عندما ينتهي عالم الفلك الفيزيائي من تأمل نجومه على بعد ملايين السنوات الضوئية، وينتهي الجيولوجي من تصنيف حفرياته وترتيباته – على نحو جيد بعض الشيء- تبعًا لملايين القرون المنصرمة، فإنهما يعودان إلى منزليهما حيث تنتظرهما زوجة -أو زوج- ووجبة طيبة، وفراش وثير بعض الشيء، وطموحات مهنية، أمراض روماتيزمية وضرائب، ولربما آمال عريضة أيضًا، والفكرة التي يتصوران نفسيهما بها.
«جون دورمسون» – رواية «لا شيء تقريبًا عن كل شيء تقريبًا»

فلنفرض أنك تقطن في مدينةٍ ما ذاهبًا في رحلة عمل إلى مدينة أخرى؛ ولتكن وجهتك القاهرة. عندما تبدأ خط الرحلة من منزلك؛ تبدأ في رسم خريطة للأماكن التي ستزورها، وسائل المواصلات التي ستستقلها، الشوارع والطرقات والمعالم البارزة المميزة للمكان الذي بصدد الوصول إليه.

عملية رسم الخرائط هذه، وتذكر الأماكن؛ المسئوول عنها خلايا عصبية تعرف بـ «خلايا الشبكة – grid cells». تقوم هذه الخلايا بآلية تحديد المواقع داخل الدماغ البشري. اكتشفت هذه الآلية عام 2005 من قِبل بروفيسورة الأعصاب والطبيبة النرويجية «ماي بريت موزر – May-Britt Moser»، واثنين آخرين هما زوجها «إدوارد موزر – Edvard Moser، وجون أوكييف – John O’Keefe». على إثر ذلك، مُنحت هي وفريقها جائزة نوبل في الطب عام 2014.

حسنًا، حين نتحدث عن العلماء، دائمًا ما تتصدر ابتكاراتهم واختراعاتهم المشهد كما في الفقرة السابقة. قليلون فقط من يتحدثون عن حياتهم بعيدًا عن المعامل والمكاتب. لكن بطبيعة الحال لكل عالِم – كحال أي بشري بسيط- حياة خفيّة أثرت فيه، وخلقت منه ذلك الشخص الذي نراه.

ولعل أبرز الأعمال التي سلطت الضوء على حياة العلماء من نواحٍ أخرى بخلاف حياتهم داخل المعامل؛ هو مسلسل «العبقري – genius» الذي روى قصة حياة «آلبرت آينشتين» أكثر العقول النابغة التي عرفناها. اليوم نتعرف على قصة حياة هذه الطبيبة. على الصورة الأقل وضوحًا من حياتها كطبيبة أعصاب حائزة على جائزة نوبل في الطب!


لقاء مع الحياة

ماي موزر برفقة والدها وطفلتها إيزابيل على شاطئ Mulevika في الجزيرة التي نشأت فيها.

ولدت «ماي بريت موزر» في الـ 4 من يناير/ كانون الثاني عام 1963 في مدينة «فوسنافاغ» الصغيرة الواقعة على جزيرة على الساحل الغربي للنرويج. عائلتها كحال أغلب العائلات، عائلة بسيطة تمتلك مزرعة صغيرة. يعمل الوالد نجارًا، وتتكفل الأم برعاية الأطفال الـ 5 بجانب أعمال المزرعة.

أنهت دراستها في علم النفس في جامعة أوسلو، وحصلت على الدكتوراه في فسيولوجيا الأعصاب من جامعة ادنبره في العام 1995. في وقتٍ سابق، التقت بزوجها في أوسلو، وأكملا معًا في جامعة ادنبره وكلية لندن الجامعية حيث أقاما هناك. بعد ذلك انتقلا معًا إلى الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا في تروندهايم لتبدأ قصة كفاحهما في علوم الأعصاب. يرافقهما في رحلة حياتهما معًا ابنتان أيضًا.

ومن المعروف دائمًا أن نمط المعيشة والتربية، والبيئة المحيطة لهم تأثير كبير على الفرد. وبالنسبة لماي، كان فضولها نحو الأشياء يقودها منذ صغرها. تحديدًا فضولها تجاه حياة الحيوانات. ونظرًا لعدم توفر المال الكثير لمزيد من اللهو أو قضاء العطل الصيفية في أي مكان كعادة الجميع هناك، كانت عطلتها الصيفية تنقضي في اللهو واللعب مع بقية الأطفال خصوصًا الذكور.

كما اتخذ التأمل من حياتها قسطًا كبيرًا. فقضت الكثير من الوقت جالسة تتأمل القواقع وهي تتناول العشب، وتتساءل ما الذي يدفع الحيوان لفعل ذلك؟

وحين تمتلك الأم القليل من الترفيه والثقافة، يسير الأمر في العائلة دائمًا على ما يرام. تأثرت ماي بحكايات والدتها كحال الكثير منا، لكن الفرق هي أنها -ماي- تعودت أن تنظر لأبعاد أخرى من أي رواية أو حدث حولها. فتروي على سبيل المثال، أنها بدأت تفكر في أن تصبح طبيبة، بجانب حبها للحيوانات ومعرفتها الكافية بها، حيث علمها والدها كيفية رعايتها. وكان الدافع الأكبر لها هو عمل والدتها في بيئة دينية وحلمها بأن تصبح طبيبة هي أيضًا.


مفترق طرق

لم تكن ماي من أوائل الطلاب في مدرستها رغم أنها التحقت بالمدرسة مبكرًا، معبّأة بالمعرفة حين أبهرت أساتذتها بحجم ما تعرفه مقارنة بعمرها. عند وصولها للمرحلة الجامعية، وقعت في شباك التخبّط لاختيار المجال الدراسي المناسب كحال كافة الطلاب.

فبين حبها للفيزياء والرياضيات أثناء المرحلة الثانوية، وبين ما يجب أن تقرره قبل بدء المرحلة الجامعية، وبعد اقتراحات كثيرة كدراسة الجيولوجيا أو البيولوجيا؛ وقع اختيارها أخيرًا على دراسة طب الأسنان. لكنها قررت عدم متابعة الدراسة فيها!

وعند التخبط والتّيه، دائمًا ما تُهدينا الحياة أضواء في آخر النفق. وعند بوابة «كارل جوهانز» في الشارع الرئيسي تحديدًا في أوسلو، التقته. كانت تعرفه كشاب ذكي في مدرستها الثانوية. كان «إدوارد موزر – إدفارد بالنرويجية» في زيارة لمدينة أوسلو قبل أن يقرر أخيرًا انتقاله إليها لدراسة علم النفس في الجامعة.

انتظرت قدومه في يناير/ كانون الثاني عند بداية العام الدراسي؛ لتخبره أنها قررت أخيرًا أن تدرس علم النفس برفقته في الجامعة؛ لتتمكن من معرفة المزيد عن الدماغ. أعادها ذلك الاختيار إلى أحلام طفولتها حين كانت تراقب تصرفات القواقع وتتساءل عن أفعالها وتصرفاتها!

أكملا معًا -كصديقين- مسيرتهما الدراسية في نشر الأبحاث في المجلات العملية من داخل وخارج الجامعة بإشراف أساتذتهما، بعد ذلك انتقلا إلى مختبر «تيري ساجفولدن – Terje Sagvolden» حيث درس إدوارد “فرط النشاط في الفئران”.


مختبر أوكييف في لندن

كل منا داخله بركان خامد سينفجر يومًا ما. سينفجر معبّرًا عن الكثير من الأحاديث التي لم نستطع البوح به يومًا ما. وفي حالة أصدقائنا هنا، بعد فترة وجيزة من عملهما معًا في مختبرات الأبحاث والدراسة، وبالقرب من فوهة بركان خامد على جبل كليمنجارو في تنزانيا؛ انفجر بركانهما وأعلنا خطبتهما في العام 1984.

من هنا بدأ فصل جديد متغيّر الملامح والترتيبات؛ لكنه يُكتب ليسطر بداية جديدة في مسيرتهما. قرر الزوجان إنجاب أطفالهما مبكرًا، وبناء مختبرهما الخاص. وحتى قبل البدء في مشروع الدكتوراه الخاص بهما، تم قبولهما معًا في مختبر «أوكييف -O’Keefe» في لندن.

في العام 1970؛ اكتشف أوكييف «خلايا المكان – place cells» في منطقة الحصين في دماغ الفئران. هذه الخلايا تنشط عندما يتواجد الحيوان في مكان ما أمام علامات مميزة مثل حائط أو باب. بعد ذلك تم اكتشاف العديد من الخلايا العصبية التي تنشط فقط في ظروف محددة مثل؛ التوجه والانتقال من مكانٍ لآخر.

وفي العام 1996، تلقى الزوجان موزر عرضًا مفاجئًا من أستاذين في الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا للعمل فيها. كانت طفلتاهما لا تزالان صغيرتين، ولم يكن من السهل الانتقال إلى تروندهايم. برغم ذلك انتقلوا وبدأوا بناء مختبر خاص في قبو صغير، وأنشأوا منشأة حيوانية صغيرة فيه.

بعض بضع سنوات من العمل والمثابرة، أهدتهم المفوضية الأوروبية ومجلس البحوث في النرويج دعمًا ومنحًا كثيرة، وبدأ ذلك المعمل الصغير يؤتي ثماره عامًا بعد عام.


الأم التي ترعى

ماي موزر وعائلتها
ماي موزر وعائلتها
دراسة، أبحاث، دكتوراه، انتقال من مكانٍ لآخر، ومعمل صغير بمنشأة حيوانية صغيرة. ماذا عن العائلة؟
دراسة، أبحاث، دكتوراه، انتقال من مكانٍ لآخر، ومعمل صغير بمنشأة حيوانية صغيرة. ماذا عن العائلة؟

في مجتمعاتنا، تسود فكرة بغيضة حول عمل المرأة. فهي مقدّر لها الاهتمام فقط بالمنزل والعائلة والزوج، وأن تكون الأمومة نصب عينيها دون أي شيء آخر. جميعهم يتحدثون عن ذلك ونسوا أن الأمومة أمر فطري زرع في أنثى كافة الكائنات الحية، لا داعي للتذكير بها! الأمر الجلل هو ما الذي ستفعله الأم بجانب رعايتها لمنزلها وزوجها وأطفالها؟

تذكرون أن الثنائي موزر قد قررا إنجاب أطفالهما مبكرًا. وبالفعل ولدت طفلتهما الأولى «إيزابيل» في يونيو/ تموز عام 1991 بعد أن بدأ الزوجان في بحوث رسالة الدكتوراه خاصتهم، وولدت الأخرى «إيلين» في العام 1995 قبل أن يحصلا حتى على درجة الدكتوراه.

ربما فكرة البحث والدراسة في مجالٍ واحد قد ساهمت في تبسيط وتسهيل عمل الأم والأب نوعًا ما، لكن عائلة موزر الصغيرة كانت تصطحب أطفالها معها إلى المختبر في مكانٍ آمن أمام أعينهما من أول يوم. قُسّم العمل بين الزوجين لرعاية الأطفال حيث كان يقوم إدوارد بالرعاية أيضًا.

أخيرًا، ومن هنا، يجب القول إن أجمل ما قد تهديه لنا الحياة هو الشعور بذاتها. يد تعمل من أجلك بشكلٍ مستقل مثل العمل على شغفك وعلمك وأحلامك، ويد أخرى تعمل من أجل عائلتك الصغيرة. هذه العائلة التي وإن نشأت وكبرت على نمطٍ واعٍ شكّلته أنت، سيراك العالم فيها قبل أن يروهم.