اللاهوت هو علم العقيدة المسيحية الذي يبحث في الإلهيات وما يتعلق بها من أمور غيبية مثل طبيعة الإله، والقدر، والإيمان، والحساب… بطريقة منهجية–فلسفية مُنظمة بهدف الدفاع عن تلك العقائد دفاعًا منهجيًا.

وقد مر اللاهوت المسيحي تاريخيًا بمرحلتين أساسيتين:

1. اللاهوت بصفته حكمة: أي تأمل الإنجيل باطنيًا بغرض النمو الروحي، وذلك في سياق تعبدي (رهبني) مُنعزل بقدر الإمكان عن الانشغالات الدنيوية. 

2. اللاهوت بصفته معرفة عقلية: فمنذ بداية القرن الثاني عشر بدأ فصل الروحاني عن اللاهوتي، ومُعالجة مسائل الاعتقاد في إطار فلسفي متأثر بالفلسفات الأرسطية والأفلاطونية الجديدة. في محاولة لجمع الإيمان بالعقل، انقلبت منذ القرن الرابع عشر إلى مُجرد الدفاع عن/تفسير العقائد المُعلنَة بواسطة الكنيسة، والتأكد من صحة الإيمان لدى منتسبيها، بالإضافة لنبذ ومُهاجمة العقائد المُخالفة، وانتهت بمحاكم التفتيش الكاثوليكية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، مرورًا بعد ذلك بمحاولات تبرير الاستعمار الأوروبي للقارة الأمريكية، ولشعوب العالم الأخرى التي سُميت فيما بعد بـ«العالم الثالث»[1].

أما في ستينيات القرن العشرين، فقد برز تيار لاهوتي جديد بين مجموعة من أساقفة أمريكا الجنوبية الكاثوليك، أطُلق عليه فيما بعد اسم «لاهوت التحرير». وقد تمتع بهوية اجتماعية لا لبس فيها، حيث جاء مُعبرًا عن تنويعة من التوجهات الاجتماعية والسياسية المُرتبطة بقضايا القارة الأمريكية: الاستعمار، والفقر، والاضطهاد السياسي. وقد كشف التيار عن نفسه خلال المؤتمر الأسقفي اللاتيني بمدينة ميديلين الكولومبية في 1968.

سعى لاهوتيو التحرير إلى تقديم قراءة للإيمان المسيحي تنطلق من مركزية الحب بصفته وسيلة وغاية الملكوت الإلهي، ومن ثم أعلنوا التناقض بين ذلك الحب المنشود وبين الفقر بصفته «عنفًا مؤسسيًا» منظمًا؛ ليس وليد القدر الإلهي مثلما حاول اللاهوت الكنسي القروسطوي (نسبة إلى القرون الوسطى) أن يُثبت دفاعًا عن الإقطاع، وكما حاول من بعده اللاهوت الاستعماري المتمركز أوروبيًا بغرض استغلال خيرات القارة الأمريكية.

يرى لاهوت التحرير أن فقر القارة (أمريكا الجنوبية) الذي تُنتجه وترعاه نخبة ثرية بيضاء، يحط من الكرامة الإنسانية التي أقر بها الإله كاملةً عند تجليه في جسد المسيح، لافتين الانتباه تجاه انحيازات الإنجيل فيما يخص قضية العدالة الاجتماعية.

وقد وصف أحد أهم مؤسسي التيار واللاهوتي البيروفي، غوستافو غوتيريز، لاهوتهم بأنه «انعكاس نقدي على الممارسة»، حيث أولى ممارسوه اهتمامًا للانطلاق من الوقائع والأوضاع الحياتية بالقارة اللاتينية، ومن ثم تمثيلها لاهوتيًا[2]. وكذلك انطلاقًا من «حقيقة أن البؤس والقمع يؤديان إلى الموت الوحشي واللاإنساني، ما يتناقض مع إرادة إله الوحي المسيحي الذي يريدنا أن نعيش»[3].

الإله عدو الفقر

يتمحور الإيمان التحرري حول الثقة النابعة من التزام تجاه الله والجار[4]، فالإيمان إذن هو علاقة بالآخرين أكثر من كونه خضوعًا مُجردًا للإله، حيث يكتشف الإنسان الله بواسطة فعل المحبة، ذلك الفعل الذي يشترط وجود «آخر» (إنسانًا أو حيوانًا أو نباتًا… إلخ) يُوجَه إليه ذلك الحب، ويصير الحب علامة الإيمان الحقيقي وليس العكس.

إن الإله المسيحي كما يشدد التحرريون (بخلاف التقليد الإبراهيمي) هو إله مُتجسد في الإنسان، ما يجعل من المسيحية كما يرى كارل بارث عقيدة مُتمركزة حول الإنسان (anthropocentrism)، ومن هنا يصبح وضع الإنسان في العالم (خَيره المُرتبط بحالة المجتمع) مقياسًا للعقيدة وليس العكس.

هكذا يتحول اللاهوت من بحث الأوضاع الُمفارِقة للطبيعة إلى دراسة وضع ومشكلات الإنسان الاجتماعي في علاقته بالآخرين، تلك العلاقة المُحورية بالنسبة لإيمانه. ونظرًا لأن الفقر (والقمع السلطوي المُرتبط به) يُعَد عاملًا مُحوريًا في إفساد تلك العلاقة، وفي سحق الإنسان معنويًا إلى درجة يفقد معها الإيمان قيمته الجوهرية، إذ يفتقد الإنسان الظروف الملائمة لتنمية مشاعر الحب والتضامن تجاه الآخرين في ظل انشغاله اللاهث بتأمين لقمة عيشه التي يجدها بالكاد تحت حكم مؤسسات سياسية واجتماعية تسيء توزيع الثروة، وتُعيد عبر الاستغلال ونهب الموارد الطبيعية إنتاج ظروف مادية بائسة للملايين الذين تُعيقهم تلك الظروف عن إقامة روابط اجتماعية صحية وعن خلق الالتزام القائم على الثقة تجاه الجار/القريب/الصديق. فالفقر بما يخلقه من انشغال حيواني بتأمين لقمة العيش هو تأييد للغريزة الحيوانية ضد عاطفة الحب الإلهية، ولذلك ينبغي محاربته لأنه ضد الإله ذاته.

هنا يحدد غوستافو غوتيريز ثلاثة مستويات أو أبعاد للتحرر في المسيح (liberation in Christ):

1. التحرر من الأوضاع الاجتماعية للقمع والتهميش التي تُجبر كثيرين على العيش في ظروف مادية تتنافى مع إرادة الله بشأن حياتهم.

2. التحول الشخصي الذي نعيش بواسطته حرية داخلية عميقة في وجه كل نوع من العبودية.

3. التحرر من الخطيئة، الذي يقتلع أعمق جذور العبودية؛ وذلك لأن الخطيئة هي بمثابة خرق للصداقة مع الله ومع البشر الآخرين، وبالتالي لا يمكن القضاء عليها إلا بمحبة الرب التي نتلقاها بالإيمان والتعاضد مع بعضنا البعض.[5]

قبل ذلك بأعوام قليلة، كان تحول النهج الكاثوليكي الرسمي متمثلًا بالفاتيكان يتقدم بسرعة، حيث اتخذ القطع مع الأفكار المدرسية القديمة (المُتمركزة كاثوليكيًا وأوروبيًا) طابعًا أكثر حدة، مُتحوِلًا ناحية فهم «حقائق الوحي» في إطارها الإنساني الذي هو إطار الاجتماعي بالأساس[6].

إطلاق الحقيقة

لُوِحظ هذا التحول أثناء المجمع الفاتيكاني الثاني المُنعقد على امتداد خمس سنوات (1962-1965) الذي جرى خلاله إعلان التأكيد على حقوق الإنسان الأساسية بما في ذلك حرية الضمير الدينية، وعلى أن الحقائق الأساسية ليست حكرًا على الكاثوليكية وإنما يمكن أن تُوجَد أيضًا في ديانات ومذاهب أخرى. وكذلك إصلاح الروحانية الكاثوليكية وسلطتها الكنسية بما في ذلك سلطة الحرمان الكنسي، ما مهّد لمُنظّري التحرير الكاثوليك فيما بعد أن ينحازوا/يتأثروا بالمقاربات الاجتماعية العلمانية (الخاصة بالعلوم الإنسانية وبالمذاهب السياسية المُختلفة؛ اليسارية منها بشكل خاص) بشأن أوضاع الفقر والتفاوت الاقتصادي العالمي.

هذا «الاختيار التفضيلي للفقراء» أُعلن في ستينيات القرن الماضي في أوراق مؤتمر ميديلين (1968)، حيث يُحيل مصطلح «الاختيار» إلى غير الفقراء الذي اختاروا الوقوف في هذا الجانب دون غيره، والذين فسروا الاحتضان المسيحي للفقراء الذي يحكيه الإنجيل عبر صفحاته، من تسليم بالفقر إلى اتخاذه نقطة انطلاق نحو اكتشاف جوهر الإيمان؛ أي المحبة، وذلك عبر التضامن والاتحاد مع المُستغَلين ضد مستغليهم.

فعلى امتداد الإنجيل، رأى هؤلاء أن المسيح قد آثر الفقراء والمُستغَلين، مُفضّلا الانتماء إليهم، والكشف عن الملكوت بينهم، أي ملكوت المحبة المُتضررة موضوعيًا من الاستغلال والمناقضة له وللتمييز وامتهان أصحاب الامتيازات للكرامة الإنسانية، وأن الكتاب المقدس يُظهر، بداية بقصة قابيل وهابيل، الميل الإلهي للضعفاء والمُعتدى عليهم على مر التاريخ البشري، والذي لا ينبع في وجهة نظر التحرريين من أفضلية الفقراء أخلاقيًا أو دينيًا على غيرهم، ولكن لأن الرب أراد ذلك بمشيئته، وعلمه المُتفرد بالأمور، أي أن مصدر ذلك الإلزام هو بوجه عام مصدر قبلي (apriori) سابق على الوقائع التقريرية، ويُمكن تأكيده بواسطتها فيما بعد.

يصبح السؤال اللاهوتي المطروح أمام العالم الثالث هو : كيف يُمكن إخبار الفقراء المُجبرين على العيش في ظل أوضاع تُجسد نفيًا للحب أن الله يحبهم؟[7]

وحتى بعد مرور عقدين من الزمن، فقد أكد البابا يوحنا بولس الثاني على المسئولية الاجتماعية للكنيسة (بصفتها خادمة وليست سلطة)[8]:

هنا أود أن أشير إلى أحد هذه الخيارات، وهو اختيار أو حب الأفضلية للفقراء. وهذا خيار أو شكل خاص من الأسبقية في ممارسه الخيرية المسيحية التي يشهد عليها تقليد الكنيسة بأكمله. إنه يؤثر على حياة كل مسيحي بقدر ما يسعى إلى محاكاة حياة المسيح، ولكنه ينطبق بالتساوي على مسؤولياتنا الاجتماعية، وبالتالي على طريقتنا في العيش، وعلى القرارات المنطقية التي ستتُخذ بشان ملكية السلع واستخدامها.

لكن لا يعني ذلك أن لاهوت التحرير مثّل في مجمله مجرد تطوير أو علمنة الجانب الاجتماعي في اللاهوت الكاثوليكي الروماني، فقد مثّل لاهوت التحرير بالأساس تحررًا من المركزية الأوروبية؛ تلك المركزية التي سادت اللاهوت اللاتيني منذ استعمار القارة الأمريكية، حيث نُقِل اللاهوت الأوروبي مفصولًا عن سياقه الثقافي (الاستعماري) الذي خدم بالضرورة مصالح الاستعماريين الأوروبين بداية من اعتبار الاستعمار ذاته مهمة مسيحية مُقدسة، وتأصيل النظرة العنصرية تجاه شعوب القارة «الوثنية»، ما ساهم في تبرير الإبادة والاستغلال الطبقي.

في المقابل، يُعيد لاهوت التحرير إبداع التراث التقدمي لدى مُناهضي الاستعمار الأوائل من أمثال الراهب الإسباني بارتولومي دي لاس كاساس، الذي عارض في فترة مُبكرة من عمر الاستعمار الإسباني المُمارسات الهمجية التي مارسها المُستعمِرون ضد السكان الأصليين.

وعلى ذكر مفهوم «التقدمية»، تجدر ملاحظة أن لاهوت التحرير ليس حركة «تنوير» قائمة ضد الدين المسيحي على شاكلة التنوير الفرنسي بالقرن الثامن عشر، وإنما هو استجابة دينية بالأساس، أصدرها مجموعة من رجال الدين المُنفتحين على تطورات الحياة والحضارة الإنسانية، والتطورات التي لحقت بحياة شعوبهم، وهكذا يستجيب لاهوت التحرير للتحديات التي فرضتها: الثورة الصناعية، والاستعمار، والحداثة، والرأسمالية، والتفاوت الاقصادي العالمي بين الشمال والجنوب ..إلخ؛ تلك التحديات التي تواجه الجميع مؤمنين وغير مؤمنين على السواء كما يؤكد غوستافو غوتيريز.

يؤكد غوتيريز أيضًا على أن لاهوت التحرير مُوجه لجميع «المُضطهَدين والطبقات الاجتماعية المُستغلَة، والأعراق المُزدراة، والثقافات المُهمشة»، لكنهم رغم ذلك يُحددون تلك الرؤية الدينية بإطارها الإنساني، والذي نجح خلاله اللاهوتيون التحرريون اللاتينيون إلى جانب العديد من اللاهوتيين المسيحيين الآخرين (بما فيهم لاهوتيي الفاتيكان) في مد عملية «أنسنة» (humanization) الديانة المسيحية التي على استقامتها، وذلك بأن طوروا الجانب الاجتماعي من تلك العملية بحيث يتفق مع حاجات البشر (مسيحيين وغير مسيحيين) في حياة «طيبة، وخيّرة» غنية بتلك المضامين الإلهية، حيث الإله واهب الحياة الذي يُمثّل الخير بالمقام الأول، يتمتعون خلالها بثقة ومحبة جيرانهم وزملائهم المُتبادلة، وباطمئنان مادي لا غنى عنه للإنسان.

ربما نجح هؤلاء اللاهوتيون في فهم المقصد الحقيقي من وراء عبارة المسيح التي تقول: «ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان»، وأكملوها بلسان حال يقول: «لا حياة إنسانية مُمكنة دون خبز»، مُرددين مع الأسقف السلفادوري أوسكار روميرو الذي اغتالته آلة القتل الديكتاتورية الحكومية قوله: «الكنيسة التي لا تتحد بالفقراء وانطلاقًا منهم، ولا ترفض الظلم المرتكب بحقهم ليست الكنيسة الحقيقية ليسوع المسيح»، وكذلك مع المسيح، قوله:

روح الرب عليّ، لأنه مَسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي منكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعُمي بالبصر، وأُرسل المنسحقين في الحرية.
(لوقا 4: 18)

المراجع
  1. Gutierrez, Gustavo. A Theology of Liberation: History, Politics, and Salvation. Orbis Books, 1973. P:44.45
  2. Liberation Theology and Its Critics: Toward an Assessment by Arthur F. McGovern, p 8
  3. Gutierrez, Gustavo,1973. P: 16
  4. Ibid, 46
  5. Ibid, 32
  6. Ibid,47
  7. Ibid, 28
  8. Sollicitudo Rei Socialis by john Paul ii, 42