيليين من جانب آخر في منطقة من محيط الموصل تدعى “المضيع”، وهناك تلقى الحليفان شرف الدولة وناصر الدولة هزيمة ساحقة من السلاجقة الذين اجتاحوا بلادهما واستولوا على ميافارقين سنة 1093م، واضعين نهاية لتلك الدولة الدوستكية الكردية التي انضوى أهلها تحت الحكم السلجوقي، خاصة بعد وفاة ناصر الدولة سنة 1096م.

بهذا تكون تلك الصفحة من تاريخ الأكراد – والتي امتدت لأكثر من قرن من الزمان- قد انطوت، وللأسف فإن قليلًا من الكتابات اعتنت بتدوينها وعرضها بشكلٍ وافٍ، رغم ما كان لها من أثر ومشاركة في الأحداث الهامة بتلك المنطقة من المنطقة الحساسة من العالم.

المراجع
  1. تاريخ الأكراد: د.محمد سهيل طقوش
  2. الكامل في التاريخ: ابن الأثير
  3. أطلس تاريخ الإسلام: د.حسين مؤنس