قبل أسابيع قليلة أعلنت أسماء الفائزين بجائزة ساويرس الثقافية في فروعها الخمسة لعام 2018. وفي فرع الرواية، فئة كبار الكتاب، فازت بالجائزة رواية «المولودة» للكاتبة/المخرجة نادية كامل (مناصفة مع الكاتبة سحر الموجي عن رواية «مسك التل»). و«المولودة» رواية تسجيلية، حسب تصنيف المؤلفة، أودعتها السيرة الذاتية لوالدتها، نائلة كامل، بنت الحركة الشيوعية والناشطة والمناضلة والصحافية المدافعة عن الملف النسوي.

وقد جدد فوز الرواية المكتوبة بالعامية المصرية معارك الفصحى والعامية المأثورة في الأوساط الأدبية والثقافية المصرية التي تشغل مساحة تاريخية ومعاصرة في بعض الأوساط الثقافية العربية أيضًا، وتظهر بصيغ متباينة الحدة مع اختلاف المزاج الثقافي. ورغم أن جائزة «المولودة» أكثر ارتباطًا بالجدل حول كتابة الأدب بالعامية، أو حول مساحة الإبداع الممكنة للعامية، فقد استخدم البعض للدفاع عن الرواية دعوى اللغة المصرية الحديثة، أي أن العامية المصرية في حقيقتها لغة مستقلة لا لهجة دارجة.

من أشهر التجليات الأخيرة لدعوى العامية، إصدار دار الكتب خان المصرية المتميزة، عام 2016، الترجمة المصرية لـ«رسالة الغفران»، النص التراثي البديع للشاعر والأديب العباسي أبي العلاء المعري (937-1057). فلم يكن ذلك العمل تبسيطًا أو تقريبًا للنص الأصلي؛ بل ترجمة إلى اللغة المصرية وفق متن الكتاب المنشور و تصريح المترجمة. وتنشر بين حين وآخر مؤلفات لإثبات كون العامية المصرية لغة لا لهجة، ما بين رصد للمفردات العامية غير العربية، خاصة ذات الأصول القبطية، وتسجيل لاختلاف بعض التراكيب عن النحو التقليدي، وغير ذلك.


ما كل ما يتمنى المرء يدركه

في الواقع، تفتقر معظم المنازعات حول تلك القضية إلى الموضوعية والصدق سواء مع النفس والمتلقي، لأن «اللهجة ضرب من التنوع اللغوي، مستخدم في جزء من بلد (اللهجة الإقليمية)، أو بين أشخاص ينتمون إلى طبقة اجتماعية معينة (اللهجة الاجتماعية)، تختلف في بعض الكلمات، و/أو القواعد، و/أو النطق، عن صور أخرى للغة نفسها»[1]. بمعنى أن الاختلاف الجزئي في بعض – وأحيانًا جميع – الخصائص اللغوية أمر معتاد في اللهجات، لا يكفي بمفرده لاعتبار إحداها لغة مستقلة.

للتوضيح، يمكن الاستعانة بمفهوم «الفهم المتبادل» (Mutual intelligibility). إذا تحدث شخصان معًا، يعبر ذلك المصطلح عن قدرة كل منهما على فهم الآخر دون بذل جهد خاص. ومواطن جزيرة كورسيكا الفرنسية يتمتع بمستوى متميز من الفهم المتبادل مع فئة واسعة من الإيطاليين، ومثله التشيكي مع السلوفاكي، وكذا كثير من التقاطعات بين سكان الدول الإسكندنافية؛ لكن كلها لغات منفصلة. بينما يكاد الفهم المتبادل أن ينعدم بين بعض متحدثي الألمانية من السويسريين ومتحدثي الألمانية من النمساويين، وتظل جميعها لهجات تندرج تحت مظلة اللغة الألمانية.


كيف ولدت اللغة المصرية الحديثة؟

اللغة لهجة تملك جيشًا وأسطولًا بحريًا.
ماكس فاينريش (1894-1969)، عالم لسانيات روسي

لويس جان كالفي (1942-اليوم)، عالم لسانيات فرنسي

في القرن العشرين، برز تيار من المفكرين القوميين المصريين، تغمرهم روح شعوبية نافرة من أي انتماء عربي، في ردة فعل على التردي الحضاري للشرق والانبهار بالغرب، من روادهم سلامة موسى (1887-1958) الذي كتب عام 1928 في مقدمة كتابه «اليوم والغد»: «فإني كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له وشعوري بأنه غريب عني، وكلما زادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها»[2]. فكان يرى أن المصري أرقى من أن يكون شرقيًا؛ فرغم أن الدم الشرقي «للأسف قد تسرب» إلينا بما فتحه العرب من أقطار آسيوية، «بقينا أوروبيين في تقاسيم وجوهنا ونزعات نفوسنا»[3].

دعا سلامة موسى إلى نبذ اللغة الفصحى الميتة التي تبعثر وطنيتنا المصرية وتجعلها شائعة في القومية العربية، ولا تخدم الأدب المصري ولا تنهض به. مؤيدًا في ذلك السير وليم ولكوكس (1852-1932)، مهندس البناء البريطاني مصمّم سد أسوان، في «الهم الكبير الذي يشغل باله ويقلقه» بخصوص «هذه اللغة التي نكتبها ولا نتكلمها»، إذ رأى «أن نهجرها ونعود إلى لغتنا العامية، فنؤلف فيها وندوّن بها آدابنا وعلومنا»[4]. وهي دعوة سبقهما إليها فريق من المصريين المستغربين والإفرنج المستشرقين، مثل قاسم أمين (1863-1908) والألماني فلهلم سبيتا (1853-1883)، أمين دار الكتب المصرية.

بلغت محاولات التملص من المكوّن العربي في الهوية المصرية، والرغبة في الانقطاع عن الفصحى والتراث العربي، تأسيًا بالانقلاب اللغوي الذي قاده مصطفى كمال أتاتورك وحاز ثناء هذا القطاع، أن برزت دعوة إلى استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية في الكتابة، وقد حظيت بتأييد سلامة موسى الذي عدها «وثبة إلى المستقبل»[5]، «قد تضمنا إلى مجموعة الأمم المتمدنة»[6]؛ لكن يعد ممثلها الأشهر في مصر هو رجل السياسة والقضاء عبد العزيز فهمي (1870-1951) صاحب كتاب «الحروف اللاتينية لكتابة العربية» المنشور عام 1944، رغم أنه لم يكن من السابقين إلى الدعوة، مقارنة على سبيل المثال بسلدن ولمور، القاضي الإنجليزي بمحكمة الاستئناف بالقاهرة، الذي ضمنها كتابه «لغة القاهرة» المنشور عام 1902.


متى ترعرع في وادينا العربي هذا القدر من اللغات؟

بغض النظر عن الدعوات إلى استبدال العربية بلغة أجنبية تمامًا، نجد أن حال كثير من الأقاليم العربية لم يختلف كثيرًا عن الحال في مصر، إذ نشبت في لبنان الدعوة إلى القومية الفينيقية، وكان من أعلامها الشاعر اللبناني سعيد عقل (1912-2014) الذي رأى في العامية اللبنانية جوهر الهوية اللبنانية باعتبارها لغة مستقلة وصورة متطورة من الفينيقية، لا لهجة عربية دارجة[7].

طمح عقل ورفاقه كذلك إلى لغة لبنانية قوامها الحروف اللاتينية[8]، مثلما طمح داوود الجلبي الموصلي (1879–1960) الطبيب والمؤرخ العراقي إليها في العراق من قبل. كل ذلك بالتوازي مع دعوات أقل حدة من قبيل اكتفاء الشاعر جميل صدقي الزهاوي (1863-1936) بالدعوة إلى العامية العراقية[9].

في عالم اليوم، تشهد المغرب في السنوات الأخيرة اشتباكًا مشابهًا حول تصنيف المغربية الدارجة، ما بين لهجة عربية ولغة مغربية. حيث اختار المفكر والأديب المغربي عبد الله العروي موقعه بين المدافعين عن الفصحى،وقال في ذلك السياق: «أرى أن العامية المغربية لا تستطيع أن تكون لغة الثقافة الرفيعة ومتقدمة في مستوى اللغات الأجنبية».

مما يذكرنا برد الأديب المصري بهاء طاهر على سؤال مشابه، إذ قال: «أنا ضد الكتابة العامية، وأرى أنها ليست في مصلحة الكاتب والأدب»، متسائلاً: «ما الذي تقدمه العامية وتعجز الفصحى عن تقديمه؟» ثم تطرق إلى ما تسمح به الفصحى من انتشار لا تقاربه العامية بأية حال، ضاربًا المثل بدور الفصحى في انتشار نجيب محفوظ.


تبريرات وإشكالات

الحق أن أديب نوبل المصري يمثل ردًا حاسمًا على ادعاءات أستاذه سلامة موسى بخصوص موت الفصحى وعجزها عن تأدية أغراضنا الأدبية[10]، فقد قطف مع جيله ثمار تجديد الفصحى وتهذيبها التي لعبت فيه الصحافة دورًا هامًا؛ لأن المجتمع إذا تغير «وجب أن تتغير البلاغة. ومجتمع القرن العشرين يحتاج إلى بلاغة القرن العشرين، بلاغة العلم والاجتماع الجديدين لا بلاغة العباسيين ولا بلاغة الأمويين»[11]، ولا يعرف أحد لغة عاشت كما هي منذ الأزل[12]، مثلما قال سلامة موسى صادقًا.

علاوة على ذلك شارك نجيب محفوظ بنفسه في ذلك التطوير، وخلق لغته البليغة المستطابة محليًا وإقليميًا في الوقت ذاته، التي بلغته العالمية أيضًا،وهو الذي يرى «العامية من جملة الأعراض التي يعاني منها الشعب والتي سيتخلص منها حتمًا عندما يرتقي»، وأنها عيب في المجتمع «مثل الجهل والفقر والمرض تماما».

وذلك قريب من موقف طه حسين، عميد الأدب العربي ونصير القومية القطرية/الفرعونية، الصارم من العامية؛ لأنه لم يستطع تصور التفريط، ولو بدرجة بسيطة، في هذا التراث العظيم الذي حفظته لنا اللغة العربية الفصحى؛ ولأنه لم يؤمن قط ولن يستطيع أن يؤمن بأن للغة العامية من الخصائص والمميزات ما يجعلها خليقة بأن تسمى لغة[13]، وقد كتب في «الأهرام» المصرية: «إن الذين يكتبون بالعامية لا يفعلون ذلك إلا لأنهم يجهلون اللغة الفصحى، ولو تعلموها وأحسنوا دراستها لما تحولوا عنها إلى العامية»[14].

وخاطر الجهل بالفصحى بالفعل مما يطرأ على الذهن عند قراءة بعض تبريرات سلامة موسى الحماسية والمغترّة في آن واحد. مثل قوله في مديح لغة الإنجليز في مقابل العربية: «إنهم يفرقون بين نوعين من الحب باستعمالهم كلمتي love وlike، على حين لا نجد في لغتنا غير كلمة «أحب» نطلقها على الحب البيولوجي وحب الملوخية، نطلقها عليها جميعًا لأننا كالمتوحش حين يسمي ما زاد على العشرة: كثير»[15]، وذلك جهل وافتراء واضح لا يصمد أمام أبسط مناقشة، حتى يمكن رده بكتابات فصلت في مراتب العشق وحالات المحبين قبل نحو ألف عام، مثل «طوق الحمامة في الألفة والآلاف» للأديب والفقيه الأندلسي ابن حزم الظاهري (994-1064) ، و«الزهرة» للشاعر والفقيه أبو بكر محمد ابن داود الظاهري (868-909)؛ بل ذلك التبرير في حقيقته باب انتقاد لدعوة سلامة موسى.

بغض النظر عن البون الشاسع بين التفصيلات البلاغية المبهرة في الفصحى واعتباطية التعبير في العامية، قضية البلاغة ذاتها من أخطر الانتقادات على دعوى العامية. فلما كانت البلاغة في تعريفها الأشهر: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، أي مسألة معيارية دقيقة، كان مقتضاها وضع معجم للعامية (لهجة الطبقة الوسطى القاهرية غالبًا) لا للرصد فقط بل للتحاكم، ومن ثم التدريس، ما سينقلنا إلى أزمة النسبية الهائلة في دلالات مفردات العامية عند متحدثيها، وتعدد العاميات ذاتها.

بمنطق أعداء الفصحى، سيسقط ذلك شرائح واسعة في «الازدواجية اللغوية» (Diglossia) ما بين لهجة للدراسة والأدب ولهجة للمعاش اليومي. وهو من ناحية أخرى إنتاج جديد لـ«لهجة مرموقة» (prestige dialect)، تفرض وصايتها وهيمنتها على سائر اللهجات وتضيق هامش الإبداع. وكل ذلك مما يحذر أنصار العامية منه أشد التحذير، ويبشرون بالخلاص منه، رغم حتميته وحضوره الواضح في جميع المجتمعات.


دعوة إلى المسؤولية

ليست اللهجة إلا لغة مهزومة، بينما اللغة لهجة منتصرة سياسيًا.

من السخف الجدال في الخسارة العلمية التي سيجرها أمر كاعتماد العامية لغة مستقلة في مصر أو المغرب أو غيرهما، حتى بغض النظر عن انعدام عقلانية وعملية المقترح، أيًا كان قدر التأخر الثقافي والعلمي والحضاري للعرب، حيث يظل الأمر في النهاية اختيارًا ما بين قيمة متوسطة أو منخفضة أو أيًا كانت، وبين صفر أو كسر عشري ضئيل؛ بل في مثل ذلك الجدال والمحاججة طفولة فكرية ومكايدة أكثر من الموضوعية وصدق القضية.

فبالنظر إلى سيولة الضوابط اللسانية الأكاديمية، والظرف الحضاري والنفسي الذي أنتج تلك الدعوات الشعوبية الانهزامية في الأقطار العربية (المستعربة) ذات التجارب الحضارية الأقدم، وموقف رواد تلك الدعوات من الثقافة العربية مع هيمنة المكون الديني عليها، يتضح وزن الحمولات الأيديولوجية في تلك الدعاوى حتى تكاد الدعوة إلى استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية في الكتابة أن تكون أكثر مباشرة واتساقًا مع الذات، وإن ظلت أكثر سخافة وسطحية وكارثية.

جدير بالذكر أن الأعلام المذكورين بالمقال (طه حسين، نجيب محفوظ، عبد الله العروي، بهاء طاهر) هم من أصحاب الاتجاهات الوطنية والليبرالية، وقد آثرنا عدم التطرق إلى أي من ردود التيارات الأكثر محافظة أو عروبية، فليس الهدف ذكر ردود من الأساس إلا ما يبين ذاتية المبررات، ولا الهدف مناصرة تيارات نشرت ردودها وما زالت حتى اليوم، أو سردًا تأريخيًا؛ إنما دعوة إلى التخفف من المكايدات الثقافية والمعارك الوهمية، ودعوة إلى التحلي بمزيد من المسؤولية تجاه مجتمعات يربطها ماضٍ طويل وقدر كبير من الثقافة المشتركة، يشكل نسيجها الواسع فرصًا ثرية للتعارف والتآلف، يرجع الفضل الأول فيها إلى اللغة العربية.

يتضح ذلك في إحدى ملاحظات سلامة موسى خلال رحلته إلى المغرب التي دوّنها عام 1909 في سلسلة من مقالاته بمجلة المقتطف[16]:

كانت لغة المغاربة عربية بالطبع، ولكنها تنطق بلهجة تغاير لهجتنا في مصر حتى كنت أوثر التحدث بالفرنسية. فإذا لم يفهمها محدثي ألقيت عليه السؤال باللغة العربية الفصحى. وكان بعد أن يتأملني في دهشة، يجيب بفهم على سؤالي.
المراجع
  1. Richards, Jack C., and Richard Schmidt. Longman Dictionary of Language Teaching and Applied Linguistics. Essex, England: Longman, 2010
  2. سلامة موسى، اليوم والغد، القاهرة، سلامة موسى للنشر والتوزيع، 1928، ص5
  3. سلامة موسى، اليوم والغد، القاهرة، سلامة موسى للنشر والتوزيع، 1928، ص180-181
  4. سلامة موسى، اليوم والغد، القاهرة، سلامة موسى للنشر والتوزيع، 1928، ص73-74
  5. سلامة موسى، البلاغة العصرية واللغة العربية، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012، ص117
  6. سلامة موسى، البلاغة العصرية واللغة العربية، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012، ص99
  7. رمزي منير بعلبكي، اللغة والهوية في الوطن العربي : إشكاليات تاريخية و ثقافية سياسية، الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013
  8. Asher Kaufman, Reviving Phoenicia: The Search for Identity in Lebanon, New York, I.B. Tauris, 2014, p. 182.
  9. ميمونة عوني، الدرس اللغوي في النصف الأول في القرن العشرين، عمان، دار غيداء للنشر والتوزيع، 2015.
  10. سلامة موسى، اليوم والغد، القاهرة، سلامة موسى للنشر والتوزيع، 1928، ص72
  11. سلامة موسى، تربية سلامة موسى، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014، ص79
  12. سلامة موسى، اليوم والغد، القاهرة، سلامة موسى للنشر والتوزيع، 1928، ص77
  13. طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014، ص193
  14. جمال الدين الألوسي، طه حسين بين أنصاره وخصومه، بغداد، مطبعة الإرشاد، 1973، ص320
  15. سلامة موسى، البلاغة العصرية واللغة العربية، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012، ص57
  16. سلامة موسى، تربية سلامة موسى، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014، ص63