الكتاب [كتاب «الكلمات والأشياء»] ليس تبشيرا بعصر ما بعد الحداثة فحسب؛ إنما تطبيقها الأبرز وتفكيرها الأول في الذات التي لا تكف عن الانزياح لتفكر ما قد فكرت فيه من قبل.
مترجمو النسخة العربية من كتاب «الكلمات والأشياء»

كتب ميشيل فوكو كتابه «الكلمات والأشياء» بالفرنسية في العام 1966م بعد عدة كتب مثيرة للجدل مثل «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» أو «ميلاد العيادة»، ثم ترجم هذا النص إلى الإنجليزية بعنوان «مراتب الأشياء» وهو الإسم الذي يفضله فوكو لولا أن هناك من سبقه إليه من الكتاب الفرنسيين. يقع الكتاب في نسخته الإنجليزية في 404 صفحة ويتوزع على عشرة فصول. اشترك في مشروع ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ستة من المترجمين تحت إشراف وإدارة مطاع صفدي واستغرق نحو عامين ثم صدر في 1990م في 315 صفحة.

.


ولادة النص ومغامرة المنهج

ربما السؤال الجوهري الذي نطرحه قبل أو أثناء قراءة أي نص هو أين ولد، ما السؤال الملح الذي جعل الكاتب يكتب ما كتب؟ لا يتركنا فوكو محتارين كثيرا فهو يخبرنا مباشرة أن لنصه «الكلمات والأشياء» مكان ولادة في نص آخر لبورخيس يتحدث فيه عن موسوعة صينية قديمة يتم تصنيف الحيوانات فيها بطريقة عجيبة وغير معقولة بالنسبة لفوكو، تجد فيها مثلا بندا للحيوانات التي كسرت الجرة للتو وبندا آخر للحيوانات التي رسمت بريشة دقيقة أو الحيوانات التي يمتلكها الإمبراطور.

تجاوز فوكو «البنيوية» إلى منهج أكثر حركية، وقسّم الحضارة الغربية إلى ثلاث مراحل تاريخية وهي «عصر النهضة» و«العصر الكلاسيكي» و«عصر الحداثة».

قد تكون تلك الموسوعة مثيرة للضحك ولكنها بالتأكيد مثيرة للتساؤل؛ هذا التساؤل الذي قد يتجه إلى اتجاهين متعاكسين، الاتجاه الأول: ما الذي جعل هذه الموسوعة معقولة بالنسبة للصينيين؟ ما الذي أسسوا عليه هذا التصنيف وما الأرضية العقلية أو المعرفية التي قامت عليه؟ الاتجاه الثاني: – وهو الذي سلكه فوكو يتجه نحو الذات الغربية- لماذا من المستحيل أن نفكر (نحن الغربيين) هكذا؟ ما الأرضية أو النظام المعرفي الذي نفكر بداخله بحيث يكون أي تفكير كهذا غرائبيا أسطوريا، وغير معقول؟!

لا بد لنا الآن أن نسأل السؤال التالي وهو كيف سيعالج فوكو إذا هذه المعضلة؟ يجيب فوكو مباشرة مرة أخرى قائلا «كما سنرى فإن هذا التحليل لا ينتمي إلى تاريخ المعارف أو تاريخ العلوم إنما هو بالأحرى دراسة تجهد في العثور على المنطلق التي كانت منه تلك المعارف والنظريات ممكنة»، أي أنه بحث في شروط الإمكان.

إذا كنا نريد أن نتجاوز التتابع الزمني والتاريخي لنصل إلى المبادئ والأركان فلابد أننا بصدد تحليل بنيوي لهذه المعارف، لكن لا. يتجاوز فوكو هذا المنهج أيضا لمنهج أكثر حركية بقليل يعتمد على مفهوم العتبات المعرفية، بإمكاننا أن نعطي مثالا يشرح الفرق بين البنيوية ومنهج فوكو:

بإمكاننا أن نقول – مع بعض التجوّز- إن البنيوية أقرب إلى منهج معماري أو إنشائي يقوم بإعادة توزيع فوضى التاريخ والإنسان في أبنية ذات أسس وأركان حيث يمكنه دراستها وفهمها؛ أما فوكو فهو أقرب لعالم آثار يشمل مجاله الأبنية أيضا، ولكنها أبنية تراكمت مع الزمن والحضارات، وعليه أن يكتشف أيها وجد قبل الآخر، وكيف وجد، وما الذي ينطوي عليه هذا الوجود.

يتبع فوكو في كتابه طريقة منهجية في الوصول لمراده، فهو يقسم الحضارة الغربية إلى ثلاث مراحل تاريخية وهي «عصر النهضة» و«العصر الكلاسيكي» و«عصر الحداثة» لكل مرحلة من هذه المراحل نظامه المعرفي المغلق (إبستيم خاص به) لا يفكر إنسان هذه الفترة إلا من خلال مبادئه. ثم يقوم فوكو بعرض عمل فني يمثل كل فترة، ثم يستعرض فلسفتها ونظرتها للعالم وكيف تكونت هذه النظرة، ثم يحلل طيفا منتقىً من معرفة هذا العصر ويحوي هذا الطيف غالبا علوم اللغة والبيولوجيا والاقتصاد كونها تعبر بشكل كامل عن مناحي الحياة الإنسانية، فاللغة تمثل الفكرة والصورة والخيال وهي منطق الإنسان الداخلي قبل أن تكون وسيلته للتعبير، ثم البيولوجيا وهي تمثيل لكيف يعقل الإنسان الأشياء من حوله وكيف يصنفها ويزنها، ثم أخيرا الاقتصاد وهو مكمن الفعل البشري ومآل فاعليته وخصوصيته.


عصر النهضة: عالم من المرايا السحرية

هل رأيت من قبل لوحة «الوصيفات» لدييغو فاسكيز؟ تعتبر هذه اللوحة من وجهة نظر فوكو أصدق تعبير فني عن كيف كان العقل الغربي يفكر في القرن السادس عشر؛ لهذا افتتح كتابه في فصله الأول بشرح مطول ووافٍ لهذه اللوحة.

بالنسبة لفوكو، فالعقل الغربي في عصر النهضة كان يتبنى «التشابه» كنظام معرفي، من خلال أربعة أشكال رئيسية: التوافق، المنافسة، التماثل، والتعاطف.

يظهر على يسار اللوحة رسام يرسم لوحة لكنه متوقف قليلا ليعيد النظر إلى موضوعه الذي يرسمه. هذا الموضوع الذي يقف خارج حدود اللوحة في البعد الثالث وهو مشاهد اللوحة نفسها وخلف الرسام مرآة تعكس موضوعها أو تعكس الموضوع الذي يرسمه الرسام الذي بداخل الرسمة؟ هل أصابتك الحيرة؟

بالفعل هذه اللوحة مثيرة للحيرة كلعبة غرفة المرايا التي لا تكف عن عكس بعضها بعضا إلى ما لا نهاية، هكذا كان يفكر العقل الغربي في العالم والكون من حوله في القرن السادس عشر؛ فكل الأشياء عبارة عن مرايا تعكس شيئا آخر غير نفسها أو تشبه شيئا آخر غير ذاتها، فالسماء مرآة الأرض والنبات شبيه بالحيوان والنجوم شبيهة بالأعشاب.

يقبع العقل الغربي إذا في هذه المرحلة في إبستيم سماه فوكو «التشابه» لأنه أساسه الذي يفكر به. لم يتجلَّ هذا التشابه بطريقة واحدة في النصوص والتأويلات في هذا العصر، إنما كان له أربعة أشكال رئيسية صبغت المعرفة كلها:

التوافق: أي المجاورة في المكان فالأشياء المتجاورة في نفس المساحة والوسط لها صلة قرابة فالحيوانات والنباتات في مكان معين تتسم بصلة قرابة تضفي عليها سمات معينة،

المنافسة: أي الانعكاس المتحرر من قانون المكان فالشيء قد يكون انعكاس شيء آخر بعيد عنه،

التماثل: هنا يدخل مفهوم الشبه الوظيفي، فوظيفة الشيء في مكان ما قد تشبه وظيفة شيء آخر في مكان آخر،

التعاطف: أي الإيحاء الذي تعطيه الأشياء كورود الجنازات التي تعطي إيحاءً دائما بالحزن.

لكن هذا التشابه لم يكن لينغلق على نفسه ليشكل معرفة ما لم يكن له دليل أو علامة، وهنا تأتي مهمة التواقيع، وهي العلامات التي تحملها الأشياء لتدلل على الأشياء التي تشبهها والتي ترتبط بها بصلة قرابة، فالجوز كان يستعمل لعلاج أمراض الرأس لأنه شبيه بالرأس.

شكلت اللغة في هذا العصر جزءا من منظومة التشابه الدلالية؛ فاللغة لم تكن أصواتا ورموزا اعتباطية، إنما وجدت في العالم لتساعد على حل غموضه لذا فاللغة في هذا العصر تاهت بالكامل في لعبة التأويل فكل نص يتم تأويله وكل تأويل يتم تأويله بدوره.

أما نظرة الإنسان الغربي للكائنات الحية من حوله، فقد اعتمدت بالكامل على لعبة التشابهات والمعرفة السحرية والقصص الشعبية والمرويات كجزء لا غنى عنه في محاولة فهم دورها في العالم.

انعكاس السماء على الأرض ومقولة العالم الصغير ومعرفة مليئة بالأسرار والغموض والسحر والقصص الشعبية ولغة لا تكف عن شرح نفسها إلى مالانهاية، هكذا كان يفكر الإنسان الغربي في القرن السادس عشر، أي في «عصر النهضة».


العصر الكلاسيكي: سلم الكلمات ونظام الأشياء

مع بداية القرن السابع عشر وحتى أواخر القرن الثامن عشر بدا أن كل شيء تغير في المنظومة المعرفية الغربية،لكن لماذا؟

كيف ينتهي أبستيم ويبدأ آخر؟ كيف تتوقف ثقافة ما في التفكير بالطريقة التي كانت تفكر بها وتنتقل إلى طريقة أخرى؟ تبدو إجابة هذا السؤال خارج منظور منهج الحفريات وتاريخ الأفكار بشكلها الحالي، قد تكون قادرة في يوم ما على الإجابة على السؤال وقد لا تكون، ولكنها تلاحظ هذا الانتقال وترصده في كل الأحوال.

«دون كيخوته» نص أدبي للكاتب الإسباني ميغيل دي ثربانتس سابيدرا، كتبه بين الأعوام 1605م حتى 1615م، يحكي قصة النبيل الأوروبي الفقير دون كيخوتي دي لا مانتشا، الذي يتبع تقاليد الفروسية الأوروبية في بحثه عن الرومانسية والمجد والمثل العليا لكنه يتوه في لعبة التشابهات فينتهي به الأمر لمحاربة طواحين الهواء. كانت هذه الرواية هي الانبثاق الأول لمرحلة ما بعد عصر النهضة والمفتتح الأمثل لعصر «التمثيل» في القرنين السابع والثامن عشر.

ما هو التمثيل إذا؟ التمثيل هو لعبة الفلسفة والمنطق القديمة، حيث يتم تفكيك المقولة المعرفية إلى أبسط مركباتها، إلى الموضوع والمحمول، أو كما يعرفه فوكو: هو تعريف الأشياء بالمقارنة.

والمقارنة لها شكلان؛ مقارنة المقياس ومقارنة النظام. مقارنة المقياس هي التي تعتمد على مفاهيم كالمقدار والتكثر والامتداد، أما مقارنة النظام فهي لا ترجع إلى أي حد خارجي، فقط الموضوع والمحمول.

أسس التمثيل لنفسه كأبستيم معرفي مسيطر على ركنين اثنين أحدهما في الفلسفة وهو «رينيه ديكارت» أبو العقلانية الأوروبية، و«نيوتن» عراب علومها ومناهجها في الرياضيات والفيزياء.

وكان على اللغة – بدورها- أن تخلع ثوبها الأسطوري والغامض القديم وتهرب من لعبة التأويل لتقوم بمهمتها الجديدة وهي «التمثيل»، ولكي يتم ضبط هذا الانتقال وتحديد حدوده وجد علم النحو العام كعلم للتمفصل والنظام بين الكلمات.

أما التاريخ الطبيعي، وهو علم تاريخ الكائنات الذي نشأ ليضع حدا عقلانيا لنظرة الإنسان للطبيعة. قام هذا العلم على التقسيمات شبه الرياضية فاعتمد على الجدولة واعتمد على الملاحظة التي استمدها من علوم الفيزياء. وتم تصنيف الكائنات حسب شكلها وسماتها وبنيتها، وهي تصنيفات في حدود ما سمح به منهج الملاحظة ولعبة التمثيل. هذا التصنيف من الأبسط للأعقد على حسب البنية والشكل سمح بنشوء بوادر نظرية التطور على يد بوفون ولامارك.

أما الاقتصاد، فمع ظهور البروتستانتية والمركانتيلية أصبح من الضروري أن توجد علوم الاقتصاد مع تزايد الجدل حول القيمة والتجارة والمبادلة، إلا أنها ظلت جميعا قيدا للعبة التمثيل أي كيف تمثل النقود القيمة وكيف تولدها المبادلة.


الحداثة: فوضى الشبكات وظهور الإنسان

اتخذ العصر الكلاسيكي «التمثيل» نظاما معرفيا، وهو الذي يعرفه فوكو بأنه «تعريف الأشياء بالمقارنة»، وكان مبدأ تأسيسه على يد نيوتن وديكارت

لم ينشأ العصر الحديث على أنقاض العصر الكلاسيكي كما يزعم البعض؛ إنما يحاجج فوكو أن المعرفة الحديثة نشأت في الفراغ الذي تركه إبستيم العصر الكلاسيكي الجامد والمنظم. يمكننا القول إن العصر الحديث هو تشظٍ لمعارف القرنين السابع عشر والثامن عشر حين لم تستطع بشكلها السابق أن تواكب التطور السريع لمناحي الحياة الإنسانية.

نشأت المعرفة الحداثية في الفراغات التي خلفا إبستيم العصر الكلاسيكي، فأدخلت مفهوم «الوظيفة»، والإنسان على المسرح باعتباره مادة للمعرفة وليس فقط ذاتا مفكرة.

لا أحد ينافس الفيلسوف الألماني «إيمانويل كانط» كعراب لهذه المرحلة بكتابه المهم والتأسيسي «نقد العقل المحض» الذي أثبت فيه عدم جدوى الميتافيزيقا العقلية الكلاسيكية في إنشاء معرفة حقيقة وأحقية التجربة كبرهان وحيد على هذه المعرفة. ركنان أساسيان إذًا قامت عليهما المعرفة الحديثة في سعيها عن حالة أكثر ديناميكية وأكثر وقدرة على التفاعل، الركن الأول هو دخول مفهوم الوظيفة في علوم البيولوجيا والاقتصاد السياسي واللغويات، والثاني هو ظهور الإنسان على المسرح كمادة للمعرفة وليس فقط ذاتا مفكرة.

ففي الاقتصاد السياسي، دشن آدم سميث علوم هذه المرحلة بتأسيسه لعلم الاقتصاد السياسي وإدخاله مفهوم العمل كمحرك لهذا الاقتصاد بعيدا عن القيمة والنقد والمبادلة، ثم تبعه بعد ذلك كارل ماركس ليؤسس أيديولوجيا اجتماعية وفلسفية كاملة بناءً على هذا المفهوم كقيمة عليا في الاقتصاد والسياسة والتاريخ.

وفي البيولوجيا، انفرط عقد التصنيف القديم للكائنات بناءً على سماتها الرئيسية، ليبرز مفهوم جديد هو النظام أو الوظيفة التي تخدمها هذه السمات، وظهرت مفاهيم الأجهزة المختلفة داخل أجسام الكائنات ووظائفها.

وفي اللغة، طرأ تغيير جوهري أيضا في علوم اللغويات حيث اختفى النحو العام تدريجيا ليحل مكانه إعراب الكلمات والأنظمة المختلفة للغات وتركيب الجمل، وتطورت اللغة من ممثل وحيد للفكر ومكون وحيد للخطاب لتدخل في منظومة متكاملة من العناصر التي تؤلف الهوية والكينونة والثقافة.

أما العلوم الإنسانية، فقد نشأت في العصر الحديث بسبب انزياح الذات الإنسانية كعنصر مفكِّر إلى شيء مفكَّر فيه، وهذا الانزياح الذي يستمر إلى ما لا نهاية هو السبب الذي يجعل من هذه العلوم مجموعة من المعارف الضبابية التي لا ترقى بحال إلى مرتبة.

إن التفكير في الإنسان يغير جوهره باستمرار، مما يجعل أمر التفكير فيه مجددا أمر لا مناص منه، لذلك وجد على الساحة مفاهيم مثل تاريخ التاريخ أو سوسيولوجيا السوسيولوجيا أو علم النفس السياسي. هذه المعارف السائلة والمتمددة باستمرار والباحثة لنفسها عن موضوعات جديدة تشكل أزمة حقيقة في سعي هذه المعارف لأن ترقى لمرتبة العلوم.

يستمر أبستيم الحداثة إذا في التفسخ والتوسع والابتعاد عن ذاته بسبب طبيعته الشبكية والسائلة، وإن كان هذا الحال يفضي إلى أزمة حقيقة كما هو الحال في المعارف الإنسانية، إلا أن الإنسان الغربي لا يستطيع التفلت من هذا الأبستيم حتى يحل آخر بديلا له.

أخيرًا، هذا العرض المختصر لا يغنيك بتاتا عن متعة قراءة الكتاب والمرور على النصوص والأمثلة والمناهج والمفاهيم التي يستشهد بها فوكو في كتابه. كما أن قراءة الكتاب ستفتح في ذهنك أبوابا كثيرة للأسئلة عن طريقة تشكل الذات الغربية وغير الغربية، وعن المركزية المعرفية في العالم، وعن مصير معرفتنا وكيف قامت وإلامَ آلت. هو نص مثير في كل الأحوال لا يجدر بك تفويت قراءته.