محتوى مترجم
المصدر
Middle East Eye
التاريخ
2017/08/15
الكاتب
كورتني فرير وسلمان الشيخ

باسم الحفاظ على الأمن، سعت المجموعة الرباعية المناهضة لقطر إلى تحجيم السيادة القطرية. ولابد للتوصل إلى المصالحة -وإنقاذ مجلس التعاون الخليجي- من الاعتراف بأن هذه الحاجات (الأمن الخليجي والسيادة القطرية) مستقلة عن بعضها البعض تمامًا.

ضمّت الأزمة الأخيرة ثلاث دول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي (البحرين والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة) إلى جانب مصر، ضد دولة قطر منذ أن بدأت مطلع يونيو/حزيران الماضي. وكان تدخل قطر (المزعوم) في الشئون الداخلية لهذه الدول محركًا رئيسيًا للأزمة، إلى جانب اتهامها بدعم منظمات إرهابية. في حين أن الأزمة أثارت قضايا متنوعة؛ كدعم قطر لإيران، والإخوان المسلمين، وتورطها في ليبيا وسوريا. وفي ظل الدور الأمريكي في الخليج تحت رئاسة ترامب طُرِحَ النقاش القديم حول الحقوق السيادية للدول، والحفاظ على الأمن والاستقرار الدولي والإقليمي، وهذا خيار خاطئ.

سعت الدول المناهضة لقطر، في المقام الأول -باسم الحفاظ على الأمن والاستقرار- إلى تقويض حقها في سيادة دولتها وصياغة سياستها الخارجية المستقلة. ومع الصراع المدبّر بين الأمن من جهة والسيادة من جهة أخرى، يصبح الحل مستبعدًا والنتيجة صفرًا.

ويُعتبر دور مجلس التعاون الخليجي نفسه موضع تساؤل، كما هو تأثير هذا الصراع في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط مثقلة بالأزمات، بدايةً من ليبيا وقطاع غزة والقرن الأفريقي. إن إعادة تأطير القضية بحيث لا يكون الموقفان المتعارضان مع بعضها البعض هما السبيل الأساسي لضمان التوصل إلى مصالحة وتمكين المنظمة الإقليمية على الأقل من البقاء على أي حال.


مطالب أقل بذات الخطاب

في يوليو/تموز الماضي أوضحت الرباعية أنها طالبت قطر بالامتثال لقائمة تحوي 13 مطلبًا، تضمنت إغلاق القاعدة العسكرية التركية الموجودة على أراضيها، وإغلاق قناة الجزيرة، ودفع تعويضات عن الخسائر في الأرواح الناجمة عن السياسات الخارجية القطرية. وعندما رفضت قطر تلك المطالب، وبدا أن الرأي العام الدولي يعارض هذه النوعية من المطالب، خفضت الرباعية شرطها إلى التزام قطر بـ 6 أسس، تم تحديدها في 20 يوليو/تموز.

وتعتبر هذه المبادئ أساسية للأمن الإقليمي، وتشمل الالتزام بمكافحة الإرهاب والتطرف بجميع أشكاله، وحظر أعمال التحريض على الكراهية والعنف، والقبول الكامل باتفاقية الرياض لعام 2013، والالتزام بنتائج القمة العربية الإسلامية الأمريكية المعقودة في الرياض في مايو/آيار 2017، والامتناع عن التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، ودعم الجماعات غير المشروعة، وقبول المسئولية عن التصدي لجميع أشكال التطرف والإرهاب التي تهدد السلم والأمن الدوليين.

ومن الجدير بالذكر أن اللجنة الرباعية قد خفضت مطالبها لرقابة محدودة على العلاقات الخارجية لقطر، لا سيما علاقتها مع إيران؛ والتي تعرضت لإهانة شديدة في قمة الرياض في مايو/آيار. وفي الوقت نفسه، تتضمن المبادئ شرطًا صريحًا لحماية السيادة، حيث مُنعت قطر من التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى. بالتأكيد لن تضيع هذه المفارقة على حُكام قطر: فطالما أن السياسة الخارجية المستقلة القطرية تعتبر تهديدًا للأمن الإقليمي، فإن سيادة الدولة لن تكون مضمونة، ومن ثم تزداد صعوبة التوصل إلى اتفاق.

وقد أشار القطريون إلى رغبتهم في الجلوس والتفاوض، ولكن فقط بعد رفع الحصار الجوي والبري والبحري عنهم. وقد أصبح واضحًا أيضًا أن قطر ستستجيب لمطالب أساسية معينة، لكنها ستجعل هذه الالتزامات أمام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وليس اللجنة الرباعية.

والواقع أنه في يوليو/تموز قامت قطر والولايات المتحدة بالتوقيع على اتفاق لمكافحة الإرهاب يهدف لتسهيل التعاون في مكافحة تمويل الإرهاب، وهي خطوة وصفتها اللجنة بأنها «ليست كافية». فقبل التفاوض مع اللجنة الرباعية، يبدو أن قطر تصرّ على تلقي ضمانات بأن تنتهي التكلفة الإنسانية للحصار، وأن تتخذ هذه الدول تدابير مماثلة وتتعهد بالتزامات لمكافحة الإرهاب.

وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من تخفيض طلبات اللجنة، لم يصبح الخطاب أكثر تصالحية. وادعى السفير الإماراتي لدى روسيا أن قطر أعطت معلومات القاعدة عن مواقع القوات الإماراتية في اليمن، وادعت صحيفة سعودية أيضًا أن قطر قد تعاونت مع إيران لتأجيل إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر في السعودية في مقابل التفاوض على إطلاق سراح الصيادين القطريين في العراق، كما تساءلت صحيفة «الخليج» الإماراتية عن مستوى السيولة في الاحتياطي المالي القطري.

ونشرت سكاي نيوز العربية، المملوكة لشركة في أبوظبي وسكاي نيوز البريطانية، فيلمًا وثائقيًا في يوليو/تموز، تدعي فيه الكشف عن تورط قطري في هجمات 11 سبتمبر/أيلول. ونشرت صحيفة «عكاظ» السعودية ادعاءً بأن شركة «هارودز» القطرية في لندن تقوم بجمع تفاصيل بطاقات الائتمان من المتسوقين من دول الحصار.

وفي الوقت نفسه، وصل الدعم المقدم إلى الشيخ تميم في قطر إلى أوجه، مع بعض الاتهامات بأن القصص التي تنشرها وسائل الإعلام المحلية تقلل من شأن التأثير الفعلي للحصار والإفراط في دعم قطر من الخارج. وفي أزمة تم فيها إبراز دور وسائل الإعلام، ولا سيما قناة الجزيرة، واصلت وسائل الإعلام الخليجية تأجيج الصراع بدلًا من الدبلوماسية؛ ومع الخطاب العام شديد الشراسة، فهم بأي حال ليس لديهم سوى إعداد شعوبهم للمصالحة.


في نظر الجمهور

إن نهج اللجنة الرباعية تجاه الأزمة برمتها -وتصعيدها بفرض حصار جوي وبري وبحري، فضلًا على القيود القانونية على إبداء الدعم لقطر في البحرين والإمارات العربية المتحدة– يختلف كثيرًا عن الدبلوماسية الهادئة المستخدمة لإصلاح الشقاق الخليجي في العام 2014، على الرغم من أنها تتعلق أساسًا بنفس القضايا.

وقتها، قام كلٌ من البحرين والسعودية والإمارات بسحب السفراء لمدة ستة أشهر لمخاوف مشابهة بشأن دعم قطر للمجموعات الإسلامية في الخارج، والتدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى. وبعد أن وافقت قطر على طرد سبعة من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المصرية ومنع بث برنامج الشيخ يوسف القرضاوي ذي الفكر الإخواني على التلفزيون القطري والجزيرة العربية، بدأت المشكلة تنحل، وحققت العلاقات الخليجية تحسنًا كبيرًا خلال عام 2015.

الحالة الشعبية لأزمة 2017 -خاصة بعد تورط وسائل الإعلام لكلا الجانبين- جعلت من الصعب على أي منهما التصالح دون أن يفقد ماء وجهه.

ونظرًا للطبيعة الشعبية جدًا للأزمة، فإن فكرة أن أحدهما إما مؤيد للجنة الرباعية أو ضدها ليست مفيدة، ما يعزز مرة أخرى فكرة أن سيادة قطر أو الأمن الإقليمي يمكن حمايتهما معًا. والواقع أن تغريدات ترامب عن قطر بوصفها راعيًا للإرهاب أذكت التصور بأنه على البلدان أن تختار الاصطفاف مع أحد الجانبين.

ومن جانبها، حافظت حكومة قطر على موقفها بأن «العقاب الجماعي» بالحصار، كما أطلق عليه الشيخ تميم، غير لائق ويجب أن ينتهي قبل التوصل إلى اتفاق. وفي كلمته في 21 يوليو/تموز، قال صراحة: «نحن جاهزون للحوار لإيجاد حلول للمشاكل العالقة في إطار احترام السيادة». وقد رُسمت الخطوط بوضوح بين امتيازات الدفاع عن أمن الخليج والسيادة القطرية، بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر من الحصار.


التحضير للانفصال

فكرة أن أحدًا ما إما مؤيد لرباعي المقاطعة أو معارض له ليست مفيدة على الإطلاق، كما أن فكرة أن سيادة قطر والأمن الإقليمي يمكن حمايتهما معًا دون تعارض

ومع توقف جهود الوساطة الكويتية والأمريكية، من المرجح أن تكون النتيجة إطالة قطع العلاقات أو حتى انفصالًا رسميًا بين دول مجلس التعاون الخليجي الثلاث في اللجنة الرباعية وقطر. والواقع أن كلا الجانبين يبدوان متعجلين بخطط الانفصال. وأشار المسئولون القطريون إلى أنهم لن يكونوا عرضةً مرةً أخرى لنزوات جيرانهم، بل سيضمنون الاكتفاء الذاتي في المجالات الفقيرة كالأمن الغذائي والتجارة.

هناك حاجة ماسة إلى وسيط يقود الحوار والمفاوضات، ولكن يبدو أنه لا يلوح في الأفق. في مطلع يونيو/حزيران عبّر أمير الكويت الشيخ صباح الصباح بمرارة -والذي كان نشطًا في محاولات الوساطة- عن «قلقه الشديد» من «التطورات غير المسبوقة» في الأزمة، مع إصراره على استمرار الالتزام الكويتي برأب الشقاق.

حتى لو أمكن التوصل إلى مصالحة دبلوماسية، فقد حدثت بالفعل أضرار كبيرة، قد تستغرق الكثير من الوقت لترميمها

وحتى لو أمكن التوصل إلى مصالحة دبلوماسية، فقد حدثت بالفعل أضرار كبيرة -ليس فقط من الناحية الاقتصادية أو الدبلوماسية- لكن أيضًا من الناحية النفسية بين الحكام، وتدمير الثقة بينهم. كما أن التورط من جانب الشعوب الخليجية الذين التفوا حول حكامهم قد أكد أيضًا الالتزام بالقومية، ما يجعل إنهاء الصراع أكثر صعوبة.

وفي الخطوة الأخيرة للجنة الرباعية في اتجاه التحدي القطري، وإشارة إلى الرغبة المستمرة في تصعيد الخطاب رغم انخفاض المطالب؛ وصف وزير الخارجية السعودي عادل الجبير دعوة قطر لتدويل منظمي رحلات الحج بـ «العدوانية وإعلان الحرب ضد المملكة». وعلى الرغم من أن المسئولين القطريين اتهموا السعوديين فعلا بتسييس الحج، وتناولوا مخاوف بشأن قدرة القطريين على حضور الحج هذا العام، في لجنة الأمم المتحدة المعنية بحرية الدين، فإن وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني يصر على عدم مطالبة أي مسئول بتدويل منظمي الحج.

وفي عالم تتزايد فيه أهمية السيطرة على الحديث السياسي، فإن جهود اللجنة الرباعية في توجيه الرأي العام ضد قطر عن طريق تعزيز الانقسام الزائف بين الأمن والسيادة لهو أمر خطير، وربما يمثل تفككًا في مجلس التعاون الخليجي -ومن سخرية القدر أن المجلس يهدف إلى الحفاظ على الأمن والسيادة- وهو ما قد يستغرق سنوات للإصلاح. غير أن الخطوة الأولى نحو القيام بذلك تتطلب الاعتراف بأن السيادة والأمن يمكن أن يتعايشا إذا أعيدت الثقة الإقليمية.